أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/265.jpg?v=1768301671&w=220&q=100&f=webp

عبدالرحمن الطريري

أزمة منتصف الثورة

كانت بين التسع والعشر سنوات ولم يشتد عودها بعد وأهلك منها الجار ما أهلك، بدأت بالتخلي عن مبادئها والتعامل مع الشيطان لإيجاد بوابة للسلاح سميت ووترغيت، ثم رضخت بعد عام من المكابرة وتجرعت السم، وقُبل من الخميني ما أورده عن المصلحة الوطنية خلف اتفاق وقف إطلاق النار مع صدام حسين.


ومرت السنين وأتت اللحظة التي اضطرت فيها للمواجهة المباشرة، بشكل أخطر من تلك التي كانت مع صدام، فهي تجابه اليوم أكثر جيوش العالم تطوراً، وخاصة وهي تأتي بعد سنوات من العقوبات الأمريكية والأممية، والاختراقات الإسرائيلية والتي أدت إلى تصفية عسكريين وسياسيين وعلماء بل وإخراج آلاف المستندات عن المشروع النووي دون أن تتمكن من كشف ذلك.


ولذا حاولت أن تتخذ مقاربتين رئيسيتين؛ الأولى مبنية على إيذاء الجوار بما فيهم الوسطاء العمانيون والقطريون، والإصرار على التمسك بمضيق هرمز، كورقة تساوم عليها وتقدمها كتنازل يعفيها عن التنازل الكامل عن الباليستي والنووي.


ولكن بالنظر إلى الوضع الإيراني نرى أن صادرات إيران النفطية في مايو صفرت تماماً تبعاً لحصار الموانئ الإيرانية مقارنة بحوالى مليونين شهرياً قبل اندلاع الحرب بأيام، وحوالى خمسة ملايين قبل سنوات قليلة، كما أن 90% من تجارة إيران تمر من مضيق هرمز، وبالتالي حاصرت نفسها بدفع ترمب لحصارها، أو كما وصفته في مقال سابق رمت حجراً في البئر الذي يشرب منه الجميع.


بالطبع يصعب الاطلاع على تفاصيل الأسعار داخل إيران بدافع التكتم وأيضاً توقف الإنترنت لفترة طويلة، لكن برنامج الأغذية العالمي يتوقع ارتفاعاً في أسعار القمح بما يتجاوز 120%، أما صندوق النقد فيتوقع انكماشا في الاقتصاد الإيراني بما لا يقل عن 6%، وربما أكثر المؤشرات دلالة هي أن العملة الإيرانية اليوم هي في أسوأ قيمة لها منذ قيام الثورة في 1979.


وبالحديث عن الثورة يتردد سؤال حول أزمة منتصف عمر الثورة وهي في منتصف الأربعينيات اليوم، ولماذا يبدو كأس السم أصعب من ذي قبل، أم أن النظام اختار الوفاة بطريقة أخرى، في واقع الأمر هناك اختلافات بنيوية كبيرة، أولاها حماقة الإسرائيلي حين اغتال المرشد في 28 فبراير، فخامنئي كان الوحيد الذي يحق له تجرع الهزيمة دون أن يلام، تماماً كما كان للخميني شرعية الهزيمة والخطأ، بينما مجتبى لا يملك هذه الشرعية، خاصة والهتافات خرجت يوم تأبين والده «الموت للمساوم».


الأمر الآخر أن سم الثمانينيات كان استسلاماً لقرار أممي، يوقف إطلاق النار ويحرك ملف تبادل الأسرى ويحافظ على الحدود الدولية، وكان دور رفسنجاني أيضا في مساعي إعادة الإعمار ورفع الصادرات النفطية وخلافه، بينما اليوم الاستسلام يعني الاستسلام لترمب بكل ما يحمله في الوجدان من اغتيال قاسم سليماني ودعم نتنياهو في تصفية قيادات المحور من حدب وصوب.


وهناك نقطة مهمة تصدر بشكل مكرر من الإيرانيين وهي أن لا مفاوضات مباشرة مع الأمريكان، ودافع ذلك أمران؛ أولاهما مصداقية شعار «الموت لأمريكا»، والآخر أن الوسطاء يريدون حلا لكننا لم نرضخ لنفاوض الأمريكان مباشرة.


وعليه نرى اليوم أن إيران تسعى لصناعة كأسها في عُمان، حتى يكون سماً يحفظ ماء وجهها، فهي تدرك أن ترمب في فترته الثانية لا يعنيه الوقت كثيراً، وأن ردات فعله العسكرية باهظة التكلفة، وأن استفزازه للسيطرة على الجزر السبع الإيرانية قد يكون أمراً بالغ التكلفة وسيقوض ما بقي من القوة البحرية الإيرانية، وحتى التعويل على الانتخابات النصفية غير دقيق فحتى مع تجاوز الديموقراطيين بست نقاط حسب الإحصاءات، فمن الصعب اتخاذ قرارات ملزمة بغياب الثلثين، كما أن الرئيس يمتلك الفيتو.


ومن هنا نفهم تصريحات إيران بأن لقاءاتها في عمان بناءة، لكن ليس لها علاقة بأمريكا، وهي هندسة حفظ ماء الوجه التي لم يشارك فيها ترمب، لكن يبدو أن لدى الرئيس بعض التفهم لها من خلال الوسطاء، وبالتالي تتخلى إيران عن حصار هرمز، لكن تصوره كتنسيق مع دوله جاره وليس كرضوخ للإرادة الترمبية.


وبالتالي يبدو الطرفان أقرب إلى مخرج يحفظ ماء وجه الجميع، والرسائل كانت واضحة من واشنطن والرياض بضرب المليشيات الموالية لإيران في العراق، وبالتالي سيتم طبخ الاتفاق عبر الوسطاء، وسيتم توسيعه ليبدو تم بجهد صيني وروسي داعم، أي التحول من الهزيمة الثنائية إلى الاتفاق الدولي، بالتزامن مع رفض توسيع المعركة أفقياً في اليمن والعراق.


يقول صن تزو في كتاب فن الحرب: «حين تحاصر جيشاً، اترك له منفذاً».

منذ يوم

حلقات إيران المتأرجحة

إيران ضعيفة كما تظهر الأرقام الاقتصادية، وما تكبدته خلال الحروب والعقوبات والحصار، وإيران قوية لأنها تخرج من كل جولة مفاوضات غير ناجحة لتتوعد وترعد وتزبد وتؤكد أن الوقت لا يهمها، وأن سلتها الغذائية مليئة بمؤن من العزة والكرامة والرصيد الحضاري.

ما يبدو تناقضاً هنا يحتاج تفكيكاً على مستوى ثلاث طبقات، الأولى ارتكاز إيران على أن مصلحة الصين وروسيا في بقائها كدولة مصد، ولكل منهما مصالحه المفصلة تحت هذا العنوان، ووجبتهما المختلفة على نفس الطاولة، أولاً كلاهما يجمعهما مصلحة في دور إيران المزعج للغرب، وبالتالي مصلحة في الدور الوظيفي لا الحليف الذي تضحي بمصالحك من أجله.

لكن الفروق الجوهرية تكمن في أن الصين تستورد جل النفط الإيراني وتتأثر بإغلاق مضيق هرمز، وأي خلل في نظام الحكم يؤثر إستراتيجياً على طريق الحرير، مع ضرورة التذكير أن نسبة إيران من مشتريات إيران النفطية قليلة، أما في الزاوية الأخرى فروسيا دولة منتجة للنفط، وخروج أي مُنتج من السوق وبالتالي شح في الصادرات فذاك خبر سار للكرملين، خاصة إذا ترافق مع لمسة عطف أمريكية برفع العقوبات عن الصادرات النفطية الروسية للحفاظ على استقرار السوق، كما حدث بداية الحرب.

لكن كلتا الدولتين تحتاجان إيران ضعيفة، فلافروف ذكر مراراً خلال المفاوضات السابقة مع إدارة أوباما، خشيته من أن إيران بمجرد أن تعطى بطاقة عضوية النادي الدولي بمباركة من البيت الأبيض، فلن تعود بذات الود مع موسكو، ومن ذلك يفهم كذلك إرجاء تسليم طهران للدفاعات الجوية S300.

وبالتالي تعرف إيران أن موسكو وبكين تشتريان مناكفة الغرب وإشغاله عن تايوان وأوكرانيا، وتبيع من أجل ذلك موقعها الجيوسياسي، في مقابل تجنب ضغوط من دولتين كبيرتين، وبطبيعية الحال تجنب أي قرارات أممية ستُمنع بالفيتو، وبالتالي فالوضع الذي تستند إليه إيران، هو مثالي للصين كنفط رخيص ولروسيا كدولة خارج السوق بقدرتها الكاملة.

نأتي للمستوى الثاني، وهو الجمهور الداخلي وما مدى ثقة النظام الإيراني الذي وصل بانقلاب ألا يحدث عليه انقلاب، بالإضافة إلى عدم وجود دعوات انفصالية بشكل إثني، وإنما كانت الاحتجاجات في السنوات الأخيرة تتحرك بدوافع اقتصادية ومطالبات بالحرية ونزع الحجاب، إلا أنها تدرك كذلك أن الورقة الأهم للإسرائيلي وهي الأكراد والذين سُلحوا بالفعل، هي ملف حساس جداً لجل دول المنطقة وخاصة تركيا.

ولأنقرة سوابق في التدخل براً في سوريا في فترة بشار الأسد لتجنب أي مشاريع كردية في المنطقة، ويدرك الأكراد أيضاً أن الاعتراف بكردستان العراق من قبل إسرائيل في 2017 لم يساوِ الحبر الذي كتب به.

وبالتالي الفيتو التركي والصواريخ الإيرانية هي استخدام إعلامي وردع يتجاوز الأكراد لغيرهم، فالملفات الإثنية للبلوش والآذريين توقظ شياطين نائمة لباكستان وأذربيجان تباعاً، ولا أحد يريد إيقاظها خشية من تأثير الدومينو، لكن يظل ذلك هاجساً يتسلل من بين خطابات القيادات الإيرانية وبين سطور الخطاب الأخير للمرشد أو الذي كُتب عن المرشد.

وبالحديث عن الداخل يجب التقاط العبارة المشتركة بين عراقجي وقاليباف في المقابلات الأخيرة، حيث تحدث كل منهما عن فكرة ألا أمان لأحد في الإقليم ما لم نكن آمنين، ولا تصدير لنفط أحد إن لم نكن من المصدرين، وهي ما يمكن تسميته مشاركة الألم.

ويجب الوقوف هنا عند نقطة منهجية وهي أن خطاب الشخصين المتطابق لا يعني أنهما يتوجهان لجمهور مختلف، فرئيس مجلس الشورى ذو الخلفية الأمنية في الحرس الثوري ووزارة الداخلية، يستدعي كربلائيات الألم والصبر، وبالتالي تحويل فشل الحكم الذي أدى لأزمات معيشية خرجت على إثرها مظاهرات يناير، إلى ثمن للصمود، وبالتالي شد العصب الداخلي وكذلك البطون الجائعة، وأن يلقم كل فم جائع حجراً فهو اعتراض هو دليل عمالة مع العدوان، ولا صوت فوق صوت المعركة.

أما عراقجي فيدرك، وهو من شارك كمفاوض رئيسي في اتفاق 2015، أن أكبر خسائر إيران اليوم هو غياب المفاوض الأوروبي الداعم له، وما خروج الترويكا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) من اتفاقية رفع الزناد رغم الأوضاع الاقتصادية، إلا مؤشر لغياب الثقة بين الطرفين، ونفاد صبر الأوروبيين من أن يبقوا في صورة الحمقى الذين يراهنون أن نظام الحرس الثوري سيصبح نظاماً طبيعياً.

وبالتالي فمشاركة الألم مع دول الخليج والأردن هو تحرك مدفوع بعدة أمور، أولاها رفض العدوى الضاغطة على الشعب الإيراني من النموذج التنموي الخليجي، خاصة النموذج السعودي بعد الرؤية، فقد مثل النموذج السعودي في التحول والتطور قوة ناعمة مؤلمة لصناع القرار في طهران، كيف لا وهم يشاهدون دولة جارة كبيرة يرى فيها الشاب الإيراني كل ما يتمناه من حياة طبيعية، لا تنقص بلاده شيء من الموارد إلا استخراجها من أحشاء الاقتصاد الموازي للحرس الثوري.

لكن المحرك الأهم لمشاركة الألم، هي السعي لدفع دول الخليج لتتحول لأداة ضاغطة على الرئيس ترمب لإيقاف الحرب، هذا المنهج يشمل عاملين مهمين أيضاً، تحويل الخصم من ثنائي إلى متعدد عبر توسيع الألم ليصيب الهند واليابان والصين فتزيد أدوات الضغط على واشنطن، لكنه أيضاً دلالة ضعف عسكري واقتصادي وجرعة أولى من سم، وبالتالي هي مراهنة على أن يصرخ أحد ممن شاركتهم الألم قبل أن تصل شفير الانتحار.

00:02 | 26-07-2026

مجتبى غورباتشوف

في معاني النصر والهزيمة يسعى النظام الإيراني لقول إنه انتصر على الولايات المتحدة، مرتكزاً على قدرة الصواريخ على الانطلاق، لا على قدرة المخابز على إطعام الشعب، وعلى قدرة المختبئين في أنفاق الجبال أن يطلقوا الرصاص على ناقلات النفط في هرمز، وإن غابت ناقلات الغذاء والحبوب بدواعي الحصار.

معاني اللانصر أولاً من قائد نصّب مباشرة بمرتبة المرشد الغائب، حيث لم يظهر له صوت ولا صورة، بل حتى إنه لم يحضر مراسم عزاء والده، لا أحد يعرف إن كان مصاباً يعالج في مبنى آمن في ضواحي طهران، أو استدعت حالته نقله إلى موسكو لنواحٍ أمنية قبل أن تكون طبية.

وإذا عدنا للمشروع الإيراني في تصدير الثورة والذي قاده قاسم سليماني والذي قضى بتوجيهات من الرئيس ترمب في فترته الأولى، في زاوية من زواياه استلهم نموذج الاتحاد السوفييتي الذي ورث تركة روسيا القيصرية، فتحوّلت أذرع المقاومة لنموذج أصغر من الجمهوريات الشرقية.

مع العلم أن النظام الإيراني سعى لتصدير الثورة في كافة المحيط العربي، ونذكر شواهد تصدّت لها الجزائر والمغرب في سنوات خلت، بل إن الطموح وصل إلى السعي للتأثير في المراكز الإسلامية في أوروبا، ومن أمثلة ذلك بلجيكا وبريطانيا وألمانيا، وأيضاً في الولايات المتحدة.

ومن يعارضون هذه القراءة يستندون إلى اختلافات أبرزها أن السوفييت هوية شيوعية حزبية مؤهلة أن تتحلل بشكل أسرع إذا ما زادت الضغوط الاقتصادية، بينما الهوية الإيرانية مركبة بين الأيديولوجيا الدينية والوطنية والإرث الوجداني الفارسي.

وهناك جانب آخر دقيق فالسوفييت واجهوا الغرب وحدهم بعد أن حيّدت واشنطن بكين، لكن إيران ولو لم يتضح الدعم لها من لدن روسيا والصين، إلا أنها تمثل الجدار الذي يعزل الغرب Buffer state عنهما.

وإذا ما نظرنا للمتشابهات بين التجربتين نجد أن الاستنزاف كان مشتركاً، فالروس استُنزفوا في أفغانستان وخرجوا منها كما خرج الحرس الثوري من سوريا، وسوريا مثلت استهدافاً مزدوجاً لإيران، فقد استنزف فيها الحرس الثوري وأيضاً حزب الله بنتيجة أدّت أيضاً إلى أن يكون مكشوفاً قبل البياجر وبعدها.

وأهم المشتركات هي وضع اقتصادي منهار وتراجع كبير في أسعار العملة، وصحيح أن المقاتلين قد يحملون في جيوبهم جوازات للجنة، لكن ما قاله نابليون ليس بعيداً على نحو وصفهم حين قال «الجيوش تسير على بطونها».

وحتى بعيداً عن الاستنزاف العسكري يُعد التحرك السياسي الأمريكي في استضافة رئيس وزراء العراق ثم الرئيس اللبناني خطوة لاستنزاف مكانة إيران السياسية كدولة سيطرت على قرار الدولتين فيما مضى، وهذه الحبال السرية بقاؤها استنزاف وزوالها انكشاف.

عندما تكون على حافة الهاوية يكون في تصوّرك أحياناً أن نسب النجاة مطابقة تماماً لاحتمالات الانهيار، وترى خصمك استخدم هذه النظرية في فن الصفقات، فتحاول نسخ تكتيكاته؛ لأنك تعلم أنه قد حرق الأرض وما عليها من سجاد، وقطع الكهرباء عن حيل البازار.

ولكن في طور محاولة إنجاح فن التفاوض على أنغام ويتكوف وجي دي فانس وكوشنير، تجد أنك في حقيقة الأمر تردد السيمفونية السابعة «لينغراد» أحد أبرز أعمال الموسيقي العظيم السوفييتي دميتري شوستاكوفيتش.

التاريخ لا يكرر نفسه.. لكن تأبى شهوة بقاء النظام على حساب الشعب من أن تنقل بتصرف من صفحات التاريخ.. الأكيد أن مقولة الرئيس الراحل إيزنهاور عن أن السياسيين يقبلون على الحروب والجنرالات يخشونها لم تقع عين قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي عليها؛ ربما لانشغاله بكتابة بيانات المرشد الغائب.

00:01 | 23-07-2026

جراح الخرائط الإيرانية

الدلالة البصرية أهم كثيراً من العبارات.. هكذا علمتنا الصحافة، وبالتالي فرسمة ربطة العنق التي يرتديها زعيم ما كالسادات في زيارته لإسرائيل لها رمزيتها، كما أن لون ربطة العنق تعطي دلالات حزبية وفكرية سواء في الشرق كما يبرز في لبنان وصولاً إلى أقصى غرب القارة في الولايات المتحدة وكندا، وكذلك كانت الصور في الخلفيات وفي الزيارات.

وفي زمن الاجتماعات الافتراضية يظهر الضيوف على القنوات ليحاول كل منهم أن يبعث رسالة عبر الكتاب الذي خلفه، أو اللوحة أو الصورة، والبعض من غرفة منزل عادية لتكون اللا رسالة هي رسالته، وكأنه يقول لك ركّز على ما أقول، أما المتحدثون والمحللون من إيران، وبعضهم ضباط حرس ثوري في رداء أكاديميين ومحللين، فيحرصون على خلفية مشتركة.

هذه الخلفية في أغلب الأحوال هي خريطة، تظهر إيران وموقعها المركزي، باعتبارها دولة لديها حدود مع سبع دول وتمثل بواباتها المتعدية لآسيا والصين وروسيا عبر بحر قزوين شمالاً، وخليج تسميه فارسي كمحاولة الهيمنة على الجغرافيا أكثر منه محاولة وصف الجغرافيا بسواحل تمتد إلى 1800 كم وصولاً إلى مضيق هرمز جنوباً، كمنطقة يمكنها من خلالها خنق حرق التجارة البحرية، وإتعاب الخصوم حتى لو كانت أضعف منهم مستفيدة من الطبيعة الجبلية شرق المضيق.

والجغرافيا في الوجدان الإيراني يمكن النظر لها على أكثر من مستوى، أولاً مع تأسيس الدولة الصفوية في 1501 على يد الشاه إسماعيل الأول، تأسس السياق الجامع لهوية بلاد فارس بإعلان المذهب الإثني عشري الشيعي ديناً للدولة، وبالرغم من أن اسم إيران سابق للصفويين لكن ما تحقق معهم هو الجغرافيا كوحدة سياسية متصلة، هي أوسع من جغرافيا إيران اليوم والأهم وجدانياً أنها كانت تسيطر على العراق بمرجعية النجف، وبالتالي إطار شيعي جامع بخلاف الدولة التي تناكفها حينها وهي الحكم العثماني.

ولكن الخريطة ما أضحت أن صارت ندبة وجرحاً في الذاكرة، خاصة خلال القرن التاسع عشر، حيث جُرّدت إيران نهائياً من أراضي جنوب القوقاز بعد معاهدة غولستان في 1813 وتخلت على إثرها عن جورجيا وداغستان وأذربيجان، وبعد خمسة عشر عاماً أتى إذلال آخر لإيران عبر اتفاقية تركمنشاي والتي أدت إلى انتزاع أرمينيا من خريطتها.

وفي النصف الثاني من القرن حدث ما سمي باللعبة الكبرى، أو قضم قطع من إيران لتكون على مائدة الصراع البريطاني الروسي، فوقعت اتفاقية هرات 1857 منهية صراع بريطانيا بالدولة القاجارية (والتي حكمت إيران حتى 1925)، وأدّت إلى تخلي إيران عن هرات وأفغانستان، لتمثل أفغانستان (buffer state) دولة عازلة بين الهند البريطانية وروسيا القيصرية، وتلاها بعد سنوات معاهدة آخال في 1881 وبالتالي خسرت إيران جزءاً جديداً من جغرافيتها وهو تركمانستان اليوم لصالح روسيا.

هذه الخلفية التاريخية لإمبراطورية سعت تاريخياً للتوسع، أتى فكر الخميني ليشعل الحنين للتوسع مجدّداً عبر تصدير الثورة، ثم أتى الصراع مع صدام حسين فتعلم منه الإيرانيون درسين؛ الأول أن توزع صواريخك ومنصات الإطلاق وتكثر من الأهداف الوهمية، وترفع كفاءة استخدام كهوف الجبال، وتعدد المداخل إلى المخازن والكهوف ما استطعت لذلك سبيلاً، حتى لا تكون لقمة سائغة كما كان جيش صدام في 91.

أما الأمر الآخر الذي تعلمه نظام الحرس الثوري من صدام، هو أهمية رسم خارطة جغرافيا الطوق، والتي تمثل السوار الحامي للمعصم، حتى لا تكون المعركة في إيران مجدّداً، فخلق محور المقامرة، مع دأب على استغلال كافة الفرص السانحة كالربيع العربي، والتي تحوّل من خلاله خطاب طهران إلى خطاب إسلامي يرتقي عن الحديث الطائفي، ثم ارتفع الخطاب بارتفاع الطموح فصوّر نفسه حامياً للأقليات غير المسلمة في الشرق.

لكن كل ما حدث من السابع من أكتوبر 2023 وصولاً لحرب الاثني عشر يوماً، غيّر كثيراً في ذهنية النظام الإيراني، وبدأ يصنع إستراتيجية وحدة ضربات لا وحدة جبهات، وذلك بعد رحيل السنوار ونصر الله وبشار الأسد.

وفي هذا السياق نفهم مباهاة عباس عراقجي في مقابلته الأولى للإعلام المحلي الإيراني، حين افتخر بأن المنطقة صدمت باستهدافها من إيران، وأنه لن يُصدر أحد نفطاً ما دمنا لم نصدر وهذا ما يمكن أن نسميه «جغرافيا الأذى»، والتي لا تستهدف على سبيل المثال قاعدة إنجرليك الأمريكية في تركيا، ولا تستهدف بطبيعة الحال الأهداف الأمريكية والإسرائيلية المباشرة التي قد تمحق الأذى بالجغرافيا الإيرانية.

ونرى جغرافيا العبث تمتد بتصدير الأسلحة للحوثي في طائرات مدنية لحثه على إغلاق باب المندب، مما يعني تمدد دائرة الأذى لمصر التي تعتبر قناة السويس من أهم مداخيل الخزينة التي شهدت نمواً في الأشهر الأخيرة.

لكن ما يرفع الأرقام سريعاً على جهاز قياس نبض النظام، هو الخوف من إنزال بري أمريكي يقضم بندر عباس من الخريطة الإيرانية، أو بعض الجزر الأخرى المستخدمة في حصار هرمز، كيف لا وهو يرى حتى الأوروبيين وصلوا لقناعة لا تمانع التخلي عن بعض جغرافيا أوكرانيا لإيقاف المعركة مع بوتين.

23:58 | 21-07-2026

قواعد الاشتباك وخيوط العنكبوت

مذكرة التفاهم بين الجانب الأمريكي والإيراني يبدو أنها لم تصمد لشهر واحد، فالمذكرة التي وقّعت في 18 من الشهر الماضي «يونيو» بعد سبعة أيام من انطلاق المونديال الذي استضافته الولايات المتحدة، حيث أعلن مجتبى خامنئي «المرشد الغائب» أنها انتهت عملياً، وإن كان الجانب الأمريكي يرى بأن الخرق تم من الجانب الإيراني حين استهدف سفناً اتخذت من مسار محاذٍ لسلطنة عمان ذريعة، معتبرة أنها خالفت الحق المستوجب لها حسب تفسيرها للمادة الخامسة من المذكرة.

لا شك أن الأمريكان أرادوا هدوءاً يتماشى مع المونديال وإن كان ذلك لم يحدث تماماً، بالإضافة إلى السعي لتجنّب طلب تمديد العمل العسكري من الكونغرس بعد مهلة الستين يوماً التي تمنح للرئيس دون الرجوع للكونغرس، وبالطبع الإيرانيون عانوا من حصار خانق حول مضيق هرمز، وحصار هرمز أمر كثيراً ما قاموا به وسعوا له خلال العقود الماضية.

حيث كان النظام الإيراني قبل الثورة يستخدمه كأداة لتعزيز اقتصاده كممر رئيسي للنفط والبضائع، حتى حوّلته عقلية الثورة الخمينية لأداة للمنع والابتزاز، سواء كان الابتزاز للجار العربي القريب، أو للأوروبي والآسيوي الذي يتأثر بأسعار النفط، لكن رد فعل ترمب بحصار موانئهم كان أمراً لم يتحمّلوا تبعاته الاقتصادية.

حين أطلقت إيران الرصاصة الأولى كاسرة الهدنة، كانت محاولة لترسيخ أمر واقع بإدارة دائمة للمضيق، لم يكن ذلك يعكس كمية الضرر الاقتصادي والتأثير على الصادرات والواردات والعملة وخطوط الفقر التي ما زالت تسحب ملايين الإيرانيين تحتها فقط، بل كان يشير إلى أن المذكرة حين وقّعت كان دافعها الحصول على مليارات الدولارات مباشرة.

فالجميع ينظر إلى النتائج العسكرية وماذا أوقع صاروخ هنا وماذا تركت مسيّرة هناك، ويتناسون أن أكثر السيناريوهات إيلاماً لطهران هو قرار أمريكي بأن الحرب انتهت والرئيس ترمب انتصر، ولكن لا أفق لاتفاق مع النظام الإيراني، وبالتالي لا إزالة للعقوبات، فجريح الحرب مثقل بجراح لا يداويها إلا الدولارات ولو بدا صوت صراخه عالياً.

فالحرب عملياً أعادت إيران عشرات السنوات للخلف ورفعت تكلفة إعادة الإعمار لما يقارب النصف تريليون، وهذا لا يقاس به منازل الناس وأرزاقهم، بل كل الكلف على البنى التحتية والجسور، والجسر الأهم الذي أوجع كثيراً استهدافه هو جسر السكك الحديدية الذي مثّل شريان الحياة الأوحد إبان حصار الموانئ الإيرانية، وهو جسر «أكتيكه هان» والذي يربط طهران ببكين مروراً بتركمانستان وكازخستان، والذي استخدمته موسكو لنقل «البضائع» أيضاً بدءاً من العام الماضي.

رد الفعل الإيراني باستهداف دول الخليج والأردن ليس مستغرباً، لكن كان من اللافت تأمل ما جادت به القريحة الإيرانية، عبر تكرار نموذج وحدة الساحات والاستعانة بالدماء العربية دفاعاً عن مشروع بقاء نظام الحرس الثوري ولو على حساب شعبه، فقد أعلنت المملكة نجاح جماركها في معبر جديدة عرعر في القبض على 42 كلم من الشبو، مما يوحي بمحاولة إحلال لدور بشار الأسد رئيس الكبتاجون.

كما برزت محاولات الحرس الثوري بتصدير السلاح والخبراء لليمن وعبر طائرات مدنية، مما يعزّز رغبة في خلق قلاقل في مضيق باب المندب وبالتالي توسيع المعركة مع الولايات المتحدة، واختيار الطائرات المدنية دليل على مدى خنق الحصار الأمريكي للموانئ والمضيق وتقويض فرص ضخ الدماء في العروق الحوثية.

منهجية إيران في الحرب تدرك أموراً رئيسية أولها أن الوقت أصبح ضدها ودون دخول أي موارد سريعة عبر اتفاق، فانفجار الداخل مسألة وقت، كما تدرك أن دعم الصين وروسيا محدود ومربوط مع مصلحة الطرفين في عدم السقوط؛ لأن بقاء النظام الإيراني لفترة أطول في المعركة يعني استنزافاً أطول لواشنطن، وسقوط النظام هو خسارة استراتيجية لن يتوقف أثرها عند قص الحزام وقطع الطريق.

وبالتالي تحتاج خطاباً انتصارياً لجمهور الداخل وإيهام من يريدون التوهم في الخارج، مع إحداث ضرر لأمريكا عبر حلفائها وبأثر متعدٍّ كما حصل على جنودها في الأردن، دون أن يعني ذلك حماقة مهاجمة حاملات الطائرات الأمريكية في بحر العرب، أو ضرب طائرات التزوّد بالوقود الأمريكية المصطفة في مدرجات إسرائيل.

بمعنى آخر تراعي سقوف معينة في قواعد الاشتباك، لمعرفتها أن بيتها أوهن من العنكبوت، ولذا تسللت عبارة «أهم شيء هو التماسك الداخلي» من كل مسؤوليها خلال الأيام الماضية، من قاليباف حتى المرشد؛ لأن هناك إدراكاً بأن العبث في قواعد الاشتباك سيجلب دعماً أكبر من الناتو، وربما تكرار لسيناريو فك حصار سراييفو بعد أن استمر الحصار لأربع سنوات ثم بدأت عملية قصف قوات حلف شمال الأطلسي لمواقع صرب البوسنة مما دفعهم للهزيمة والاستسلام.

00:00 | 21-07-2026

لعبة الجبان

هناك حلقات متصلة ومعقدة تصف العلاقات الأمريكية الإيرانية منذ العام 1979 حتى لحظة قراءتك لهذا المقال، دورة متكررة من الإكراه والتكيّف والتصعيد والجمود، وحتى في المحطتين الأبرز وهما اتفاق 2015 ثم الخروج منه والذي يعد حلقة متصلة من الخروج ثم ضربات صيف 2025 وصولاً إلى الوضع القائم من 28 فبراير، استمرت الدورة ولكن مع تغيّر طبيعة التكيّف.

فتحت العقوبات تطور طهران «اقتصاد المقاومة» وهي بطبيعة الحال في مركزيتها مقاومة للعقوبات لا لإسرائيل، ومرتكزاتها الثلاثة كما يرى الباحث في مركز كوينزي هادي خليل زادة، هي التحايل والتوطين والتنويع، مع الإيمان بوجود الأبواب المغلقة تحت العقوبات في مجالات بعينها من شاكلة توسيع أسطول الطائرات المدنية، أو الاستعانة بالخبرات الأجنبية في تطوير عمليات التنقيب عن النفط.

وخارج العقوبات يتشكّل إطار آخر من التكيّف، شهد أوجه خلال الفترة من 2015 إلى 2018، حين فُتحت الأبواب لتدفق الأموال إلى إيران، فسلمت إيران اليورانيوم المخصب باليمين، وسلمت لحزب الله وباقي الأذرع الحقائب الدولارية، بحيث تقوى الأذرع ليمثلوا ردعاً بديلاً عن النووي.

اليوم تُطرح أسئلة عنوانها غياب الثقة أو فجوة تفاوضية، وإذا ما نظرنا لنهج المفاوضات فإن الإيراني على سبيل المثال صاغ رؤيته لمذكرة التفاهم بناءً على الثقة الصفرية، وبالتالي وضع مطبات في بداية المذكرة من شاكلة الإفراج عن الأموال المجمّدة أولاً، وكأنه يقول كلما تفاوضنا فوجئت بهجماتك العسكرية، فطلب التعهد بعدم الاعتداء على إيران مجدّداً يفسر بأعطني أموالي أولاً.

أما في ما يخص الفجوة التفاوضية فهي غير موجودة، ولكن الأدق القول ما هو العصب الوجودي الذي يلمسه كل طرف لدى الآخر، فيظهر كفجوة تفاوضية، فالمطالب الأمريكية الثلاثة: النووي، الباليستي والأذرع الإقليمية، هي ما يعد إنجازه مجتمِعاً تحقيقاً لهدف الرئيس ترمب بالوصول لاتفاق أفضل من اتفاق الرئيس أوباما، لكن بالنسبة للمفاوض الإيراني تسليم القذافي لبرنامجه النووي تطوعاً، لم يتلقّه الغرب كحسن نوايا من قبله بل تعبيد لطريق إسقاط نظامه.

وحتى مضيق هرمز الذي تبدو إدارته أمراً ملحاً لإيران ومكسباً لا تريد التنازل عنه بتاتاً، ويمنحها السيطرة وامتلاك قدرة التأثير اقتصادياً على دول الخليج، والتحوّل من نموذج عسكري المنطقة وقت الشاه إلى عسكري المضيق اليوم، قد يبدو من المواضيع عالية الضوضاء اليوم على مستوى تأثيرها العالمي، لكن بتحليل منهجية المفاوض الإيراني أعتقد أنها طريقة تفاوض لكي يخرج الاتفاق النهائي دون أي قيود على الصواريخ الباليستية كأداة ردع رئيسية لدولة لا تملك سلاح جو متقدّم.

ومن التكتيكات التي كان يستخدمها الإيراني تاريخياً تصوير فكرة البازار وصانع السجاد الذي يمكنه أن يصبر حتى يخرج بأفضل نتيجة من المفاوضات، وتكبّد المشاق من ذلك، أعد لها الطرفان اليوم ليبينا أنهما لا يأبهان بالوقت، فأمريكا استخدمت المهل الزمنية كأداة ضغط، واستخدمت المفاوضات ويدها على النزاع كأداة أخرى، وعليها ما نعرفه من ضغوط عبر الانتخابات النصفية وغيرها.

لكن الصبر من قبل إيران اليوم مكلف أكثر من أي وقت مضى، فالاقتصاد يتآكل بشكل سريع ودراماتيكي، ونسب الفقراء تضاعفت بشكل كبير، وبالتالي الصبر مكلف بشكل كبير داخلياً، وأي عودة لحصار الموانئ الإيرانية مجدّداً، سيمثل قفزاً حراً نحو قيعان أعمق، وبالتالي ما يلوّح به الطرفان من قدرتهما على الصبر ليس دقيقاً عند كليهما.

هندسياً وبتصميم واعٍ لا يخلو من جوانب اللا وعي يتجه الطرفان نحو المنطقة الوسطى الطبيعية لأي مفاوضات، بعض المكاسب هنا وبعض التنازلات هناك، فحذف قضايا الصواريخ والوكلاء وتسوية لبنان كان اختياراً متعمّداً لتأمين استقرار إقليمي فوري، وإنضاجاً لمذكرة التفاهم، هذه هندسة للمنطقة الوسطى مبنية على تأجيل ما لا يُحسَم، وتثبيت ما يمكن تثبيته.

يدرك الطرفان أنهما يطوّران شكل المفاوضات لتشبه لعبة الجبان أو (The Game of Chicken)، حيث تتجه سيارتان نحو بعضهما بسرعة، من يخرج عن المسار يكون جباناً، ومن يستمر يصطدم بالسيارة الأخرى وبالتالي يتضرر الطرفان.

00:02 | 12-07-2026

إلغاء الكرت الأحمر عن إيران

سعى الطرفان الأمريكي والإيراني إلى توقيع مذكرة تفاهم بدوافع مختلفة ولكن بنفس الدرجة من الحراجة، فالحصار الاقتصادي على إيران كان خانقاً للغاية وأوصل الاقتصاد والعملة إلى درجة غير مسبوقة، والجانب الأمريكي دخل مرحلة ما يشبه الورطة السياسية، ليس فقط على الجانب الإيراني الذي يستطيع أن يصبر جائعاً إلى حد لا يمنح ترمب هدية الاستسلام، وهو ما عنونت به مقالي في مارس الماضي وبعد عشرة أيام من انطلاق المعركة «كأس العالم وكأس السم».

كان هناك عامل أكثر إزعاجاً وهو رغبة نتنياهو في حالة المعركة اللا منتهية، حيث يرى المسار الاستراتيجي الذي تسير به إدارة ترمب منذ أشهر، عبر مساعي وقف إطلاق النار في كل من غزة وبيروت، ثم الاتفاق الذي وقعته مع الحوثيين إبان اعتراضهم لبعض الناقلات في العام الماضي، وصولاً لمذكرة التفاهم مع إيران كتمهيد لاتفاق شامل، هو ضد مصالح نتنياهو أولاً وإسرائيل ثانياً، وإن بدا ترمب أكبر حليف داعم في معارك إسرائيل، لكنّ إنهاءها في نقطة ما تبقى مصلحة لرجل يطمح في نوبل للسلام.

ولهذا حرص نتنياهو ووزير دفاعه أن يكررا بأنهم من كانوا وراء اغتيال المرشد علي خامنئي، تزامناً مع السماح الأمريكي للإيرانيين بالقيام بالجنازة لفترة أسبوع دون تصعيد عسكري، وهو ما استغله الإيرانيون للخروج بشكل مسرحي، يذكرنا بمشهدية حماس وهي تعيد الأسرى الإسرائيليين بعد هجوم 7 أكتوبر، ليشعرك بأن الإبهار البصري في مراسم التأبين أو إعادة الأسرى نصر ولو كان ثمنه آلاف القتلى والجرحى والخراب.

وإن كان أنطونيو غوتيريش أمين عام الأمم المتحدة مشهور بعبارة «الشعور بالقلق»، فإن الرئيس ترمب لن يحظى بمنافسة كبيرة على تكرار عبارة «تفاجأت» ولعل آخر مفاجآته هي رؤيته للإيرانيين يبكونه في الجنازة واعتقاده بأن الإيرانيين يكرهونه، وهو ما يفتح باب على أسئلة ثلاثة رئيسية؛ كيف بني قرار الحرب، وكيف بني قرار طريقة الحرب ومدى ضرورة التدخل البري في مرحلة ما من عدمه لحسم المعركة، وبالتالي وهو السؤال الأهم لأنه سيظل معنا لسنوات هو كيف بني قرار السلم وبالتالي أي اتفاق سيخرج؟

فإذا كان ضرب دول الخليج والأردن بالإضافة إلى إغلاق مضيق هرمز يمثل مفاجأة لدى صانع قرار الحرب، فإن هذا يشير إلى خلل في المعلومات الاستخبارية المسبقة، فالمسألة تتجاوز بنك أهداف واغتيال قيادات، لأنك تقاتل نظاماً أولوياته هي البقاء، ولكن ما يشفع هنا هو مرونة ردة الفعل وصنع القرار، فالحصار ومنع إيران من تصدير برميل واحد لفترة امتدت لحوالى 40-50 يوماً كما صرح بذلك الرئيس الإيراني بزشكيان.

وهذا الفهم موجود لدى العديد من الباحثين، إما مرفقاً بدعاية تقول إن نتنياهو غرر بترمب لخوض الحرب وهي من باب المكايدة والمناكفة السياسية من الديموقراطيين في الأساس، لكنها تؤثر في الرأي العام وربما شهدنا تقدم الديموقراطيين في استطلاعات الرأي للانتخابات النصفية والذي اتسع إلى 6.8 نقطة بحلول نهاية مايو، وهناك بالطبع تحليلات أعمق كالذي كتبته د.لندسي نيومان في موقع تشاتام هاوس واختارت له عنواناً لافتاً وهو «مذكرة القليل من الفهم».

الأكثر إلحاحاً اليوم هو ما مدى الفهم للاتفاق الذي من الممكن أن توقع عليه إيران بشكل يحفظ كرامتها، وعلى شكل موازٍ يحقق اتفاقاً ممتداً وراسخاً وحاسماً هو ملفات النووي والصواريخ والمسيّرات بالإضافة إلى التدخل في شؤون المنطقة، حتى لا تكون أول خطوة إيرانية بعد رفع العقوبات هي البدء في ضخ الدماء في الأذرع في المنطقة.

في غياب هذا الفهم الواضح، سيكون الاتفاق أشبه بالكرت الأحمر الذي أزيل عن اللاعب الأمريكي، لكنه لم يؤدِّ لنتيجة أفضل في مباراة بلجيكا.

00:03 | 8-07-2026

فرنسا وإسرائيل.. سنوات الود والخصام

تعد العلاقات الإسرائيلية الفرنسية من أعقد العلاقات على هذا الكوكب، ففرنسا تسكنها أكبر جالية يهودية في أوروبا والثانية خارج أمريكا وإسرائيل، أو ثاني أكبر جالية في الشتات كما يسمونها، بعدد يقارب النصف مليون نسمة، 60% منهم سفارديم (يهود شرقيون)، وبلغوا هذه النسبة تبعاً للهجرات من دول شمال أفريقيا التي نتجت عن انسحاب فرنسا من تلك الدول.

ثم أتت السنوات التي سبقت تأسيس الكيان، والتي كان أي دعم قدم خلالها مرتبطاً بالمناكفة مع بريطانيا أكثر منه حرصاً على اليهود، ولديغول تصريح في 1945 قال فيه: «اليهود في فلسطين هم الوحيدون القادرون على طرد البريطانيين من فلسطين»، كما أن حضور فرنسا في الهلال الخصيب بالمجمل ومنه فلسطين كان في أحد أوجهه حماية للكاثوليك، وهو ما كان مقابلاً للدور الروسي في رعاية الأرذوكس، ولأن التواجد الفرنسي يحمل دائماً أمتعة ثقافية، فقد كان في رحالهم «آليانس إسرائيل» كمعهد لتعليم اللغة والثقافة الفرنسية، الذي تأسّس في 1860.

عسكرياً ومع دولة إسرائيل كان لفرنسا ثلاث لحظات بارزة، أولاها التحالف الثلاثي مع بريطانيا ضد مصر عبدالناصر في 1956، والثانية ما كشف عنه المؤرخ الإسرائيلي ميخائيل بارزوهار في سيرة شمعون بيريز، وتوقيع بيريز اتفاقية مع رئيس الوزراء الفرنسي موريس بورغيه في 1953، أدّت في نهاية الأمر لتأسيس مفاعل ديمونة، حيث قدمت التكنولوجيا، والمعدات الهندسية، والعلماء لبناء المفاعل في صحراء النقب. وشهدت المرحلة ذاتها بيع أول طائرة عسكرية فرنسية لتل أبيب، وحدث الأمران رغم ضغوط غربية وأمريكية نحو عدم تسليح إسرائيل وتحويلها دولة نووية.

لكن العام 67 كان شاهداً على انعطافة كبيرة في السياسة الفرنسية تجاه إسرائيل، حيث حظرت بيع الأسلحة في المنطقة، ولكن الزبون الرئيسي الذي تأثر كان تل أبيب، حيث كانت حينها المورد الرئيسي للمقاتلات والمدافع وطائرات الميراج، حيث جمد ديجول تسليم طائرات الميراج التي كانت دفعت بالكامل قبل حرب الأيام الستة، واستمر على نهجه بومبيدو وجيسكار ديستان، وهو ما فتح مرحلة التحوّل الإستراتيجي إلى الدكان الأمريكي لابتضاع الأسلحة وحتى اليوم.

يقال إن السبب في هذا التغيّر الفرنسي يعود إلى غياب العدو المشترك، فالتعاون الاستخباري مع الموساد زالت حاجته بعد انتهاء الحرب الفرنسية الجزائرية، واستخدام إسرائيل لإضعاف مصر لم تعد حاجة فرنسية، لأن عبدالناصر كان أُنهك بالفعل، مع تعاظم للمصالح الفرنسية مع العرب، وتوّج ذلك بأن كانت فرنسا أول حكومة غربية تؤيد مشاركة منظمة التحرير في مفاوضات السلام وذلك في 1980.

وبالحديث عن فلسطين فلا شك أن الجهود السعودية الفرنسية إبان حرب غزة نحو زيادة المعترفين بالدولة الفلسطينية أحد أكثر الأمور التي أزعجت نتنياهو، ليس بأثرها السياسي والدبلوماسي فقط، بل لأنها رمزية في سقوط السردية الوحيدة في الغرب وهي أن الإسرائيلي يحارب الإرهاب، ومن أجل ذلك يقتل من يشاء.

وربما في لغة الرئيس ترمب الأخيرة نلمس هذا الإدراك عند ساسة الغرب، حيث ألمح إلى أن أمريكا أصبحت الدولة الوحيدة الداعمة لإسرائيل، وما أوضحه نائبه دي فانس حول أن ثلثي أسلحة إسرائيل من أمريكا وبتمويل من دافع الضرائب.

بالطبع حاول ميتران تحسين العلاقة مع إسرائيل ثم لحقه شيراك باتجاه مغاير شهد مزيداً من التقارب مع الدول العربية، إلا أن العقد الأخير وتحديداً فترة ماكرون دخلت العلاقات مرحلة من التشابك، حيث شهد العام 2014 زيادة كبيرة في المهاجرين من اليهود الفرنسيين إلى إسرائيل ورد عدة مسؤولين فرنسيين بأن نتنياهو يستخدمهم كأداة انتخابية، وفي 2024 حين تحدث ماكرون عن وجوب إيقاف تصدير الأسلحة لإسرائيل تبعاً لأحداث غزه، رد نتنياهو: عار عليكم.

لكن أخطر مراحل العلاقة بين البلدين هو ما كشفت عنه رويترز من أن السلطات الفرنسية تحقّق في ما إذا كانت شركة إسرائيلية في الانتخابات البلدية مارس الماضي، مستهدفة المرشحين سيباستيان ديلوغو (مرسيليا)، وفرانسوا بيكمال (تولوز)، وديفيد غيرو (روبيه)، ويعرفون جميعهم بتأييدهم لفلسطين، والأخطر هو هل هذا الاختراق تجربة لتأثير أكبر في الانتخابات الرئاسية العام القادم كما حذر حزب فرنسا الأبية.

لا شك أن علاقة فرنسا بإسرائيل والتحوّلات الكبيرة لا تخص فرنسا فقط بل فيها الكثير من الدلالات حول توجهات الرأي العام في أوروبا وأستراليا أيضاً والتي توجد بها جالية يهودية كبيرة.

00:48 | 22-06-2026

أقسى معاني الضعف في أبرز منعطفات القوة..

تأتي بعض الأزمنة لتمر على المرء كغراب يطير فوق رأسه بصوته المزعج، يذكر بأصوات المدافع وتاريخ الحروب من يوم الغفران لطائرات السنوار، فنتنياهو الذي ولد في أكتوبر لا يدري أيعد شمعة لعيد الميلاد، أم يحضر حجراً عسى أن يرمي به أكتوبر ليخرج من تاريخ العام.

في الحرب الأولى الملحمية من الجيش العربي المصري، كان نتنياهو قد غادر للولايات المتحدة بعد أن أنهى خدمته العسكرية في 72، قبل أن يعود مجدّداً للمشاركة في حرب الغفران، التي لام فيها غولدا مائير لعدم توجيه ضربة استباقية ضد الهجوم العربي في حرب يوم الغفران، كما حدث في حرب الأيام الستة قبل سبع سنوات، ويبني على ذلك أطروحته بأن إسرائيل يجب أن تضرب أولاً عند مواجهة تهديد وجودي.

لكن أكتوبر الأخير وأقصد «طوفان الأقصى» أو طوفان السنوار، فقد أشرف على أن يجعل أكتوبر شهر خير لنتنياهو، فبه تباشر بأن يصنع التاريخ عبر تغيير قواعد اللعبة، فالسنوار أهداه ما سمح له بمسح غزة وقتل آلاف الأبرياء فيها، بل وسار على دباباته في الضفة الغربية ليمحي كل أثر لحلم دولة فلسطينية.

وفي لبنان غيّر قواعد اللعبة ورأى في معركة البياجر رسالة للمنطقة أكثر منها لحزب الله، أراد القول أنا الرائد تقنياً ولذا أستطيع التنصّت لكل أحاديث السراديب، فاغتيال القيادات العسكرية والسياسية في حزب الله تباعاً، بل واستخدم نموذجاً يناسبه لشراء الوقت وتأجيل الانتخابات، لينجو من المحاكمة على قرع طبول الحرب وحصانة المنصب ما دام فيه.

أراد في لبنان كما في حديثه مع جيرانه العرب أن يقول: كما كانت غولدا مائير مخطئة في حرب الغفران، فكذلك كان إيهود باراك حين انسحب من الحزام الأمني في لبنان خلال العام 2000، ولذا عاد للتقدّم برّاً حتى أنه تجاوز نهر الليطاني مباشرة، وبدأ يهدّد باقتحام الضاحية.

قيادات الحوثيين كذلك لم يسلموا من نيرانه، وإن كانوا الأقل اشتباكاً في المعركة خلال الأعوام الماضية، أما درة التاج بالنسبة له فكانت حربين على إيران، سمحت له بمزيد من الاغتيالات للقيادات السياسية والعسكرية، بالإضافة إلى ما اعتاده من اغتيال العلماء.

وفي ظل عنفوان القوة والبدء في تقسيم المنطقة لمعسكرات، يعد فيها بأن ينتهي من الأول ليتصدى للثاني، فالنظام الإيراني لم يسقط ومازال قادراً على ضرب إسرائيل، ولكن هذا ليس الأمر الأكثر سوءاً، فالصراع من شأنه أن يستمر، ومن شأن الحروب أن ترجئ القتال القادم لسنوات.

لكن أتت مواطن الضعف في أشد صيحات القوة، حيث أجبر من حليفه على أن تعود طائراته قبل عام عن ضرب إيران، واليوم يكرر ترمب الرسالة: هناك قائد وحيد للمعركة ويجب عليك أن تلتزم باتفاقاتي، وتضبط وقتك على ساعتي.

ثم تأبى الضربات إلا أن تأتي تباعاً، ومنطلقها داخلياً هو تمرير قانون حل الكنيست في القراءة الأولى، وبحسب القانون إذا مر في القراءتين الثانية والثالثة يحل البرلمان الإسرائيلي، ويتجه الناخبون للتصويت خلال فترة شهرين إلى 90 يوماً بحد أقصى، وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الليكود سيحصل في أفضل التقديرات على 23 مقعداً، وحتى بتكرار التحالف مع «عوتسما يهوديت» برئاسة بن غفير، وحزب «تكوما» برئاسة سموتريش لن يجني أكثر من 50 إلى 55 مقعداً لا تكفي لتشكيل حكومة.

بالطبع حصول قانون حل الكنيست على غالبية الأصوات 106 من 120، يدل على أن أحزاب من ائتلاف نتنياهو ومن المعارضة أيّدته، والمحرك الرئيسي هو تحرك «الخارديم» الأحزاب المتشدّدة لرفض قانون تجنيد أبناء المتدينين، وهو ملف خلافي حيث تختلف معه أحزاب أخرى ترى أنه من غير العدالة أن يجنّد أبناءهم في الجيش دون أبناء المتدينين.

رياح ترمب ورياح الكنيست قد تكون وصفة للسيناريو الأسوأ لنتنياهو، وهو ببساطة خوض الانتخابات اليوم، فإجراء الانتخابات دون حسم على الساحة الإيرانية أو اللبنانية وبقاء جروح أكتوبر 23 في الذاكرة القريبة، وكمية الخسائر البشرية والمادية والنفسية، سينذر ذلك بخسارة كبيرة في الانتخابات المقبلة.

وغالباً سيستعيد الناخب السلوك الذي يمارسه بعد الخسائر الكبرى كما حدث بعد أكتوبر 73، حيث سميت «ماهباخ» أي التحوّل من اليسار الذي أنشأ إسرائيل وحكمها إلى اليمين لأول مرة مع صعود مناحم بيغين بحزب «خيروت» ما يعني الحرية، الذي سُمّي لاحقاً «الليكود»، فهل سيخلد الناخب الإسرائيلي ذكريات أكتوبر مجدّداً؟

00:19 | 10-06-2026

الصديق وقت «المضيق»

منذ أن حبا الله المملكة العربية السعودية بنعمة النفط، وهي تراه أداة استقرار وخدمة لشعوب الأرض الموردين منهم والمصدرين، لذا عملت على تأسيس منظمة أوبك 1960، التي ضمّت حينها إيران والعراق والكويت وفنزويلا، وظلت قائمة الدول التي تنضم للقائمة تزيد أسوة بالمنظمات العالمية.

وبطبيعة الحال كثيراً ما كانت المملكة والمنظمة شماعة لكل سياسي غربي تزيد تكلفة المعيشة في بلده، بشكل رئيسي بسبب الضرائب ومشاكل اقتصادية أخرى، فيبرِّر لشعبه بلوم السعودية وأوبك، ولكن ظلت الحكمة السعودية عبر المراحل برسالة ثابتة، ليس الغرض منها رفع الأسعار، بل تحقيق سوق مستقر ومتوازن لا إغراق فيه ولا شحّ للإمدادات.

وقبل عقد من الزمن، بدأت السعودية خطوات حثيثة لخلق إطار أوسع سمي (أوبك+)، تدرج من اتفاق الجزائر في سبتمبر 2016، وصولاً إلى «إعلان التعاون» (ديسمبر 2016) الذي ضمّ روسيا و10 منتجين من خارج (أوبك)، والذي أتى بعد حرب الحصص العنيفة ضد النفط الصخري قبلها بعامين.

وهذا نمط موجود من الحكمة السعودية للسعي لتعزيز التعاون وتعظيم منافع الجميع، على قاعدة الجميع خاسر من النزاعات، وإن كنت بطبيعة الحال لا تستطيع دائماً أن تقنع الجميع أن البقاء في السفينة أكثر دفئاً من القفز في النهر، لذا نجد من يقفز أحياناً من (أوبك) عند الأزمات مخالفاً نصيحة النبي نوح.

(أوبك+) نستطيع أن نقول إنها مثّلت تحولاً كبيراً لموقف المملكة إلى إدارة السوق بالتعاون مع موسكو بشكل رئيسي، وحين حصل بعض التباين في وجهات النظر في بداية 2020، الذي رفضت من خلاله موسكو الخفض الذي كان ضرورياً بسبب انخفاض الطلب الناتج عن الجائحة، قامت الرياض بإغراق السوق مما أنضج تنسيقاً سياسياً بين العاصمتين وواشنطن لعودة استقرار السوق، وحينها قدمت الرياض نموذجاً على أن الخفض أو الزيادة ليسا هدفاً بذاتهما، بل هما أداة لترجيح كفتي الميزان.

تدرك أيضاً الرياض أنها لا تسكن بجوار الدول الإسكندنافية، لذلك بنت المملكة منذ أربعة عقود خط شرق غرب؛ لأنها تعرف ببساطة أن الجغرافيا لا تتغير، وهي تصنع بذاتها حالة عدم يقين مستمر في حالة حصر خياراتها عبر مضيق هرمز.

فأزمة مضيق هرمز الحالية ليست الأولى رغم أنها الأكثر ضرراً، وقد كانت أولى الأزمات في حرب الناقلات بين العراق وإيران خلال الثمانينات، ثم رد أمريكا بعملية (فرس النبي) في 1988، وذلك بعد اصطدام الفرقاطة الأمريكية صامويل روبيرت بلغم بحري مما أدى لإحداث ثقب كبير في السفينة وإصابة عشرة بحارين، ومنذ الثمانينات حتى اليوم صدرت أكثر من خمسة تهديدات بالغلق مرتبطة بالمفاوضات أو التهديدات الأمريكية الإيرانية.

اليوم وفي ظل تزايد حالة عدم اليقين عن المفاوضات الإيرانية والأمريكية بما يشمل المضيق وما يتجاوزه، انضم للصحافة الكثير من المنجِّمين الذين يعرفون عن المستقبل أكثر مما يعرف مجتبى خامنئي ودونالد ترمب معاً.

لتأتي الحكمة السعودية؛ ممثلةً في حديث وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان، خلال مشاركته في منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي (SPIEF 2026)، تحدث خلالها على أن العالم بحاجة لكل جزء من الطاقة، وعن تحول المملكة إلى منتج شامل للطاقة.

وهذا الأمر دقيق إذا ما نظرنا إلى استثمارات المملكة في الطاقة البديلة التي نراها في مشاريع الرياح والطاقة الشمسية وغيرهما، بالإضافة إلى الهيدروجين بنوعيه، وتحدَّث وزير الطاقة عن زيادة الطلب المتوقع عالمياً حتى 2050، وعن استمرار المملكة في لعبها دوراً بارزاً كمورد موثوق وصلب للطاقة رغم الأزمة القائمة.

لكن أبرز ما قاله الوزير هو الحديث عن أهمية الهدوء في وقت الأزمات، وقوة الصمت في حالة عدم اليقين، وهو درس في أن التواضع في الإقرار بالجهل عن ما سينتج في الصراع الحالي أهم من فقدان المصداقية.

فالمملكة قدمت نموذجاً فريداً من الحكمة خلال الأزمة الجارية كانت به الصديق عند المضيق.

00:02 | 7-06-2026