كلما اندلعت حرب جديدة كالحرب الدائرة حالياً في منطقتنا، يعود السؤال: أين النظام الدولي ليمنع الحروب ويصون السلام؟ وأين المؤسسات التي تعهّدت بحماية الإنسان من جنون القوة وغطرسة السلاح؟

معلوم أن الأمم المتحدة تأسّست بعد كارثة الحرب العالمية الثانية بوعد كبير: أن البشرية لن تعود إلى الفوضى التي قادت إلى حربين عالميتين. وأن العالم لن يسمح بعد الآن لهتلر جديد ونازية جديدة أو متجدّدة لتدمير العالم وتعربد بالبشرية. فكان الهدف واضحًا؛ إقامة نظام دولي تحكمه القواعد لا المدافع والمقاتلات، القانون لا القوة والبطش.

لكن النظام الدولي يتهاوى ويتآكل مع كل حرب وأزمة جديدة، وتتحوّل الأمم المتحدة إلى منصة إدانات وبيانات، ومنبر خطابات، بينما يُنتهك القانون الدولي، وتدوي المدافع والطائرات والصواريخ، وتزهق الأرواح، وتباد البشرية والحضارات، وتتعطل التنمية.

ولأن القوى المنتصرة بعد الحرب العالمية أرادت تنظيم ميزان القوة بينها، فأسّست الأمم المتحدة، اليوم تغيّرت موازين القوى، بينما بقيت قواعد اللعبة الدولية كما هي.

وفي قلب هذه المفارقة أصبح مجلس الأمن، الذي يمتلك سلطة اتخاذ القرارات المصيرية، والذي يفترض أن يحفظ الأمن الدولي، رهينة لمعادلة سياسية واحدة: مصالح القوى الكبرى. فحق النقض، الذي وضع يومًا لمنع مواجهة مباشرة بين القوى العظمى، تحوّل مع الزمن إلى أداة تعطيل، تُسقط القرارات قبل أن ترى النور. وهكذا يصبح المجلس شاهدًا على عجزه عن حماية هذا الأمن.

أما القانون الدولي الذي كان يُفترض أن يكون الضمير العادل للعالم فقد وجد نفسه خارج الخدمة، رغم أنه يقوم على فكرة نبيلة وهي أن الدول، مهما بلغت قوتها، تخضع لقواعد مشتركة، لولا أن الانتقائية التي تخدم مصالح بعض القوى الكبرى أفرغته من مضمونه. فأصبح القانون الدولي يعمل بكفاءة فقط حين يتعلق الأمر بالدول الضعيفة. هنا أصبح القانون نصوصًا بلا أنياب أو مخالب؛

فهل ماتت الأمم المتحدة وهل انتهى القانون الدولي مع كل هذا الشلل الناجم عن حق النقض في مجلس الأمن، هناك أطر منها الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تسجّل على الأقل مواقف حيال الأزمات الكبرى والمتسببين بها والمنتهكين الدائمين لسيادة الدول والمرتكبين الدائمين للإبادات الجماعية والتطهير العرقي والتهجير والتجويع وانتهاكات حقوق الإنسان ولتبقى الحقيقة ساطعة، التي يراد تزويرها وتزييفها أمام الرأي العام، الذي يراد تضليله بشتى أساليب التضليل والخداع. وليبقى الوعي مرتفعاً فهو المحرك الدائم لضمير البشرية السوية الطبيعية وللتاريخ، ثم ليبقى دليلاً قانونياً لملاحقة الجناة والمجرمين عندما تسمح الظروف المستقبلية بذلك.

لقد علّمنا التاريخ عندما يموت القانون تبدأ الحروب. وعندما تتكاثر الحروب تكتشف البشرية متأخرة أنها كانت بحاجة إلى قانون أكثر مما كانت تظن.

ومع ذلك هناك مجال لتفعيل دور الجمعية العامة للأمم المتحدة في الأزمة الراهنة في منطقتنا بعيداً عن شلل مجلس الأمن، وذلك عبر آليات قانونية وسياسية أوجدت بسبب استخدام حق النقض (الفيتو). أهم هذه الآليات ما يلي الاتحاد من أجل السلام الذي يسمح للجمعية العامة بالتدخل عندما يفشل مجلس الأمن في حفظ السلم بسبب الفيتو، حيث للجمعية العامة أن تعقد دورة استثنائية طارئة خلال 24 ساعة وتوصي بإجراءات جماعية لحفظ السلم والأمن الدولي بما فيها عقوبات اقتصادية وعزلة دبلوماسية ومقاطعة دولية، وفي حالات استثنائية التوصية باستخدام القوة عبر تشكيل تحالف من دول خارج المجلس. وقد استُخدم ذلك تاريخياً عدة مرات.

الخطير في الحرب الدائرة حالياً في منطقتنا، بالإضافة لخلطها الأوراق العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية الإقليمية والدولية، هو أن هذه الحرب تأتي بين نظامين عالميين أحدهما ينهار ويضمحل وآخر يولد ويتشكّل.