في الوقت الذي يتجه فيه العالم إلى شدّ الأحزمة، وخفض النفقات، واعتماد سياسات مالية أكثر تشدّداً بسبب تباطؤ النمو وارتفاع مستويات الدَين وتزايد حالة عدم اليقين، أعلنت السعودية هذا الأسبوع ميزانية توسعية تعاكس هذا الاتجاه العالمي. قد يبدو هذا التوجه استثنائياً، لكنه في الحقيقة يعكس فلسفة اقتصادية واضحة ترى أن الاستثمار في التحوّل الوطني اليوم أقل كلفة من تأجيله، وأن إنهاء المشاريع الكبرى هو الطريق الأسرع لتعظيم العوائد الاقتصادية على المدى المتوسط والبعيد.

عالمياً، تتراجع الاستثمارات العامة في معظم الدول المتقدّمة. الولايات المتحدة وأوروبا تتأثران بارتفاع كلفة التمويل نتيجة الفائدة المرتفعة، بينما تتعامل اقتصادات آسيوية عديدة مع ضغوط الديون وضعف الإنتاجية. ومن هذا المنطلق، تفضّل الحكومات العالمية تقليص الإنفاق الرأسمالي وتأجيل المشاريع الكبرى، ليس رغبة في الإصلاح، بل خشية من تضخم جديد أو هزات مالية غير محسوبة.

في المقابل، السعودية تسير عكس هذا المسار بدافع الثقة البنيوية في قوة اقتصادها ووضوح أهدافها. السبب الأول لهذا التفرد هو أن مستويات العجز في الميزانية السعودية تبقى من الأدنى عالمياً مقارنة بالاقتصادات الكبرى. فبينما يسجل العجز الأمريكي ما بين 6 إلى 8% من الناتج، والأوروبي بين 4 و6%، تحافظ المملكة على عجز منضبط ومرن، مدعوماً بمزيج من قوة المالية العامة وانخفاض الدين العام ووجود أصول استثمارية كبيرة عبر الصناديق الحكومية. بمعنى آخر، العجز السعودي ليس نتاج خلل هيكلي في الإيرادات، بل نتيجة استثمار متعمّد في مشاريع مستقبلية.

السبب الثاني أن الإنفاق السعودي ليس إنفاقاً استهلاكياً، بل إنفاق رأسمالي موجّه نحو قطاعات عالية العائد تتمثل في البنية التحتية، والصناعة، واللوجستيات، والسياحة، والطاقة المتجدّدة، والنقل، والتقنية. هذه المشاريع ليست مجرد منشآت، بل ركائز لإنتاجية أعلى ستولد إيرادات غير نفطية، ووظائف نوعية، وحركة استثمارية متسارعة في السنوات القادمة. وهنا تبدو الفلسفة واضحة، إنهاء المشاريع الكبرى اليوم أفضل بكثير من إبطائها أو إعادة جدولتها، لأن كلفة التأخير أعلى من كلفة التمويل نفسه.

تتبنى السعودية اليوم إستراتيجية مالية شبيهة بما قامت به الاقتصادات التي نجحت في التحوّل الهيكلي خلال العقود الماضية. على سبيل المثال، اليابان استثمرت بكثافة في بنيتها التحتية رغم ارتفاع الدين، والولايات المتحدة أطلقت أكبر خطط صناعية منذ الثمانينيات عبر قانون CHIPS، وكوريا الجنوبية ضاعفت إنفاقها الاستثماري رغم تباطؤ النمو. الفكرة الجوهرية هنا هي أن الدول لا تتقدم عبر تقليص الإنفاق، بل عبر توجيهه نحو القطاعات التي تضاعف الناتج لاحقاً.

الميزانية السعودية للعام 2026 تحسب كإستراتيجية نمو مدروسة، ترى أن المستقبل يُصنع بالاستثمار الذكي لا بالتأجيل. وبهذا التوجه، ترسّخ السعودية موقعها كأحد الاقتصادات القليلة التي تبني نموها في وقت يتراجع فيه الآخرون.