أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/265.jpg?v=1768301671&w=220&q=100&f=webp

عبدالرحمن الطريري

قوة الدبلوماسية السعودية

الجيوش الأردنية والسورية اجتمعت على الحدود وأصبحت الحرب بين البلدين على بعد لحظة تنطلق معها الرصاصة الأولى، وشاهد الناس عشرات الجنود والدبابات على أهبة الاستعداد، حدث ذلك في العام 1980، بعد شهرين من بداية الحرب العراقية الإيرانية، ونعرف أن سوريا حافظ الأسد اصطفت مع الإيرانيين والأردن مع العراقيين.


حينها قام الأمير عبدالله بن عبدالعزيز النائب الثاني ورئيس الحرس الوطني وبتوجيه من الملك خالد، رحمهما الله، بجولات مكوكية بين دمشق وعمان، لتجنيب بلدين عربيين معركة طاحنة، ولم تكن المهمة سهلة ولكن نجحت الوساطة السعودية في تفكيك تدريجي للاحتقان، والسحب التدريجي للجنود، وصولا لدعوة الملك لزعيمي البلدين لزيارة الرياض وكسر الجمود بينهما.


هذه القصة ليست الأولى ولا الأخيرة من المبادرات السعودية لحقن الدماء وتوجيه المنطقة نحو التنمية، والمبادرة لا قيمة لها إلا إذا كانت مع أطراف تُغلب الحلول الأمنية والعسكرية، وهو ما قد يجادل فيه أي شخص حول نهج إيران، وهنا تبرز أهمية الدبلوماسية السعودية، بإقناع طهران بما هو غير متسق مع نهجها، عبر إبراز المشتركات وتجنيب الشعوب ويلات الحروب.


وهذا ما ورد على سبيل المثال في حديث الأمير سلطان بن عبدالعزيز رحمه الله خلال زيارته لطهران في مايو 1999، حين قال إن تعاوننا الاقتصادي والثقافي يجب أن يتقدم على تعاوننا الأمني، هذا التصريح يملك قيمة أكبر من رجل دولة خاصة وهو في منصب وزير الدفاع، ويذكرنا بالحكمة التي تقول: يُقدم الساسة على الحروب، بينما يسعى الجنرالات لتجنبها.


اليوم تأتي زيارة سمو وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان برفقة رئيس أركان الجيش الباكستاني ورئيس استخبارات تركيا، وهي الدول الثلاث المنضوية في تحالف مكة، لتحمل العديد من الرسائل وعلى رأسها رؤية جديدة لأمن المنطقة، عبر أطراف وقعت اتفاقية دفاع مشترك، لكن الزيارة عبرت أيضا عن رؤية الاستقرار المشترك.


الزيارة تأتي لفتح هوة في جدار التعنت بين أمريكا وإيران، وبين مساعي نتنياهو لتجنب محاسبة الشعب الإسرائيلي حول السابع من أكتوبر بمزيد من التصعيد واستمرار الهروب للأمام، والأزمة كما نشهدها ليست بالضرورة خلافا على ملفات النووي أو غيره، بل هي ترتكز على غياب الثقة والقدرة على الخروج بأي اتفاق لا يستطيع الطرفان تسويقه كانتصار.


وتأتي الزيارة استنادا لجهود كبيرة للوسطاء باكستان وقطر، أسهمتا حتى اليوم في تقليل فرص التصادم بين طرفي الصراع، وتشكل الزيارة في تقديري خطوة تقدمية لا تمثل وساطة ولكن تمثل رؤية مشتركة لأمن المنطقة، رؤية تستشرف الاستقرار الأمني عبر الاستقرار وهو الجالب الأول للازدهار الاقتصادي.


الدبلوماسية السعودية لها ثقل كبير ومؤثر في العواصم الرئيسية في العالم، وهي دبلوماسية نظمت خطوطها عبر الغرف المغلقة وتجنب الضوضاء، فالاختراقات الدبلوماسية يجب أن تتم بأعلى درجات السرية، وعبر طرف يملك سجلا من الموثوقية.


طرفا النزاع أجهدا اقتصاديا وعسكريا من فبراير الماضي وحتى اليوم، ووجود مخرج يحفظ ماء الوجه، ويمثل سلما بسجادة حمراء للنزول من الشجرة هو الهدف الأسمى بغض النظر عن الإخراج، وهذه الزيارة التي قام بها سمو وزير الدفاع خطوة مهمة في رمزيتها ورسائلها تحتاج أن يلتقطها الطرف الآخر بحكمة وتغليب مصلحة الشعوب والأمن المشترك للمنطقة.


ويعلمنا التاريخ حكمة «ليس القوي من يكسب الحرب دائماً وإنما الضعيف من يخسر السلام دائماً».

منذ يوم

دفاعات السعودية.. ما يغفله الإعلام الغربي!

الراصد للإعلام الغربي خلال شهر أكتوبر والذي شمل عملية «فجر اليمن» للجم المليشيات الإرهابية في اليمن والتي سعت إلى السيطرة على مضيق باب المندب، إكمالاً للطوق الذي يمثل أكبر دافع لارتفاع أسعار الطاقة وبالتالي يحقق أكبر خسارة ممكنة على مستوى الانتخابات النصفية، يلاحظ العديد من المقالات التي هاجمت المملكة على مستوى قدراتها الدفاعية.

تركّز المقالات على عدة ملفات أولها الميزانية العسكرية الكبيرة للمملكة باعتبارها من أكبر المستثمرين في العالم في بناء قدرات عسكرية دفاعية، بما يشمل بطبيعة الحال رفع المحتوى المحلي، وبالرغم من أن الرقم المستخدم وهو نحو ثمانين ملياراً مغرٍ جداً للاستخدام كـ«مانشيت»، إلا أن استخدامه منفرداً يشير لخلل بنيوي في التحليل، فهناك الكثير من التفاصيل حول الأسلحة ومدى مناسبتها لكل معركة، ووجود مشتريات لم تُستلم تبعاً للوتيرة الإنتاجية في المصانع.

بالطبع تبحر هذه التحليلات في تفاصيل الطائرات التي تمتلكها المملكة، وفي أحيان تشير إلى ادعاءات بنفاد الصواريخ الاعتراضية، وهذا أمر يطغى عليه الاستسهال في التحليل، عبر عدة زوايا، من ضمنها أنها قصة تستطيع استخدامها على الدفاعات الأمريكية في تصديها لإيران، وتستطيع القول بها في الحالة الأوكرانية أو الروسية، كما أن الدول لا تشارك إعلامياً كمية الصواريخ الاعتراضية الباقية، ولا سبل التصدي والاعتراض الأخرى.نقطة مهمة أيضاً تغيب عن هذه التحليلات وهي أن الربح والخسارة مختلفة في معايير الحوثي والمليشيات الإرهابية بالمجمل، فهي تأمل أن تستهدف أهدافاً نفطية تخدم أجندات، أو أعياناً مدنية كالمطارات والمنازل مما يرفع الاستهداف إلى أولويات الأخبار، كما أن الاستهداف يرتكز على الحجم الشاسع للمملكة على نحو 2.2 مليون كيلومتر مربع أملاً أن لا تتمكن الدفاعات الجوية من ردعه.

الأطروحة المتكررة في عدة مقالات أيضاً هو فشل التحالفات التي تقودها المملكة، وهذا يعد نمطاً بغبغائياً للسردية الحوثية والتي يمكن مشاهدتها في الصحف والقنوات المحسوبة على المحور لبنانياً وعراقياً، ويمكن تسمية تأثيره على المحور بمتلازمة ما بعد الصدمة، حيث لم يتوقع أن تقوم المملكة بخطوة اتفاق مكة مع باكستان وتركيا، والتنسيق الرباعي الذي شمل جمهورية مصر، والتي تعاني من عبث الحوثي عبر التأثير على مداخيل قناة السويس.

لكن هذه الزاوية لدى محور طهران لاقت هوى عند الغرب، وهو الحنق من قدرة المنطقة على خلق تحالف قوي غير مرتكز على الغرب وخاصة الولايات المتحدة، وعسكرياً يغيب المنطق عن هذه الأطروحة لأن هدف تحالف مكة ليس حسم المعركة، بل هو مبني على مسارات عدة من التدريب ومشاركة المعلومات الاستخبارية، بالإضافة إلى نشر الجنود ومنظومات الدفاع إذا ما تم طلب ذلك من إحدى الدول الثلاث، تماماً كما هو معمول به في المادة الخامسة من حلف الناتو.

والزاوية الأخيرة التي جمعت المقالات في «بلومبيرغ» و«نيويورك تايمز» و«سي بي سي» و«الجارديان» وغيرها هي تخلي ترمب عن المملكة، وهذه الزاوية مفهومة إلى حد كبير أمريكياً على مستوى عدم رغبة الإدارة فتح جبهة جديدة، وهي على مشارف انتخابات نصفية، تضاف لحصار هرمز وحالة التأهب مع إيران، وإن كان شمل التعاون بين الطرفين المعلومات الاستخبارية كذلك، لكن في ظني أن هذه الزاوية تحديداً لم يكن المراد منها مهاجمة المملكة بل القول انظروا كيف يعامل ترمب حلفاءه ولا يقف معهم وهي سردية موجودة أوروبياً وأوكرانياً ولها من الرجاحة الكثير.

وكان لافتاً في مجمل المقالات أنها جمعت أطيافاً من اليمين واليسار الليبرالي معاً والتي توزعت بين موقف من كل ما تفعله المملكة وبالتالي استغلال المعركة الحالية، لمحاولة التبشير بفشل الرؤية الاقتصادية للسعودية، وهذا محض تحليل رغبوي، والأمر الآخر هو فوقية غربية تتناول نفاد صاروخ من الدفاعات السعودية كنقطة ضعف، بينما نفاد صاروخ لإسرائيل من طبقاتها الدفاعية المتعددة وقبتها الصاروخية، والأكثر سخرية أن يكتب ذلك من نفس المطبوعة!

ختاماً، بلا شك أن المملكة حققت سجلاً غير مسبوق في التصدي تجاوز 92%، وتشير مصادر إلى نسب أعلى، كما أن ثقلها السياسي لم يمكّنها من النجاح في اتفاق مكة فحسب، بل حرص البريطانيون والفرنسيون واليونانيون وغيرهم على المشاركة الفاعلة، حيث إن تهديد مصادر الطاقة والدولة الأكثر موثوقية كمصدر للطاقة عبر العقود، واستهداف الممرات التجارية الرئيسية ليس تحدياً سعودياً فقط، وهذا ما أوضحته السعودية وأدركه الجميع بعيداً عن فرقعات الإعلام.

وتبقى النقطة التي تغيب عن الإعلام الغربي تقييم مدى خسائر الحوثيين البشرية والجغرافية، وأيضاً خسائر مخازن الصواريخ والذخيرة ومحطات الإطلاق مع إحكام الحصار على خطوط الإمداد، ليس فقط لغياب المصادر على الأرض، ولكن لغياب الموضوعية في أحايين كثيرة.

منذ يومين

الضربة الموعودة

خلال الأيام الماضية حرصت كافة الأطراف على الحديث عن ضربة لإيران، تباين الحديث عن الأهداف والتوقيت خاصة ونحن بين الانتخابات الإسرائيلية والانتخابات النصفية الأمريكية، والتي تحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري سيخسر أغلبيته في الكونغرس أو في مجلس الشيوخ أيضاً.

ومن جانبها، لم تبخل إيران علينا بالإعلان عن بنك أهدافها الذي أضافت عليه الكابلات البحرية، بالرغم من أنها تتضرر من الكابلات كما تتأثر دول الخليج، وهو ما يشبه خطوة إغلاق هرمز التي تضررت منها بالقدر ذاته الذي تضرر منه الآخرون، كما لم تبخل طهران بالمؤشرات الدالة على استعداد الحوثي ليكون مشاركاً في الرد على الضربة الأمريكية الإسرائيلية المرتقبة، واستهداف دول أخرى في الخليج.

ما سبق الانتخابات النصفية كان مسعى حثيثاً من إيران لرفع أسعار النفط بقدر المستطاع، سواء ضربات خط شرق غرب، أو محاولة السيطرة على باب المندب، والتصعيد الذي تم مؤخراً على السفن وناقلات النفط التي تعبر من مضيق هرمز، وهو ما يرمز بالإضافة لدلالته الانتخابية إلى الاختناق الاقتصادي والسياسي الإيراني من حالة اللاحرب واللاسلم.

وهذا المدخل للأسباب التي تجعل إيران تحتاج الضربة، فالتصعيد العسكري يسمح لها بشد عصب الشارع أكثر من حالة اللاحرب واللاسلم، خاصة مع إدراكها لتكرار التصاريح الإسرائيلية عن إسقاط النظام والذي يعد ركيزته دعم التحركات الشعبية، وهو في إحدى صوره ما يجعلها تضرب باستمرار المعارضة الإيرانية في كردستان العراق.

من جانب آخر، يبرز اختلاف بين الأمريكيين والإسرائيليين في بنك الأهداف، وغاية كل طرف من الضربة، فالأمريكان يريدون ضربة على مسار الضغط الاقتصادي الذي يبدو أنه يؤتي أكله ولو كابر الحرس الثوري، فتعطيل الكثير من الرحلات التجارية الإيرانية، وخنق الصادرات النفطية الإيرانية، بالإضافة إلى ما استجد مؤخراً من إيقاف عدة دول حدودية مثل باكستان لحركة تنقل الشاحنات امتثالاً للعقوبات الأمريكية، مما مثل تجفيفاً إضافياً لصادرات وواردات إيران.

وبالتالي ستستهدف الضربة الأمريكية على الأرجح محطات توليد الكهرباء، موانئ تصدير النفط الحيوية (مثل جزيرة خارك)، ومصافي التكرير، وربما بعض الجسور أو تكرار لقطار بحر قزوين والذي مثل شرياناً جديداً للربط مع روسيا والصين، وقد يكون استهداف معسكرات الحرس الثوري وقيادته ضمن الأهداف المشتركة بين إسرائيل وأمريكا معاً.

أما بنك الأهداف المثالي لنتنياهو فهو يستهدف أولاً تحييد الرادارات وأنظمة الدفاع الجوي، لتأمين أفضل ظروف للطيران الإسرائيلي، وتأتي المنشآت النووية في نطنز وفوردو وآراك كأهداف مهمة لمحاولة تأخير المشروع النووي إن لم يتم تحييده بالكامل، وتمثل مصانع الصواريخ والمسيّرات هدفاً مهماً للحد من استخدامه إيرانياً من فرص وصوله لأذرعها.

لكن الأهم بالنسبة لنتنياهو من طبيعة الضربة هو توقيتها، فأي ضربة قبل الانتخابات الإسرائيلية ستكون حيلة لن تنطلي على الناخب الإسرائيلي، وسيصعب اتفاق 80 نائباً في الكنيست على تأجيل الانتخابات، أما النافذة الثانية وهي بين الانتخابين، فقد تكون مضره بالقيادة الأمريكية عبر رفع أسعار الطاقة المرتفعة حالياً.

لكنها تمنح نتنياهو فرصة حشر المعارضة في تشكيل حكومة حرب ائتلافية «طوارئ»، خاصة واستطلاعات الرأي لا تتوقع أن يحظى بأكثر من 50 مقعداً، بينما تتجاوزه المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت بنحو 6 مقاعد، وبقية المقاعد ستذهب غالباً للكتلة العربية التي قد تكون مرجحة هذه المرة خاصة مع زيادة إقبالها في الانتخابات الحالية، وتبقى الضربة ما بعد الانتخابات النصفية هي الخيار الأمثل لترمب ونتنياهو معاً.

إلا أني ما زلت أرجح أن الرسائل التي حملها لافروف وكذلك قائد الجيش الباكستاني تحمل تحذيراً لإيران ألا تخسر الفرصة الأخيرة لتجنب الحرب، فهذه الجولة يسبقها تغيرات تتجاوز أطراف الصراع الثلاثة، التغير الروسي لا يجب التقليل منه، ولكن أيضاً اللقاء الثماني بين الرباعية الإقليمية والأوروبية في تركيا، وإجماعها للدعوة إلى تجنب تصعيد عسكري.

أتمنى أن تسعى الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية لمنطقة وسطى يقتنع كل طرف بأنه تنازل أقل وبالتالي يقتنع بالتوقيع، فالإيرانيون يحتاجون المال والهدوء، والأمريكيون يحتاجون اتفاقاً يرتدي ثوب النصر على قاعدة «أفضل من اتفاق أوباما».. أما البديل عن ذلك سيكون التأقلم مع معركة أطول قد تمتد على أقل تقدير حتى نهاية فترة ترمب.

00:00 | 25-10-2026

الباقة الروسية للصفقة الإيرانية

خلال الأيام القليلة الماضية تواترت الأخبار القادمة من واشنطن، والتي حملت عطايا لروسيا لم تتوقف عند الإعفاء من رسوم وتعرفة جمركية تبلغ 500%، بل أضيف لذلك اتفاق لشراء الديزل الروسي، كأحد أهم عوامل تخفيف الضغط على أسعار الطاقة، وتعويض ما تأثر من اضطرابات إمدادات الطاقة في منطقة الخليج العربي.

وبالتزامن زار وزير خارجية روسيا المخضرم سيرغي لافروف البحرين وحضر اجتماع وزراء الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي، قبل أن يغادر لطهران ويلتقي بنظيره الإيراني عباس عراقجي، وحرص الإيرانيون على أن يشيروا إلى أن علاقاتهم مع الروس في مستوى متميز وغير مسبوق، وفي السياسة كثير من المدح يكون ضمن الدبلوماسية الوقائية خاصة وقت المفاوضات.

طبعا تباينت الآراء التي ترى تغيّراً براغماتياً في الموقف الروسي، وتفاوتت بين من يرى أن روسيا باعت إيران إلى من يرى أنها بدأت في التخلي عنها وتركها لمصيرها، خاصة إذا ما أضفنا لزيارة لافروف، زيارة قائد الجيش الباكستاني في اليوم التالي عاصم منير ولقاءه بأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، وحرص الأخير على تصريحات متزامنة ارتبطت برفض إخراج النووي المخصب من إيران، وهو عادة الملف الذي يقبل الغرب أن يوكل لموسكو، كما قبل مسبقا أوباما أن يقوم الروس بإخراج المواد الكيميائية من سوريا.

وبالحديث عن سوريا ربما يسهم الملف السوري في فهم العلاقة بين طهران وموسكو أكثر، ففي سبتمبر 2015 حين دخلت القوات الروسية، بدا المشهد تحالفاً متماسكاً: الطيران الروسي في الجو، والحرس الثوري وحلفاؤه على الأرض، والهدف المعلن إنقاذ نظام الأسد. لكن خلف هذا التنسيق كانت هناك أجندتان مختلفتان، أرادت روسيا دولة سورية قابلة للتفاوض، وقاعدتين على المتوسط، أو كما يسمونه الروس الوصول للمياه الدافئة، ومقعداً في ترتيبات مستقبل دمشق، وأرادت إيران ممراً برياً يصل طهران ببيروت، وعمقاً دفاعياً متقدماً في مواجهة إسرائيل.

ظهر هذا الافتراق مبكراً في العلاقة الروسية الإسرائيلية. ففي العام نفسه للتدخل، أنشأت إسرائيل وروسيا آلية لمنع الاشتباك بين قواتهما الجوية، بينما كانت إسرائيل تضرب بانتظام أهدافاً للحكومة السورية وحزب الله وأهدافاً إيرانية. وكانت النتيجة العملية أن القوات الروسية في سوريا كانت تغض الطرف عن الغارات الإسرائيلية، رغم وجود منظومات S-300 وS-400 في حميميم وطرطوس.

كما أن الخلافات بين روسيا وإسرائيل لم تكن يوماً حول التواجد الإيراني، بل حول تنسيق الجهود حتى لا يسقط أي من الطرفين طيارة للآخر، وحتى بعد أن بدأت معارك روسيا في أوكرانيا 2022 وتوتر العلاقات، خرج سفير موسكو في إسرائيل للثناء على آلية التنسيق في سوريا وضرورة إبقائها، وبالتالي يتضح أن الذهنية الروسية لم تكن تنظر للوجود في سوريا كمؤازرة محضة لحليف إيراني، بل رأت وجود إيران ضعيفة هناك يمثل نفوذا روسيا أكبر.

وربما نتذكر قبل قمة هلسنكي في 2018 حين ظهر للمرة الأولى صفقة مقايضة أوكرانيا مقابل النفوذ الإيراني في سوريا، وكانت تنص على تخفيف العقوبات على روسيا بعد سيطرتها على القرم في 2014، مقابل خروج إيران من سوريا، والذي رأى لافروف عدم واقعيته وعرض إبعاد إيران 85 كلم عن الحدود الإسرائيلية.

وهذا يأخذنا إلى السيناريو الأرجح وهو صفقة جزئية، مُنحت فيها روسيا الكثير من الدعم لاقتصادها وصفقة الديزل، وضغط سياسي من الإدارة الأمريكية على الرئيس الأوكراني زيلينسكي، وأوكرانيا بالطبع جائزة كبرى لبوتين، في مقابل ضغط روسي على إيران للقبول بالصفقة أو التخلي عن إعطائها العديد من المعلومات الاستخبارية، والأخطر إيرانياً ما يحويه عرض القمة الثلاثية بين واشنطن وموسكو ولكن الجديد سيكون دعوة بكين، والتي بلا شك تضررت من إغلاق هرمز وارتفاع الأسعار والاضطراب في إمدادات الطاقة.

حادثة من التاريخ من الجيد تذكرها في ظل تصريحات «رضائي» المتعنتة، وهو ما ترويه السفيرة ويندي شيرمان والتي كانت كبيرة المفاوضين مع الوفد الإيراني في اتفاق (5+1)، وذلك حين طفح الكيل من لافروف وانفعل في وجه جواد ظريف، بسبب استمرار الوفد الإيراني في المماطلة واستخدام تكتيكات تفاوضية حتى في الملفات التي حُسمت، وحين هم الوزير ظريف بالمغادرة حاول وزير الخارجية جون كيري منعه بعكازه حيث كان مصاباً في قدمه حينها.

تشير السيدة شيرمان إلى أن هذه الغضبة كانت مفيدة جداً، وأوضحت لظريف بما لا يدع مجالاً للشك أن كافة الأطراف الدولية موحدة، ولا مجال لمناورات الثعالب، وهذه اللغة يفهمها جيداً الإيرانيون خاصة في الغرف المغلقة.

00:00 | 23-10-2026

أبناء الخميني المنسيون

حين تطالعك عناوين الأخبار عن الصراعات التي تتم حول العالم، فإن هناك فئات من القتلى من المفترض أن يهتز ضمير العالم أكثر، كالنساء والأطفال، أو أصحاب الوظائف المدنية المحضه من الفرق الطبية والصحفيين الذي يحاولون نقل الصورة، ولكن العنوان كثيراً ما يخفي شياطين كثر في تفاصيله.


وبالحديث عن الحرب في اليمن، من المهم تسليط الضوء على السجل الأسود للحوثيين في تجنيد الأطفال، حيث تحققت الأمم المتحدة من 1,851 حالة فردية على الأقل لتجنيد الأطفال أو استخدامهم من قِبل الحوثيين منذ 2010، وهذا حد أدنى موثق لا إجمالي من جندهم الحوثيون، وتلقّى فريق الخبراء الأممي قائمة بـ1,406 أطفال جنّدهم الحوثيون وقُتلوا في المعارك عام 2020.


وإذا بحثنا في سبل التجنيد فيجب الإشارة أولاً إلى أن هذا التجنيد بدأ في التسعينات الميلادية مع حركة «الشباب المؤمن» في صعدة، عبر استخدام وسائل حديثة كالأشرطة والفيديو لغسل أدمغة شباب الشمال اليمني وتدريبهم على الصرخة الحوثية. ورغم أن التنظيم لم يتأسس رسمياً إلا في عام 1992، إلا أنه بحلول 1995 كان ما بين 15 و20 ألف طالب قد التحقوا بمخيماته الصيفية.


وحسب خبراء الأمم المتحدة فإن لدى الحوثيين نظاماً للتلقين يشمل استخدام المساعدات الإنسانية للضغط على الأسر، ووثّق تقريره لعام 2023 توزيع سلال غذائية على أسر المجنّدين. كما أفاد ناشط لهيومن رايتس ووتش بأن أنشطة التجنيد في المدارس زادت كثيراً بعد 7 أكتوبر 2023، بما في ذلك عبر الكشافة المدرسية، كما وجد الخبراء أن المليشيا الحوثية علمت أطفالاً في السابعة تنظيف الأسلحة والتهرب من الصواريخ.


وبالبحث عن الأسباب التي تدفع المليشيا يظهر نقص المقاتلين كسبب رئيسي، مع عدم إغفال أن الأطفال أسهل تشكيلاً ويمكن غسل أدمغتهم بما ينتج ولاء أكبر، وهو ولاء مبني على أن الطفل ليس لديه ذهنية تشكلت حزبياً أو قبلياً، مع إضافة الولاء بالإكراه عبر المساعدات التي تقدم لأسرهم وهي في جلها مساعدات غذائية، وهي بالمناسبة مسروقة من المساعدات الأممية، وهذا ما يخلق فائدة أخرى حيث كثير من المقاتلين الأطفال على الجبهة لا يتقاضون أجراً، مما يجعلهم أوفر من المقاتلين الكبار.


وهناك طبقة مهمة للنقاش تدرس ما هو اليمني وما هو المستورد في تجنيد الأطفال، وأشارت عدة دراسات إلى الأسباب المحلية، ومن ضمنها الفقر وتردي الفرص التعليمية، وأيضاً العُرف الذي كان يعتبر الشاب رجلاً في السابعة عشرة من عمره ويحمل السلاح، قبل غلو الحوثيين بخفض هذا العمر إلى عشر سنوات.


الجانب المستجلب من الخارج يظهر في دراسة لمركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت أفادت بأن حسين الحوثي قضى عامًا في الخرطوم (1999–2000) حين كانت السودان أنشط محطة للحرس الثوري على البحر الأحمر، ثم انتقل إلى إيران. وعند عودته أطلق الشعار: «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام». وهذا الشعار هو أول ما يردده الطفل في المخيم الصيفي.


بالطبع بدر الدين وحسين الحوثي كانا معجبين للغاية بنموذج الثورة الإيرانية، لدرجة اعتبرا الخلافات بين الزيدية والإثنى عشرية تفصيلة صغيرة، وبالتالي تم استيراد ثقافة كسر الخوف عبر الاستشهاد في عقول الأطفال مع ترديد الصرخة في طابور الصباح، لتبقى أذهانهم في حالة تحفز دائم للانطلاق لساحات المعركة.


وهذا يقودنا إلى بحث الموضوع من المنبع، ومن الكتب المهمة في ذلك كتاب إيان براون آخر ممثل لمنظمة «أرض الإنسان» السويسرية الذي كان يدرس الطلبة الإيرانيين الأسرى في معسكر الرمادي، وفي كتابه الذي عنونه: «أبناء الخميني المنسيون: قصة الجنود الأطفال في إيران»، إلى تجنيد الأطفال بشكل مخالف لكل المواثيق الدولية، وهو ما يمارسه الباسيج عبر المخيمات الصيفية كما يفعل الحوثي نقلاً عنه.


لكن ما يستحق التوقف حقاً هو أن هؤلاء الفتيان نُسوا مرتين، أولاً حين أرسلهم نظام يمجّد الاستشهاد إلى الموت كالنظام الإيراني، ثم حين تُركوا في المعسكرات العراقية سنوات بعد وقف إطلاق النار عام 1988. يختصر ذلك سؤال أحد الأسرى: في أثناء الحرب لم نفكر في العودة إلى بيوتنا، فلماذا ما زلنا هنا بعد انتهائها؟


ما فعلته إيران آنذاك لا يختلف عن ما تفعله مع حلفائها متى ما انتهت الحاجه لهم، ويتطابق مع ما يفعله الحوثي اليوم عبر نشر صور أطفال كقتلى، وهم يتعالجون في المستشفيات برعاية الشرعية اليمنية.

23:25 | 18-10-2026

اللهم أكفني شر أصدقائي

يُنسب للزعيم في الثورة البلشفية ليون تروتسكي قوله: «قد لا تكون مهتما بالحرب.. لكن الحرب مهتمة بك»، وهذا بالتأكيد هو قدرنا الجغرافي، الذي جعلنا نعمل بجد ليكون لدينا اقتصاد قوي ومتنوع وكفاءات تقنية متقدمة، غير مغفلين أهمية الاستثمار في قدراتنا العسكرية الدفاعية.


ولو استذكرنا كلمة مفتاحية للأمير سعود الفيصل، رحمه الله، وزير الخارجية الأسبق تحدث بها خلال مؤتمر صحفي عقب انطلاق عملية «عاصفة الحزم»، قائلا: لسنا دعاة حرب.. لكن إذا قرعت طبولها فنحن جاهزون، لذا من المهم أن لا نختزل موقف المملكة من اليمن في أحداث اليوم بل نعود إلى التاريخ القريب في أقله وأقصد 2011 في جذوة ما سمي بالربيع العربي.


وحينها اشتد الخناق على الرئيس علي عبدالله صالح وعلى المؤتمر الشعبي، ولاحقا أصيب الرئيس فذهب للعلاج في المملكة، وقدمت المملكة المبادرة الخليجية والتي رحب بها اليمنيون، وذلك حقنا لدمائهم وتجنبا للسيناريوهات الليبية والسورية التي شاهدناها، ولكن خان الثقة صالح، ثم خانها من بعده الحوثيون في كل موقف، وكان توقيعهم على كل اتفاق لا يعدو كونه نافذة لشراء الوقت وإعادة التموضع.


ومن ناحية أخرى وقعت المملكة اتفاقا يضمن عدم الاعتداء مع إيران برعاية صينية وذلك في مارس 2023، والتزمت به خلال الحرب الأمريكية الإيرانية التي انطلقت في فبراير الماضي، لكن إيران لم تلتزم به من طرفها، لكن الصين من ناحيتها لم تستخدم ثقلها السياسي للحفاظ أقله على ماء وجهها كراعية للاتفاق، بالإضافة إلى ما أوردته تقارير كثيرة عن كونها المزود الأول للمعلومات الاستخبارية والنظم الجغرافية للحرس الثوري والذي مكنه من استهداف دول الخليج.


وإذا ما ذهبنا إلى الحد الأدنى وهو مواقف الدعم، سيظهر نسق من بعض الدول ومنها الصين ودولة خليجية وبعض الدول العربية في أفريقيا، والتي تدعم المملكة وتستنكر الهجمات على مطاراتها وأعيانها المدنية في صيغة مبنية للمجهول، وكما يقول التعريف اللغوي فهو فعل لم يُعلم فاعله أو حُذف لسبب ما !


من جانب آخر نظر كثير من المحللين إلى الموقف الأمريكي كموقف متخاذل ومتقلب، حيث امتنع عن المشاركة العسكرية وتوجيه ضربات للحوثيين، وهناك بعض الكهوف ومخازن الذخيرة المختبئة في الجبال والتي يمكن لطائرات أمريكية معينة أن تصنع الفرق فيها، ومن جانب آخر قد يفسر ذلك بدعوى الضغط الانتخابي القادم حتى 3 نوفمبر والخشية من الضغط السياسي عبر فتح جبهتين، وفي الحالتين يبقى فتح قنوات اتصال بين الأمريكان والحوثيين غير مبرر إلا على نحو حرص الإدارة الأمريكية على الحفاظ على الهدنة.


من جانب آخر كُشف عن جهات مرتبطة بتمويل الحوثيين في دول عربية وإسلامية، ولكنها خضعت للعقوبات الأمريكية الأخيرة التي جففت منابع التمويل الإيرانية والحوثية لحد كبير، وللتمويل أهمية كبيرة استنادا إلى الوضع الاقتصادي الحوثي المتأزم منذ قبيل المعركة.


بالطبع هناك الكثير من ما تبين خلال المعركة من انسحابات للقوات الموجودة في المناطق التي سيطر عليها الحوثي من المخا وحتى باب المندب، وحديث عن تنسيق أو إيعاز لهذا التحرك مع أطراف خارجية، لكن أمانة البحث توجب علي عدم الجزم بذلك في غياب آلية توثيق محايدة، وستبدي الأيام ما كان خافيا.


مراكز أبحاث عدة صورت المملكة بأنها وقفت وحيدة في معركتها لحماية أراضيها ولحماية الملاحة في الممر الذي تمر منه 12% من تجارة العالم، وأن المملكة لم تتلق إلا ظواهر صوتية من الدعم، وبالتالي فينزلونه منزل «طعنة حياد الأصدقاء» لا خيانتهم بالضرورة، ويغفل هذا التحليل القدرات السعودية.


وهذا تحليل سطحي وغير واقعي ويجهل قدرات المملكة وتحالفاتها الوثيقة، وهنا يجب الإشادة بالموقف الفرنسي والبريطاني وكذلك الإيطالي، وصولا للاتحاد الأوروبي الذي كان من أكثر الجهات وضوحا في تسمية الأصيل والوكيل في الاستهدافات الأخيرة للأعيان المدنية، ويجب أيضا تقدير مواقف تحالف مكة وخاصة باكستان في دعمها العسكري للمملكة.


اليوم تقوم المملكة بضربات موجعة للحوثيين وعلى مختلف الجبهات، ولا يردون عليها إلا باستهداف المطارات السعودية ومحاولة تنفيذ كارثة إنسانية في تعز، وبالتالي مهاجمة المملكة ليس ضعفا في دفاعاتها بل منطلقه كمية الألم والخسائر التي يتكبدها الحوثي، لذا يريد أي صرخة لعلها توهم البعض بتعادل الكفة.


ستنتهي المعركة وسينفض السامر، ولكن المملكة ستذكر من وقف معها ومن خذلها، تماما كما في كل المواعيد السابقة، وكما تقول العبارة المختلف على قائلها في الأدبيات الأوروبية والأرجح أنها إيطالية: اللهم أكفني شر أصدقائي.. أما أعدائي فأنا كفيل بهم.

00:12 | 14-10-2026

الفطام من مسايرة الحوثي

تحت دوافع مختلفة تتسم بالتعويل على الدبلوماسية كحل كافٍ دون رافد رادع، ومع الخبث أحياناً على نظرية ثغرة المستعمر والتي طبقت في نماذج كثيرة مثل مسمار كشمير بين باكستان والهند، يأتي التعويل على مقاربات مبنية على مسايرة مليشيا الحوثي كحل للاستقرار وحقن دماء اليمنيين وتحقيق مستقبل يشارك فيه كل اليمنيين.

أولاً الحوثيون مارسوا السياسة قبل أن يملكوا السلطة وذلك منذ العام 1993 حين مثل حسين الحوثي في البرلمان حزب الحق، ولكن التمثيل البرلماني وبالتالي فكرة المشاركة السياسية لم ترق له، فانصرف إلى حركة «الشباب المؤمن» بعد أن غادر البرلمان بأربع سنوات، بالطبع حاول الرئيس صالح اللعب بهم لصنع توازن مع السلفيين حيناً وانتقادهم حيناً آخر بأنهم يريدون إعادة الإمامة، ولصالح ما له وما عليه ولكنه ليس موضوعنا.

والمهم في خروج حسين من البرلمان أنها خطوة بيّنت أن المشاركة السياسية لا تحقق مشروعهم، واستمرت المعارك بين الحوثيين والسلطة في صعدة منذ 2004 وكانت في كل جولة أعنف من سابقتها، حتى سقطت التفاحة في 2010، وأيضاً ولجوا من باب إيهام الأطراف برغبتهم في المشاركة السياسية وذلك بالمشاركة في مؤتمر الحوار الوطني.

وخلال مشاركتهم في المؤتمر أوحوا بانخراطهم بشكل فعّال، كما حظي ممثلوهم بإشادة من وسطاء دوليين ومراقبين غربيين نظراً لتقديمهم رؤى سياسية وأطروحات مدنية وبنّاءة في مجموعات العمل، حتى أتت المخرجات على غير ما تشتهي أنفسهم عبر إقرار المؤتمر لشكل الدولة الاتحادي (الفيدرالي) المكون من 6 أقاليم، حيث رفض الحوثيون هذا التقسيم كونه عزل صعدة (معقلهم الرئيسي) في إقليم «آزال».

ولأننا لا نتحدث عن حزب الحضر البريطاني هنا، فعندما نتحدث عن رفض الحوثيين لمخرجات المؤتمر، فهذا لا يعني وقفات احتجاجية أو اعتصامات، بل يعني أن يأخذوا بالسلاح والقتل ما لم يأخذوه بالحوار في المؤتمر، ويتبيّن كيف أن الشهادات الغربية أثناء المؤتمر لم تكن تفهمهم أيديولوجيا بالعمق الكافي، والجميع يعرف السيناريو التالي من اجتياح عمران وباقي المحافظات وصولاً لاحتلال صنعاء في سبتمبر 2014.

وفي نفس الشهر أعطوا وهماً جديداً بأنهم حزب سياسي عبر توقيعهم «اتفاق السلم والشراكة»، مع الرئيس والأحزاب ونصّ الاتفاق على أن يفكك الحوثيون معسكراتهم المحيطة بالمنشآت الأمنية في العاصمة بعد تعيين رئيس وزراء، وهو الأمر الذي لم يتجاوز حينها هدنة لالتقاط الأنفاس وإعادة الانتشار تلاها حصار الرئيس هادي في يناير 2015 ثم حل البرلمان في الشهر الذي يليه، ونصبوا «لجنة ثورية» يرأسها «محمد بن علي الحوثي»، وتتالت خطوات تهميش الخصوم والحلفاء وصولاً لاغتيال الرئيس صالح بعدها بعامين.

ثم أتت ثلاث محطات خارجية بغض النظر عن دوافعها إلا أن النمط السلوكي للمليشيا لم يتغيّر فيها، وهي اتفاق ستوكهولم في 2018، ثم حماقة رفع إدارة بايدن الحوثيين من قوائم الإرهاب والذي تزامن مع هجوم حوثي استهدف المدنيين في مطار أبها، وصولاً لهدنة 2022، وليس في المحطات الثلاث ما أشار لاختلاف في نسق التعامل مع الشركاء في الوطن أو دول الجوار.

هذه المقاربة والتي تعتبر مسايرة الحوثي سبيلاً لدمجه وتغييره، تتسم بالتبسيط المخل وتستند إلى أن عواصم كثيرة تعاملت مع الحوثي بوصفه طرفاً سياسياً يمكن ترويضه بالحوافز، رفعٌ من قوائم الإرهاب هنا، وهدنة إنسانية هناك، واتفاق يمنحها موطئ قدم في السلطة على أمل أن تتحوّل من مليشيا إلى حزب يمارس السياسة.

لكن السجل الممتد منذ تسعينيات القرن الماضي يقول غير ذلك، كل نافذة سلمية فُتحت للمليشيا صارت استراحةً لإعادة التسلح، ثم قضماً جديداً للخصوم والحلفاء على حد سواء، في طريق مستقيم نحو الحكم الأوحد، ووقود هذا الطريق أطفالٌ يُساقون إلى الجبهات، وتمويله تجارة تقوم على إرث بشار الأسد الكبتاغوني، وقتل واستهداف للمدنيين في اليمن ودول الجوار، وبحّارة لا ذنب لهم إلا أنهم عبروا البحر الأحمر.

23:56 | 12-10-2026

صواريخ «بيسنت» المؤلمة

منذ اندلاع الحرب الإيرانية في الثامن والعشرين من فبراير، تبيّن أمران بجلاء؛ الأول أن إيران ترفض بشدة أن ينافسها أي أحد على المركز الأول في العداء للعرب، خاصة دول مجلس التعاون الخليجي، والأمر الآخر أنها حرب غير متماثلة فلابد أن تدار كحرب عصابات، وبالتالي فالورقة الأقوى هي توسيع دائرة الضرر اعتماداً على محاولة الإضرار بالملاحة في «هرمز» بالألغام والمقذوفات.

وكانت المملكة العربية السعودية واضحة في أن هذه ليست معركتها وبالتالي لم تتدخل بها، ولم تسمح لأمريكا باستخدام أجوائها في استهداف إيران، لكنها كدولة استثمرت في بنيتها التحتية بشكل كبير، ومن ذلك خط شرق غرب والذي أفرغ الورقة الإيرانية الساعية لرفع أسعار النفط من جدواها، وهذه نقطة مهمة لفهم كل ما يجري من استهداف نحو هذا الخط أو عبر مساعي التضييق على الملاحة في البحر الأحمر، وهذا مهم لكل من يصدق السردية الإيرانية التي تقول إن الحوثيين أو الحشد الشعبي لاعبون مستقلون وليسوا أكثر من حلفاء.

من جانب آخر، كان توقف الأعمال العسكرية الأمريكية أكثر إيلاماً من استمرارها، ليس فقط بسبب استمرار الحصار الأمريكي وبالتالي انخفاض الصادرات الإيرانية من النفط إلى ما لا يزيد على 300 ألف برميل تخرج بشكل بري، بل بسبب سكوت بيسنت وزير الخزانة الأمريكي والذي مارس ضغوطاً اقتصادية غير مسبوقة ضمن حملة «المنبوذ الاقتصادي».

هذه الموجة من العقوبات نستطيع القول إنها أغلقت كثيراً من المسام التي كانت تستخدمها إيران للالتفاف على العقوبات، ومن ضمنها العقوبات على بنوك، ومحال صرافة خارجية، ورفع درجة التصعيد إلى معاقبة جهات مالية في دول آسيوية كانت تستخدم لغسل المال الإيراني عبر علاقة مع شركات صرافة إيرانية.

الأمر الآخر والمرتبط بما يحدث اليوم كان فرض عقوبات على الدول التي تسمح بهبوط الطائرات المدنية الإيرانية فيها، أو تزوّدها بالوقود أو تجري عمليات بيع تذاكر لها، وانتهت فترة الامتثال نهاية سبتمبر الماضي مع بعض الاستثناءات المؤقتة، مما خفض الرحلات التجارية الإيرانية بنحو النصف حتى الآن، وبالتالي أضيف تضييق الخناق الجوي للبحري مما حد من حركة المسافرين وأيضاً حركة الأموال.

الحوثيون بدورهم كان توقفهم عن إطلاق الصواريخ هذا العام متلازماً مع اتفاق إسلام آباد الذي وقعته إيران في 17 يونيو، ولم تستمر مسرحية وحدة الجبهات، رغم أن المعاناة الفلسطينية من الممارسات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة لم تتوقف حتى الآن، كما كتب ولايتي في أبريل أن القيادة الموحدة لجبهة المقاومة تنظر إلى «باب المندب» كما تنظر إلى «هرمز»، وفي يوليو نقلت «رويترز» أن طهران طلبت من الحوثيين الاستعداد لإغلاق المضيق.

وهنا يأتي التحرك الإيراني، بغض النظر عن الفصيل الذي كلف به، متصلاً، من استهداف المليشيا الحوثية لمدينة ينبع في يوليو، ثم تعطله من هجمات أتت من مليشيات عراقية في 10 سبتمبر، وفي سبتمبر أيضاً تحرك الحوثيون للسيطرة على مضيق باب المندب، ثم أتت الاستهدافات الأخيرة لمطار الملك خالد الدولي إكمالاً لهذه السلسلة.

هذا التصعيد الذي قام به الحوثي وخاصة استهداف المطار، يمثل محاولة ضغط في واقع الأمر هي مقامرة خاسرة، وتجاوز لقواعد الاشتباك، وتذكرني بمقولة سون تزو في كتاب فن الحرب حين قال: «إن العناد والمكابرة من قبل قوة صغيرة، سيجعلها في النهاية مجرد فريسة سهلة لقوة كبيرة».

أما إيرانياً فيدل توسيع الاستهدافات خاصة قبل الانتخابات الأمريكية، على نفاد قدرتها على الصبر الإستراتيجي، حيث إن خنق الملاحة البحرية ثم الجوية مع القيود على العملة الصعبة، وغيرها من التأثيرات مثل قرب نفاد المخزون الإيراني العائم ونفاد المواد الخام التي تعتمد عليها الصناعات المحلية، يجعل هذا التصعيد رغبة في إنضاج حل سريع بحد أدنى من التنازلات، ولذا ربما دخلت روسيا على خط الوساطة مؤخراً.

وربما بالحديث عن روسيا من الجدير بالذكر أن الاتحاد السوفييتي حين سقط كان يمتلك واحدة من أكبر الترسانات النووية في تاريخ البشرية، فيما كان سبب سقوطه الرئيسي الاقتصاد.

00:22 | 12-10-2026

عندما تكون جار السعودية

من يرقب تحركات الحوثي منذ ثلاث سنوات أي انطلاق المعارك في 7 أكتوبر 2023 في غزة، ثم توسعها في مختلف الجبهات، يرى أنه كان يقوم بتحركات محسوبة لا تستدعي الاستنزاف الكامل وجلب الضربات الإسرائيلية والأمريكية في حدها الأدنى، وسعياً للحفاظ على شعرة معاوية مع السعودية ومصر لتجنّب وصول التأثير على الملاحة لمنطقة تجبر الأطراف على التصدي لأعمال القرصنة الحوثية.

ولهذا ما تلقته الجماعة من ضربات كان أقل تأثيراً مما تعرّضت له حماس وحزب الله، لكنها بالتوازي مع المعارك وجدت عاملين رئيسيين يستحقان الانتباه؛ الأول هل لو كنت خارج المعركة سأكون خارج الاتفاق بين إيران وواشنطن؟ وماذا سيعني ذلك من خسارة مكاسب سياسية لو كان الحوثيون بنداً في الاتفاق، ويعرف الحوثيون جيداً أن إيران ساومت عليهم في سويسرا قبل اتفاق 2015، وأصر المفاوضون الأمريكان حينها على حصر التفاوض في الملف النووي.

العامل الآخر هو العامل الاقتصادي السيئ جداً، والتخلف عن دفع الرواتب في مناطق سيطرة الحوثيين، بالإضافة لأزمات الطاقة والغذاء وغيرها، وبالتالي يجب العمل على السعي للحصول على مكاسب اقتصادية من السعودية ومن المجتمع الدولي، وربما البناء على فترة الضغط الاقتصادي القصوى، التي تحاصر بها أمريكا مضيق هرمز، وتدّعي طهران أنها تغلق المضيق أيضاً لرفع أسعار الطاقة، بالتوازي مع استهداف ناقلات نفط، في مسعى لتحقيق أكبر ضرر اقتصادي على واشنطن، على أمل أن يحقق الديموقراطيون أفضل نتيجة ممكنه في الانتخابات النصفية في شهر نوفمبر المقبل.

وربما أتت التصريحات الأمريكية التي تذكر أنها لن تشارك مباشرة في ملعب اليمن، لكنها ستمد التحالف بالمعلومات الاستخبارية، كإشارة فُهمت خطأً من الحوثي باعتبارها ضوءاً أخضر لهم لمهاجمة الناقلات السعودية والأعيان المدنية، ويبدو قصر النظر الحوثي أضاف عاملاً آخر للوصول لسوء التقدير، وهو حرص المملكة ودول الخليج على تجنّب الدخول كطرف في معركة مباشرة في حرب أطرافها أمريكا وإسرائيل وإيران.

تناسى الحوثي حين كان يبني قدراته المحلية لصناعة الأسلحة والمسيّرات عبر قطع مفرقة يستوردها من الصين، وتمر بعدة مراحل لتغيير المشتري وبلد الشراء لإخفاء بصمات المشتري الفعلي، أن السعودية بدورها دولة كبيرة ووازنة في المنطقة وذات رؤية اقتصادية لا تخلو من تطوير القدرات العسكرية المحلية ونقل المعرفة، بالإضافة إلى إجراء مناورات دورية على أعلى مستوى، وبدورها لديها تراكم سواء من 2009 أو 2015 وصولاً لليوم على المستوى العسكري والاستخباري في اليمن.

لكن ما ينساه بشكل أكبر هو القدرة الدبلوماسية والسياسية للمملكة، والتي تسهم بالفاعلية الشديدة بعيداً عن الضوضاء، فاليوم استطاعت السعودية تفعيل اتفاق مكة مع باكستان وتركيا، ومن يسمع خطاب عبدالملك الحوثي الأخير يلحظ بين أقنعة الثقة نبرة الخوف من تحرك هذا الحلف، كما أن الدبلوماسية السعودية الفاعلية نجحت في التعاون مع فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وموافقة من الاتحاد الأوروبي على مستويات مختلفة من التعاون العسكري الدفاعي وحماية الملاحة في البحر الأحمر.

عندما قرر الحوثي أن ينقض العهد الذي تم في 2022، يبدو أن المحرك كان نتاج خليط من سوء القراءة لتطورات المشهد وسوء التقدير لردات الفعل السعودية، وهذا ما أشرت له قبل شهرين في مقال بعنوان «من أيقظ الحوثي.. ومتى يستيقظ العالم»، فأحد أهم المكاسب الدبلوماسية اليوم مقارنة بقبل عشر سنوات، أن العالم يدرك اليوم أن الحوثيين حركة إرهابية وتم الخروج من سذاجة الاعتقاد بأنهم حركة الاستقلال الهندية بقيادة غاندي، وبالتالي نجحت السعودية في تسويق السردية الحقيقية عن الجماعة.

قال الملك فيصل رحمة الله عليه يوما: «لا تغضب، لا تغضب، وإذا غضبت لا ترضى».

00:04 | 9-10-2026

الالتفاف على الالتفاف

الهولندي نيكولاس مولدر أستاذ التاريخ في جامعة كورنيل ومؤلف أحد أهم الكتب عن العقوبات الاقتصادية بعنوان: «السلاح الاقتصادي: صعود العقوبات كأداة للحرب الحديثة»، يشير أولاً إلى أنه من السذاجة اعتبار العقوبات الاقتصادية بديلاً لحقن الدماء وتجنّب الحروب، بل هي سلاح يستخدم ويؤثر في نهاية الأمر على تجويع الشعوب، لكنه أيضاً يشير إلا أن العقوبات الاقتصادية لم تكن بالضرورة رادعة.

ويورد لذلك ثلاثة أمثلة رئيسية وهي ألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية خاصة بعد توجه موسيليني إلى غزو الحبشة في 1935 رداً على العقوبات، وكذلك فعلت اليابان بغزو إندونيسيا النفطية حين حُرمت من شراء النفط والصلب من السوق المفتوحة، كما يشير مولدر إلى أن العقوبات لا تدفع للاستسلام عادة بل تخلق هياكل للتكيّف، وتخدم النظام بالتسويق لشرعيته داخلياً ورفع اللوم عنه جرّاء سوء المعيشة.

ومن هنا يجب النظر ابتداء إلى آليات تجاوز إيران للعقوبات منذ أن كانت بشكل أمريكي منفرد، بداية من أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران وعلى ثلاث فترات وعدة أشكال، مروراً بـ1995 والتي مثلت انطلاقة عقوبات الطرف الثالث عبر عقوبات على الاستثمار الخارجي في مجالات الطاقة، ثم مرحلة انطلاق قرارات مجلس الأمن بين 2006-2010 بعدة قرارات أممية أدت لحظر التسليح وتقييد التكنولوجيا الحسّاسة، وصولاً إلى أحد أكثر القرارات قسوة في العام الماضي، حين اختارت بريطانيا وفرنسا وألمانيا تفعيل آلية الزناد أو السناب باك وذلك في سبتمبر مما أعاد فرض العقوبات الأممية دون منح صلاحية لاستخدام حق النقض (الفيتو).

فإيران عملت على أكثر من مستوى للتكيّف مع العقوبات والقدرة على الاستمرار في تصدير النفط واستيراد وتصدير البضائع رغم العقوبات، وإن بقي ضرر العقوبات بالطبع على ملفات لديها محدودية حركة فيها مثل الاستثمار في تطوير الحقول النفطية وشراء الطائرات المدنية، لكن اللافت في الحالة الإيرانية هو ما أشار إليه بروفيسور براين إيرلي في كتابه «العقوبات المخترقة»، أن العقوبات عادة ما تفشل بدفع من أقرب حلفاء واشنطن ولا يكون لها أي محرك أيديولوجي بل يكون دافعها المحض المصالح التجارية والفرص الاستثمارية البديلة.

ومن هنا نفهم كيف بنت إيران مستويات التكيّف بشكل تراكمي ينتج عادة عن رغبة الالتفاف على كل حزمة عقوبات جديدة، فالمسار الجغرافي جعل من دول الجوار ومنها العراق بعد 2003 وتركيا ودول أخرى في المنطقة أول الحلول للعملة الصعبة وللتبادل التجاري، بالإضافة إلى خلط نفط بعض الدول مع النفط الإيراني لإخفاء مصدره، ثم تأتي القناة النقدية البديلة وأقلها تناولاً في الإعلام العربي هي اتحاد المقاصة الآسيوي والذي تأسس 1974 والذي يتيح التجارة دون معاملة مالية مصاحبة، ويلي ذلك تسوية الحساب بعملة محلية.

كذلك بيع سلع كالنفط مقابل الذهب أو مقابل اليوان الصيني ومؤخراً ظهرت على السطح وتحديداً من 2020 العملات الرقمية، باعتبارها سرداب يمكن أن تنتقل فيه الأموال لاحقاً لإيران دون بصمات واضحة لمن حولها عبر عدة حلقات، ومن يراقب ميزان الصادرات والواردات بين الدول تتضح له هذه اللعبة، فتركيا مثلاً بلغت صادراتها لإيران من الذهب 55 مليون دولار وفي 2011 قفزت إلى 6.5 مليار دولار في عام واحد فقط.

وهناك بطبيعة الحال أسطول الظل وإخفاء منشأ ناقلة النفط وتغيير العلم وإطفاء أجهزة المراقبة، ثم إعادة تصديرها للصين ولأسواق أخرى على أنها نفط ماليزي على سبيل المثال، ثم تتم التحويلات من مصارف صينية صغيرة لا تحتاج سويفت أو التعامل ضمن النظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.

بالطبع هناك بعض الطرق الأخرى التي نعرف عنها، والاحترام العلمي يقول إنه قد تكون هناك وسائل أخرى لم تكشفها الدراسات والتحليلات اليوم، ولكن السؤال يبقى لماذا يجب أن نصدق أن الخنق الاقتصادي الأمريكي اليوم قد يكون مؤثراً أكثر من عقوبات امتدت لأربع عقود؟ وهل يمكن أن نتوقع ردود فعل من إيران غير متوقعة مثل خروج «هرمز» على السطح في بداية المعركة؟

هناك خلل في الإجراءات الحالية أو ما أسميه التفافاً على التفاف إيران، ينجم من محدودية قدرة واشنطن على منع الصين من استيراد النفط الإيراني وهي قدرة ضعيفة على مستوى معاقبة الصين، لكن الفعّال في الإجراءات الأمريكية هو ضرب المنبع عندما ضعفت القدرة على كبح المشتري، فحصار المضيق وضرب ناقلات النفط وربما المنشآت النفطية هو تجفيف من المنبع ولا يمكن استرجاعه بسهولة، وتبقى نقطة محورية كما أشرنا في حالة الصين وهي قدرة واشنطن على إجبار جوار إيران في الخليج وتركيا وآسيا الوسطى على إيقاف التعامل التجاري مع إيران، خاصة مع تهديد وزارة الخزانة بقطع الدولار عنهم.

على المستوى التكتيكي يجب أن تنظر إيران للتصعيد الاقتصادي من أمريكا نحو كندا لتتأكد أن المراهنة على خشية الرئيس ترمب في الانتخابات النصفية مبالغ فيها، وعلى أمريكا أن تنظر إلى الخطر الإستراتيجي من إجراءاتها الأخيرة عبر دفع مزيد من الاقتصادات الآسيوية والأوروبية لتقليل اعتمادها على الدولار، وعلى خطورة جلب تواجد عسكري صيني لتأمين ناقلات النفط من إيران أو حتى الخليج، وعلى مستوى الوسطاء في باكستان وقطر وغيرهما، فعليهم أن يبتكروا سلماً جديداً ينزل الجميع من الشجرة، حيث هذا ما يغيب عن أدبيات طرفي الصراع أقله علناً.

00:44 | 7-09-2026