أكيد أن الوهم سيكون مبتهجاً إذ وصفته في العشرين شاباً يانعاً، بينما هو قديم قدم الدهر، ومنذ أن تاجر أول سياسي برجل دين ليبيع بضاعة الوهم وتسير بها الجموع مغممة أعينها وإن كانت تبصر.

لكن العقدين الأخيرين وأعني من الحرب التي افتعلها حزب الله «ذراع إيران في لبنان» مع إسرائيل، عبر خطف جنديين في عملية «الوعد الصادق» وما أكذبه من وعد، كانت الذريعة المعلنة استعادة أسرى الحزب، والمبطنة كانت التأكيد على أن جثوم إيران على لبنان مستمر عبر حزب الله، بعد أن أخرج الضغط الدولي نظام الأسد.

لكن ما يعنينا في تلك المرحلة هو تصدير الوهم، حيث انطلق المؤيدون لهذه الحرب تحت ذريعة «عدو عدوي صديقي»، وشمل ذلك الإسلام السياسي «الإخوان المسلمين»، حيث خرج مهدي عاكف ليصف المقاومة في لبنان بأنها تدافع عن كرامة الأمة، والكرامة والمقاومة تحتاج بحثاً آخر كمحددات للوهم.

ولم يكن الوهم حصراً بالإسلامويين بل توسع ليشمل مثقفين من اليسار، ذهبوا غلواً في وصف الحزب بكونه وريث حركات التحرر الوطني في فيتنام وكوبا، وشمل ذلك ليبراليين في عدة دول بل وحركات قومية مسيحية أيضاً، ولم ينجُ من ذلك أدونيس العلماني والمعروف بنقده للعقل الفقهي، وخرج بصياغة غريبة تؤيد الحزب في سلاحه وتعارض الحزب في مشروعه الاجتماعي والديني.

واليوم حيث بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران، والتي ما كان منها إلا أن هاجمت دولاً عربية بأضعاف ما هاجمت به إسرائيل، وبالطبع نعرف اليوم أن جل الأهداف مدنية وليست مصالح أمريكية كما زعمت، وهذا يدل على منهج عدواني لم تُثنِه مواقف السعودية ودول الخليج من الحث على منع الحرب والتشديد على منع استخدام أراضيها وأجوائها.

إلا أن المنظور الأعور تكشّف من دول ومنظمات ومثقفين وإعلاميين، حيث يرون بأعينهم اعتداء إسرائيل على إيران، ولا يرون بقلوبهم اعتداء إيران على دول الخليج، فهذا الموقف الكاشف لما عجزت أن تخفيه براغماتيتهم، زاد عليه خلطه بعجين من الوهم يريد أن يصور الاعتداءات على الدول الخليجية من مسيّرات وصواريخ قادمة من طرف ثالث.

وهو موقف يمثل أولاً تسويقاً للسردية الإيرانية وبالتالي خلق تعاطف معها، ثم يمعن في الإرهاب ليجعل خياراتك محصورة بين الوقوف مع إيران أو إسرائيل، بينما لا ينبغى أن يكون لدى الإنسان أي لبس، فموقفه يجب أن يكون راسخاً مع وطنه، وواضحاً نحو كل معتدٍ عليه أياً كان.

وكما يشير «والتر ليبمان» الأب الروحي لفكرة صناعة الوهم كظاهرة إدراكية لدى البشر، وذلك في كتابه «الرأي العام»، إلى أن الإعلام والسياسيين يقومون بإنشاء «بيئة زئبقية» زائفة، تمثل سيناريو من الصور التي صيغت لتكون بديلاً عن الواقع.