أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/265.jpg?v=1768301671&w=220&q=100&f=webp

عبدالرحمن الطريري

الهند.. آخر الزائرين

من منصة الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) تحدّث رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي مخاطباً النواب: «الهند تقف مع إسرائيل، بثبات، وبقناعة كاملة، في هذه اللحظة وما بعدها»، هناك العديد من الدلالات للحديث والزيارة التي تعد الثانية لمودي إلى إسرائيل بعد زيارة سبقتها في 2017 والذي يعد كسراً للإرث الدبلوماسي للهند بعدم زيارة إسرائيل من قبل المسؤول الأول حفاظاً على العلاقات مع العالم العربي، حيث يسكن في الخليج العربي وحده عشرة ملايين هندي.

لكن اللافت في الزيارة أنها سبقت الحرب بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى بيومين، حيث كانت الزيارة يومي 25 و26 فبراير، وأول سؤال يتبارد إلى فضول الصحفي عن معرفة مودي بالمعركة أم أن نتنياهو أبقى السر قيد الكتمان، وحيث يتعذر معرفة ما دار في الغرف المغلقة، نجد أن البيان الهندي الصادر في 23 فبراير والذي رفعت على إثره الهند مستوى التحذير إلى الدرجة القصوى، مطالبة الرعايا الهنود بمغادرة إيران مباشرة وبكافة الوسائل المتاحة، وتبلغ الجالية الهندية في إيران حوالى عشرة آلاف.

وبالتالي كانت الهند في أجواء المعركة وإن غاب عنها ساعة الصفر، وهذا ما يراه محللون في تفسير عبارة «نقف مع إسرائيل بثبات في هذه اللحظة وما بعدها»، وعليه أصبح المنهج التواصلي مبنياً على الحياد وشجب العنف دون الإشارة إلى المتسبّب به ودون إدانة أي طرف، واتصالات مع قادة الخليج والأردن، بالإضافة إلى منشورات باللغة العربية من حسابات رئيس الوزراء على منصة x.

على كل حال منحت زيارة رئيس الوزراء الهندي لنتنياهو غطاءً سياسياً من أكبر ديموقراطية في العالم قبل المعركة، ومنحت الزيارة للهند تقنيات نادراً ما قدمتها إسرائيل لأطراف خارجية ومنها «الشعاع الحديدي»، وهي تقنية تختص بالليزر الدفاعي وهو نظام شغلته إسرائيل العام الماضي، ويعدّ طفرة في تقنيات التصدي للصواريخ والمسيّرات وقذائف الهاون، ويعالج مشكلة تقنية رئيسية وهي تكلفة الاعتراض منخفضة التكاليف.

بالطبع الزيارة شملت العديد من الاتفاقيات ورسّخت الهند كشريك حقيقي لإسرائيل، ولو عدنا قليلاً لما قبل زيارة مودي بثلاثة أيام، نجد قطعة مهمة لفهم رقعة المشهد، وهي حديث نتنياهو في 22 فبراير عن «التحالف السداسي» (Hexagon)، وهو التحالف الذي يشمل الهند وإسرائيل ودولاً عربية وأفريقية وقبرص واليونان، وأضاف رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن هذا التحالف يستهدف التصدي للتيار الشيعي الراديكالي والتيار السنّي الذي يتشكّل.

وبالتالي هناك سياق عام من التعاون بين الطرفين من آثاره حادثة «إيريس دينا» وهي فرقاطة إيرانية كانت في ضيافة البحرية الإيرانية، تم إغراقها من قبل القوات الأمريكية يوم 4 مارس بعد أن غادرت المياه الإقليمية الهندية بأميال، وهو ما اتهمت فيه أطراف إيرانية الهند بحسب صحف باكستانية مشيرة إلى مشاركة نيودلهي لإحداثيات الفرقاطة.

قد يكون في الحسابات الهندية بعض التقدير لما يمكن أن تخسره مع إيران مثلاً، وهو تبادل تجاري غير كبير ولا يتجاوز المليار دولار، لكن بالطبع هناك عقد استثمار وتشغيل ميناء تشبهار الإيراني، مقارنة بتبادل تجاري بين الهند ودول الخليج يزيد على مئة وسبعين مليار دولار، لكن المعارك لا تتنبأ قبل أن تبدأ بمسار الأحداث ولا النهايات، وبالتالي كانت المفاجأة للهند من أمرين:

الأول هو دخول مضيق هرمز كورقة مفاوضات، والأكثر مرارة تسنّم باكستان زمام الوساطة بين الطرفين، فالهند تستورد 85% من نفطها عبر مضيق هرمز، وباكستان عدو تاريخي، تشبه وساطته اليوم تسهيله لزيارة كسينجر للصين في 1971، فالوساطة، خاصة إذا ما نجحت، تمثّل إعادة تموضع لباكستان في علاقاتها مع الصين وأمريكا معاً، إضافة إلى ثقة من محيطها العربي والإسلامي.

تعد الهند من الدول المؤسسة لمنظمة عدم الإنحياز في 1961، واستمرت خلال العقد الأخير في الخروج من هذه الإستراتيجية إلى ضرورة الإنحياز، اليوم اختارت تموضعاً معيناً سنرى أثره على المستوى السياسي والاقتصادي بعد أن يجف حبر المعركة.

منذ ساعة

لا تقاطع عدوك وهو يقترف الأخطاء

التفكير الصفري يدفع بعض محللي شؤون الحرب القائمة بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى، إلى الذهاب استسهالاً إلى مبدأ الرابح والخاسر من الحرب، وإن كان الربح نسبيّاً والخسارة كذلك، ويتوسع ذلك التحليل ليشمل دول الخليج والأسواق المتضررة من إغلاق مضيق هرمز آسيوياً وأوروبياً.

ويتم تناول الصين اختزالاً في ملف الطاقة، ولكن المؤثرات الآنية والاستراتيجية على بكين هي متعددة بحكم تداخلها مع ملفات الاقتصاد والعسكرة وقدرتها على تعطيل قرارات مجلس الأمن بالفيتو بشكل مفرد أو بتنسيق مع موسكو، والأهم على المدى الاستراتيجي هو مبادرة الحزام والطريق التي لا يجب أن تتم في بؤر صراعات.

ولهذا بالنظر إلى موقف الصين من الحرب الجارية، يجب الإقرار أن الصين وبشكل استراتيجي لا تدعم بشكل مباشر الأطراف القريبة منها عسكرياً، حيث أن لديها حساسية من فكرة «الحليف» خاصة بالمنظور الغربي، وتفضل عليه إطار الشراكة أو العلاقات التعاونية، ولهذا بطبيعة الحال جذور تاريخية تعود إلى الحرب الباردة وكذلك التحالف الصيني الروسي في خمسينات القرن الماضي، وهذا يخلق التباساً كبيراً لدى المراقبين ليس في علاقتها مع إيران فقط ولكن بشكل أكبر في علاقتها مع كوريا الشمالية.

لكن الصين وقّعت في مارس 2021 اتفاقية مع إيران تشمل جوانب اقتصادية واستثمارية، وما يعنينا في نطاق الحرب القائمة أن الاتفاقية الاستراتيجية شملت التعاون الأمني والعسكري في المجالات الدفاعية، وقد شمل ذلك تحوّل إيران بشكل كامل من نظام GPS إلى نظام الملاحة الصيني BeiDou، وهو النظام الذي تستخدمه طهران لتوجيه الصواريخ الموجهة والطائرات المسيّرة.

وتوسع استخدام هذا النظام الذي أعلنت عنه الصين قبل ست سنوات، يبدأ من قدرة النظام الإيراني على التشويش على أنظمة الملاحة الغربية GPS داخل الأراضي الإيرانية، ليمتد لمخاطر على كافة السفن العابرة في الخليج، وصولاً إلى ما يمكن تسميته فرض الصين لاعباً في هرمز مع تفعيل نظامها الملاحي في المضيق.

التعاون الاستخباراتي وتبادل المعلومات الآني يمثّل أحد أوجه التعاون بين الطرفين، وإن كان الرائج إعلامياً بشكل أكبر هو تقديم موسكو معلومات لإيران لمساعدتها على الوصول لأهدافها، ويأتي الدعم الصيني، الذي أتوقع أنه محدود ولا يشمل مشاركة كل ما تعرفه مع إيران، مدعوماً من أكثر من 500 قمر صناعي تمتلكها مما يمكّنها من التتبع الدقيق للبحرية الأمريكية، والتحديث المستمر لصور الخرائط.

وهناك بالطبع مجالات تعاون أخرى عسكرياً وجلها بطبيعة الحال غير معلن، لكن هذا التعاون لا بد أنه موزون لأن الصين بطموحاتها الاقتصادية ورفضها كما ذكرنا لفكرة الحليف، لا تريد أن تكون إيران قوية بما يكفي لتكسر الآخرين، مما يستدعي بالضرورة ردع أكبر قد يؤدي لسقوط نظامها، وهذا سيمثل خسارة إستراتيجية لها، ولا تريدها ضعيفة بشكل يضعف صورتها كشريك موثوق به.

إن الصين التي اشترت 80% من النفط الإيراني في العام الماضي، تنظر لاستقرار وارداتها النفطية بطريقة براغماتية، سواء ما كان يأتي من فنزويلا أو ما يأتي من الخليج وروسيا وإيران؛ لأنه عصب اقتصادي مهم لها، وتعرف أن ارتفاع سعر النفط مضر لها استراتيجياً ليس كمستورد للنفط فقط، لكن على مستوى رفع تكلفة الصادرات التي يؤثر على الطلب العالمي بالنتيجة.

لكن معركة تُحسم في مدى أسابيع إلى أشهر بحد أقصى ستكون السيناريو المثالي لبكين على أكثر من مستوى، أولاً زيادة اعتمادية إيران عليها مع كل ما ينتج من دمار في بنيتها التحتية، وثانياً عبر الفرصة لتقييم القدرات العسكرية الأمريكية وتحليل أداء القوات الأمريكية في المعركة عبر الذكاء الاصطناعي.

كما تُمكّن الحرب الصين من مراقبة كيفية تعامل أجهزة استشعار الولايات المتحدة مع الرادارات منخفضة التردد، وتكشف مدى صمود المعدات الإيرانية تحت القصف المكثف. كما تُمكّن بكين من رصد استنزاف القوات الأمريكية لمخزونها من الذخائر باهظة الثمن ضد أهداف حُدِّدت عبر أنظمة مراقبة صينية، ومن نافلة القول إن هذا مختبر أبحاث لأي مواجهة محتملة في بحر الصين، أو إلى عمليات في تايوان حسب تقرير وزارة الدفاع التايوانية والمنشور منتصف شهر مارس الماضي.

ولهذا ذهبت الإيكونومست لعنونة غلافها «لا تقاطع عدوك وهو يقترف الأخطاء»، وإن كان التسليم بمسار واحد في التحليل السياسي جهالة، فآجال الحرب غير محسومة، والاحتمالات مفتوحة على مسارات تدفق النفط الإيراني، ومسارات الشراكات الإيرانية مفتوحة أيضاً بعد أن يسيل الحبر الإيراني موقعاً اتفاقية مع واشنطن.

00:06 | 8-04-2026

عودة غوار الطوشة

اكتشف الإنسان طريقة ينضج بها طعامه في إناء يقوم بضغط البخار العالي لرفع درجة غليان المياه، وهو ما قام به الفيزيائي «دينيس بابان». وفي عرضه الأول على الجمعية الملكية لاعتماد اختراعه انفجرت منه، مما أضطره إلى التفكير في إضافة صمام الأمان، خاصة والقدر أو الطنجرة -كما تسمى في الشام- مضغوطة للغاية وتحتاج تنفيساً.

وبالحديث عن الشام نستذكر أيضاً كيف فكرت أنظمة قمعية من شاكلة نظام الأسد في ضرورة وجود صمام أمان، خاصة أن حكم حافظ الأسد -والذي انطلق في 1971- استلزم أن يكون شديد الضغط كالإناء سالف الذكر، للحفاظ على استقرار الحكم في بلد كان يعج بالانقلابات العسكرية حينها، وقد وجد النظام ضالته في الدراما والكوميديا تحديداً.

وكان الفنان القدير «دريد لحام» هو الأكثر تمثيلاً لهذا المتنفس، والذي يجب القول إنه لا يمثل متنفساً فقط للشعب، لكنه يمثل قوة ناعمة لهذه الدول، وشهادة عند الزوّار بربطات العنق للتأكيد على أن البلد حضاري، حيث يجمع التاريخ والحضارة، واليوم يسمح للفن والسخرية التي تستلزم الواقعية أن تعكس واقع الأمن وتحطيم المثقف كما كانت مسرحية «كأسك يا وطن».

دريد لحام شكّل ثنائية مع الكاتب محمد الماغوط، ولكن بشكل يسمح للنصوص الأقل حدة للعبور درامياً والنصوص الأكثر حدة للبقاء في صفحات الكتب، وهو صاحب عبارات ساخرة من الأمن قد تعبّر في مجملها دون أن يسمح للتأويل أن يصل الرئيس، وكأن توجيهات الأمن تأتي من النرويج، وقد قيل إن دريد لحام كان الرقابة الداخلية التي تفصل درامياً بين ما يقع في قائمة الضغط المسموح وبين ما يمر عبر صمام الأمان.

دريد لحام اشتهر بتمثيل الشخصية الأبرز «غوار الطوشة»، وقد درس الفيزياء أيضاً كمخترع إناء الضغط، مثل دور «غوار» والتي تمثل العامل البسيط المتذاكي والذي يتصدى للبيروقراطية والفساد الإداري، مثل ثنائية أخرى مع الفنان الراحل نهاد القلعي والذي مثل الطبقة الوسطى العاجزة.

احتاج في مرحلة لاحقة أن يقدم أدواراً أخرى، والدور هنا بالمعنى الدرامي والسياسي معاً، حيث عبّر في أفلام مثل «غربة» و«الحدود» عن سخرية تتجاوز جغرافيا سوريا إلى نقد للمحيط العربي، وكأنها مسرحية في سويسرا تسخر من روسيا أو بيلاروسيا، بينما كان النظام السوري في واقع الأمر ينظر إلى الحدود مع لبنان كحدود استعمارية تفصل بين أجزاء الجسد الواحد، وينظر بالمقابل إلى الحدود مع إسرائيل كمنطقة سلام توجت باتفاق مع الجانب الإسرائيلي في 1974 سمي باتفاق فض اشتباك.

والشخصيات صاحبة البصمة كغوار الطوشة من الصعب أن تموت، فتجدها تتكرر في واقعنا اليوم، فترى غوار الطوشة بزي مختلف وتفاصيل مختلفة، لكنه نفس الخط الدرامي، فصمام الأمان يستلزم أن يكون نقد الداخل مختصراً في الاعتراض على رفع أسعار البنزين، وضغط الإناء يستلزم أن لا تنتقد صاحب محطة البنزين.

وكما في فيلم الحدود كذلك الحدود في اليمن مصطنعة من المستعمر الإنجليزي، أو قد تكون عقدة لدى الآخرين، وتقارير المنظمات حول جرائم الدعم السريع وجهات نظر قد لا تحمل الكثير من المصداقية، أو لا يجب لصمام الأمان الحديث عنها كما كان غوار لا يجرؤ على مناقشة مجزرة نظام الأسد في حماة على سبيل المثال.

وهذه الدراما الأكاديمية تمثل أيضاً ضرورة عند زوار ربطات العنق، فبالبلد يمثل نموذج الأمان والرقي والسلام، ويسمح بحرية الرأي حتى لو وصلت إلى انتقاد رفع أسعار البنزين.

00:08 | 3-04-2026

المعركة السعودية المختلفة (2)

تطوّرت أدوات الإعلام والصحافة سعياً لخلق رأي عام حول فكرة معينة عبر التاريخ، لكن شهدنا في العقدين الأخيرين كيف سعت وسائل التواصل الاجتماعي لخلق الانطباع، وهي مهمة لدى حرفيي الصحافة والتسويق، والانطباع ليس بالضرورة قرين الحقيقة، لكنه الصورة الذهنية عن بلد أو منتج أو شخص.

وشهدنا قبل فترة رواج الذكاء الاصطناعي للاستعمال الواسع من قبل المستخدمين، كيف أثرت الخوارزميات في مواقع البحث والشبكات الاجتماعية، عبر دراستها لنفسيات المستخدمين وأحياناً مدى جهالة المتلقين في التأثير على قراراتهم، وبالتالي يتجه مثلاً الناخب في دولة ما للتصويت لشخص بناءً على ما تُصُور له من انطباع.

لكن ما يهمني اليوم هو الحديث عن موضوع السرديات التي يتم السعي لتمريرها خلال الحرب الجارية، كما أشرت في مقال «المعركة السعودية المختلفة..!»، ومن ضمن هذه السرديات هو السعي لتمرير فكرة إنضاج الحرب لفرصة التطبيع مع إسرائيل.

وإذا ما تناولنا تحليل الخطاب الخاص بنتنياهو قبيل الحرب ثم خلالها، نرى تغيّراً في النهج المتبع في الطرح، من انتقاد المملكة خلال العامين الماضيين عبر القول بأن المملكة لا يجب أن تدعم أعداء إسرائيل، والتحفظ على أي تقارب سعودي سواء كان مع مصر أو مع باكستان، أو حتى مع تركيا وقطر لاعتبارات حمساوية.

إلى لغة تتحدث عن أن تحييد الخطر الإيراني سيعد فرصة ليكون التطبيع أقرب من أي وقت مضى، وذلك في صحيفة هارتس بداية مارس الماضي، وصولاً لركوب موجة إغلاق مضيق هرمز، عبر الحديث عن فرص تعاون اقتصادي مع المملكة بعد انتهاء الحرب، تشمل مد أنابيب لنقل النفط السعودي عبر إسرائيل.

ومن جانب أمريكي، تكرر حديث الرئيس ترمب عن قرب التطبيع وتوسع دائرة الداخلين في الاتفاقيات الإبراهيمية، حيث ذكر في أكتوبر الماضي أن السعودية ستطبع قبل نهاية العام الماضي، وفي مقابلته في نوفمبر الذي تلاه أعاد تكرار ذلك في مقابلة على CBS في إجابة عن سؤال حول تأكيد السعوديين بأن لا تطبيع دون حل للدولتين، فهل تصدق ذلك؟ فرد: لا

هذه المقابلة حدثت قبل زيارة ولي العهد إلى واشنطن، ثم أُشير في الصحافة الأمريكية لمسعى الرئيس للضغط نحو اتفاق، والحنق من الموقف السعودي الثابت والملتزم بحقوق الشعب الفلسطيني، وبطبيعة الحال كانت الزيارة ناجحة ولم يرتق لمراسم الاستقبال فيها أي ضيف سابق، وحصلت السعودية على ما أرادته ووصفت بحليف رئيسي من خارج الناتو.

إذن نحن اليوم أمام سردية تُسوق من إسرائيل وأمريكا لأسباب عدة، منها الداخلية التي لا يجب تجاهلها، مفادها أن العائق أمام تطبيع المملكة مع إسرائيل هو وجود الخطر الإيراني، وهو الخطر الموجود منذ سبع وأربعين سنة، ناهيك عن أن إيران موجودة كدولة جارة وستبقى، حين طبعت طهران مع تل أبيب وقت الشاه وحين تراجعت عن ذلك لاحقاً.

هذه السردية تتعارض مع السردية السعودية الثابتة منذ مؤتمر فاس حين أشار الملك فهد رحمة الله عليه إلى حل الدولتين كمدخل للتطبيع بداية الثمانينات، أو حين قدم الملك عبدالله رحمه الله في القمة العربية ببيروت 2002 مبادرة السلام، وصولاً إلى ما يطرحه بشكل ثابت ومتكرر المسؤولون السعوديون عن أن الحل العادل للقضية الفلسطينية هو الباب الأوحد للسلام.

ومن هنا يجب فهم السياق العام للتصريحات التي تمتعض من المملكة على مواقفها، من عدم الحرب مع إيران ومن عدم السلم مع إسرائيل، وقد كان من سخرية القدر كيف أصر الإعلام الغربي حين زيارة ولي العهد نوفمبر الماضي بأن لا F35 إلا بتطبيع، ثم ذهب مؤخراً إلى أن المملكة تجبر ترمب على الاستمرار في الحرب، وهنا ربما يتساءل القارئ هل المملكة قوية أم ضعيفة أم الاثنتان معاً ؟

00:19 | 2-04-2026

باكستان وسيط نوعي

تستضيف باكستان وزراء خارجية المملكة وتركيا ومصر، ضمن مساعيها للوساطة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بهدف إنهاء الحرب المستمرة منذ الثامن والعشرين من فبراير الماضي، دون أفق لإيقاف الحرب مع استمرار القصف داخل الأراضي الإيرانية، والرد الإيراني الذي يتوجّه جله نحو الأراضي الخليجية، مع قصف بعض المواقع في إسرائيل.

وخلال مسار الحرب اتضح غياب أي استراتيجية لليوم التالي، وتضاربت الأهداف المعلنة عن اليوم التالي وهل هو يحمل نفس النظام أم إسقاطه أم نسخة محسّنة منه، وهو ما سمّي بسيناريو فنزويلا، حيث يظل النظام يحمل نفس اللوحة، لكن المحل من الداخل يحوي بعض البضائع الأمريكية.

ونهج الطرفين نهج تصعيدي متوازٍ مع مسار المفاوضات، فلم تكن المفاوضات تتم بالتزامن مع وقف لإطلاق النار كما هو المعتاد، فمن الجانب الإيراني بدأ الحديث عن إغلاق مضيق هرمز وعن إتاوات تنوي فرضها على السفن العابرة رغم مخالفة ذلك لقانون البحار، ومن ناحية واشنطن فقد ارتأى الرئيس تسمية المضيق مضيق ترمب كنوع من الأخطاء المقصودة والمعتادة.

وعشية توجه الوزراء للاجتماع في إسلام آباد تحركت جبهة الحوثيين لأول مرة خلال الحرب، وهو تحرك لا يمكن قراءته عسكرياً باعتباره محاولة لإلحاق الأذى بإسرائيل، بقدر ما هو ورقة جديدة تلوّح بها طهران لتقول إنها تستطيع إزعاج الملاحة البحرية من باب المندب أيضاً، وهو ما يأتي تناغماً مع وحدة الساحات التي قام بها حزب الله في لبنان والفصائل العراقية.

أمريكا من جانبها فرضت شروطاً على إيران من أبرزها التخلي عن الطموحات النووية، وتسليم كمية اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهو أمر يبدو أن إيران متمسكة به لحد كبير، وهنا سيظهر أيضاً العامل الإسرائيلي الذي يعتبر هذا السلاح خطراً وجودياً عليه.

من الجانب الإيراني شملت الطلبات ضمانات على عدم تكرار العدوان، وكذلك التزام واشنطن بدفع تعويضات عن الحرب، وهذا يشير إلى نقطة مهمة أشرت لها في مقال سابق بعنوان «سقوف إيران وإسرائيل»، حيث يسأل الجميع على القنوات الإخبارية كم صاروخاً تبقى لدى إيران، ولا يسأل أحد كم طناً من الدقيق تبقى لديها، وما مدى الضرر الذي تعانيه إيران من إغلاق مضيق هرمز وتأثر بضائع الأمن الغذائي التي كانت تصل عبر هذا المعبر.

الوسيط الباكستاني وسيط مثالي في فترة الاحتقان بلا أفق، فهو مقبول خليجياً وأمريكياً وإيرانياً، ولكن الموضوع مرتبط بالبعد الدولي أيضاً، فدور روسيا في أن لا تنظر للحرب في إيران كفرصة تخفّف الضغط عليها في أوكرانيا، ودور الصين ذات العلاقات الممتازة مع باكستان في دعم جهود الوساطة.

صعّدت الأطراف المتنازعة بمطالباتها المرتفعة على الشجرة، وتحتاج من باكستان تهيئة الظروف لوجود سلالم تسمح لكل الأطراف بالنزول من الشجرة، بما يكفي من مشاعر النصر المعنوي، عبر شعور كافة الأطراف أنهم توصلوا إلى أفضل صيغة ممكنة لاتفاق، لن يجنّب المنطقة فقط المزيد من الويلات، ولكن سينقذ العالم من أزمة اقتصادية قاسية.

00:09 | 30-03-2026

المعركة السعودية المختلفة..!

ظهرت عدة سرديات تهدف إلى ترسيخ قناعات معينة مرتكزة على التكرار كأداة للتساؤل ثم الشك وصولاً في بعض الحالات لليقين، ومن هذه السرديات ما سعت له عدة صحف أمريكية كنيويورك تايمز وواشنطن بوست حول موقف المملكة من الحرب القائمة.

حيث كان التحليل الأول صادراً من «واشنطن بوست» يوم إطلاق العملية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة، والذي عنونته بضغوط من إسرائيل والسعودية ساعدت في ضرب إيران، ثم أشارت في العنوان الفرعي إلى أن التحليلات الاستخبارية لا تشير إلى أي تهديدات فعلية من النظام الإيراني، وهو ما نقلته «تايمز أوف إسرائيل» لاحقاً.

نفت السفارة السعودية ذلك، مؤكدة أن السعودية تحث دوماً على الحلول الدبلوماسية وأنها لم تضغط على الرئيس ترمب لضرب إيران، وكان لافتاً أن «واشنطن بوست» لم تطلب تعليقاً من أي مسؤول سعودي حول الادعاء المنشور، وهو من المسلّمات الصحفية بحق الرد (Right of reply).

وفي 24 مارس نشرت «نيويورك تايمز» بأن سمو ولي العهد يحث الرئيس ترمب بأن يستمر في الحرب، ونفى ذلك مسؤولون سعوديون وذلك في المادة نفسها، ويأتي نشر المادة بعد يوم من مهلة الخمسة أيام التي منحها الرئيس ترمب لإيران لتأجيل الضربات وذلك بسبب وجود محادثات جادة، ويأتي أيضاً بعد يومين من مهلة الثماني وأربعين ساعة لفتح مضيق هرمز.

وقبل تحليل الموقف السعودي، فإن الحرب القائمة لا يبدو بأن أي طرف راغب في استمرارها إلا إسرائيل، وقد ظهر تباعاً مؤشرات لخشية تل أبيب من توقف الولايات المتحدة عن الحرب قبيل تحقيق ما تعتبره إسرائيل أهدافها، ولا زال في ذاكرة نتنياهو القريبة إعادة ترمب للطائرات الإسرائيلية قبل أن تقصف أهدافها في إيران وذلك إنهاءً لحرب الإثني عشر يوماً في يونيو الماضي.

وفي تقرير نشرته «Atlantic council» في 11 مارس أشار إلى أن إسرائيل استهلكت الكثير من مخزونها من الدفاعات الجوية، وبالتالي السماح لبعض الصواريخ بالسقوط في مناطق غير مأهولة يسمح لها بشد عصب الشارع الإسرائيلي عبر التوازن بين وحشية العدو وكفاءة أنظمة جيش الدفاع الإسرائيلي في صد 92% من الهجمات، وبالتالي يترسخ مفهوم «الخطر الوجودي».

وبالتالي يتبيّن أن المستفيد الأول من اقتران اسم المملكة مع إسرائيل في حث ترمب على الحرب والاستمرار فيها هو إسرائيل، وهذا يأتي مدفوعاً بنقيضين هو التأثير الإسرائيلي المعروف في وسائل الإعلام، والتراجع الشعبي الكبير والذي منيت به إسرائيل بعد حرب غزة.

أما الدافع الثاني للزج باسم المملكة هو عدم شعبية الحرب أمريكياً، ففي استفتاء لـ«yougov» و«الايكونومست» تبيّن أن 56% من الأمريكان يعارضون الحرب، بينما يرتفع عدد المعارضين لإرسال قوات برية إلى 74% بحسب استطلاع «كوينيبياك».

وبالإضافة لعدم شعبية الحرب، تأتي محاولة ترسيخ فكرة أن إدارة الرئيس ترمب تدار من الخلف، أو تسعى لتحقيق أجندة حلفائها، فقد استخدم هذا السلاح ضد ترمب منذ فترته الأولى، حيث تحوّلت دعاية تلاعب روسيا بالانتخابات وبالتالي فوز ترمب إلى يقين مع تكرارها مراراً، بالرغم من أن القضاء الأمريكي أثبت كذبتها، واليوم يحاول خصوم ترمب تسويق الأمر نفسه عسى أن ينتزعوا منه فوزاً في الانتخابات النصفية نوفمبر الماضي.

أما الموقف السعودي فيؤخذ تحليلياً بعدسة أوسع تتناول المنطقة، حيث طالما كانت المملكة داعماً لاستقرار المنطقة وتدعو دوماً إلى الحلول السياسية التوافقية، كما أنها سعت منذ مارس ٢٠٢٣ لتطوير العلاقات مع إيران بعد الاتفاقية التي رعتها بكين، على الأقل في مستوى الحد من التوترات في المنطقة.

ولم يكن ليغيّر من موقف المملكة أي خصومة سياسية، ومثال ذلك غزو العراق في 2003، حيث أكدت المملكة موقفها الرافض لإسقاط النظام، وحذرت من مخاطر ذلك على استقرار المنطقة في المدى الاستراتيجي، بالرغم من ما واجهته المملكة ودول الخليج من صدام حسين.

لا شك أن هذه الدعاية ضد المملكة تأتي مدفوعة بانزعاج من عدم مشاركة المملكة في الضربات ضد إيران، وهو ما يبدو كان منتظراً في مرحلة ما من الحرب، وبنظرة سيادية لم ترَ المملكة أن هذه المعركة معركتها، وربما يلاحظ المتابع لأي محاور غربي حين يلتقي مسؤولاً أو صحفياً سعودياً أن السؤال الأول (إلى متى ستصير المملكة دون التدخل في الحرب ؟).

السعودية اختارت معركة أخرى وهي دفع الجهود نحو حل سياسي، كما ساهمت في استمرار صادراتها النفطية للإسهام في توازن الأسواق، وشبكة النقل اللوجستي لكافة دول الخليج، فهذا هو العمق الخليجي والعمق العربي في خضم معركة أجندات غير عربية.

00:10 | 27-03-2026

تلازم المسار.. آفة لبنان

كان الرئيس الراحل حافظ الأسد هو من رسّخ مبدأ تلازم المسارين السوري واللبناني، كركيزة لسياسته الخارجية منذ توليه الرئاسة 1971، وهذا التاريخ يأتي في منتصف العقد الذي مثّل صعود نجم الأسد الأب في البعث وتوليه وزارة الدفاع في العام 1966، حيث أحسن الدفاع عن سوريا لدرجة أنها فقدت الجولان في عامها اللاحق، وصولاً إلى دخول لبنان في 1976 وذلك بعد عام من انطلاق شرارة الحرب الأهلية اللبنانية.

وبالطبع كان تلازم المسار من أبرز ما ورّثه حافظ الأسد لنجله بشار، لكنه ضمنياً سلّمه لإيران الثورة، حيث امتدّت علاقة حافظ معها قبل الثورة باستضافة معارضين للشاه، ثم كانت دمشق أول عاصمة عربية تعترف بالجمهورية الإيرانية الجديدة، وكانت هذه العلاقة رمزية جداً في برغماتيتها بين بعث علماني ونظام ديني.

وما يعنينا في علاقة سوريا بإيران هو لبنان حصراً، بعيداً عن جوانب التعاون في الحرب العراقية وغيرها، ففي لبنان كانت لحظة الاجتياح العسكري الإسرائيلي لبيروت في 82 إيذاناً بالدخول الرسمي للحرس الثوري إلى لبنان والذي لم يخرج منه حتى الآن، حيث عبر إلى البقاع معبّداً الطريق لتشكيل حزب الله، سيراً على دم اللبناني بل والشيعي في صراع مع أمل قبل أن يكون على دماء إسرائيل.

وظل الأسد الأب يحتفظ بعلاقة ندية مع إيران وقبضة على لبنان، ولأن الابن ليس سر أبيه، فقد تحوّلت تدريجياً سلطة تلازم المسار، لتصبح تلازم مسار بين لبنان وإيران، وذلك أولاً مع خروج الجيش السوري بعد اغتيال الحريري، وصولاً إلى 2011 حيث انقلبت الموازين، فأصبح نظام بشار الأسد هو من يحتاج حزب الله للحفاظ على حكمه.

ولأن تلازم المسار كان يعني لحافظ الأسد بمعناه الأسمى «أن لا سلام للبنان مع إسرائيل دون سوريا»، فكذلك فعلت إيران عبر حزب الله عند مباركتها ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان، بل والتراجع عن الخط الحدودي 29 إلى الخط 23 وبالتالي التخلي عن جزء من حقل كاريش، وكانت البرجماتية الإيرانية حينها تأمل في تقديم بادرة حسن نية عسى أن تنضج اتفاقاً نووياً جديداً، وكان حزب الله من ناحيته يأمل أن يحقّق تنقيب شركات توتال وغيرها في الجانب اللبناني فرصة لتحقيق مداخيل للحكومة اللبنانية، مما يمنع انهيار الدولة وتحولها عبئاً على حزب الله وعلى إيران بالنتيجة.

ترسيم الحدود تم في أكتوبر 22، لكن بعد عام اندلعت معركة طوفان الأقصى كما سميت، واختار حزب الله حينها تطوير تلازم المسار إلى وحدة الساحات، التي أصبحت عملياً وحدة الويلات، لكن الضربات التي تتالت على الحزب من البياجر مروراً باغتيال قياداته السياسية والعسكرية، دفعته للتوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل في 27 نوفمبر 2024.

وقد كان وقف إطلاق النار مع التغييرات الإيجابية على مستوى رئاسة الدولة ورئاسة الوزراء باعثة على الأمل بأن فجراً جديداً قد يشرق على لبنان، تطبق من خلاله قرار الأمم المتحدة 1701 وينضوي حزب الله في كنف الدولة، خاصة مع انقطاع شريان الإمداد بوصول الرئيس الشرع إلى دمشق وسقوط نظام الأسد.

لكن الموضوع لم يتوقف حتى عند الحد الأدنى من الفذلكات السياسية في لبنان في تفسير النصوص والالتفاف حولها، وهل القرار يعني نزع سلاح الحزب تماماً أم أن ذلك محصور في شمال نهر الليطاني (المنطقة المحاذية لإسرائيل شمالاً)، واستمر في منح الذرائع لإسرائيل للتوغل والسيطرة على التلال الجنوبية الخمسة، وكان دوماً الضحية سكان المناطق الجنوبية ممن استخدمهم الحزب دروعاً بشرية.

اليوم يعود الحزب ليمنع أي فرصة لانفكاك المسار عن كائن من كان من أجل لبنان، ويعاود استهداف إسرائيل ذوداً عن طهران، تماشياً مع خطاب العام 85، حيث أكد الأمين العام بأن الحزب جزء من الجمهورية الإسلامية في إيران، مما أعطى ذريعة لتل أبيب للتغول في الأراضي اللبنانية، واستمرار القصف في الضاحية والبقاع ومناطق أخرى.

اليوم قد تذهب إيران إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، مما يعني توقف الأعمال العسكرية بين طهران وتل أبيب، وحينها قد يحدث الأسوأ للبنان، فتستمر الهجمات الإسرائيلية، والمحزن أن حطبها سيكون الشعب اللبناني، وكبريتها شهوات نتنياهو الانتخابية بانتظار مواعيد أكتوبر آخر.

00:37 | 25-03-2026

مَن يخسر مِن توقف الحرب؟

ما يميّز هذه الحرب الجارية أن الأطراف الثلاثة لديها منطلقات مختلفة للحرب، وبالتالي حاجة للحرب داخلية وخارجية وقد يتعذر عليها تحقيق هذه الأهداف دونما حرب، وبالتالي تقديراتها لمضرة السلم ومضرة توقف الحرب مختلفة، أما النصر فهو مادة إعلامية تغلب عليها البروبغندا والعاطفة، ولا معنى من مناقشتها في منطقة طالما انتهت صراعاتها بإعلان كل أطراف النزاع النصر.

ولنبدأ من أمريكا حيث لا يتسق منهج الحرب مع رئيس يرى أحقيته بنوبل للسلام، وكان يسعى لذلك جدياً في العام الماضي، وقد أسهم – مع فهم لتحفظات الكثيرين- في وقف إطلاق النار في لبنان ثم غزة، وإيقاف آلة الجنون الإسرائيلية والتي مثل لها السابع من أكتوبر ذريعة لتغيير قواعد اللعبة ومحددات المعركة، والاستغراب الآخر يأتي بعد حرب الاثني عشر يوماً في يونيو الماضي، حيث لم تنضج المعاهدة النووية ولم تقطع جزماً بانتهاء مشروع السلاح النووي الإيراني.

وسيبقى الهاجس الرئيسي للرئيس ترمب هو الحصول على اتفاق نووي يباهي بأنه أفضل من اتفاق أوباما، ولكن مَن يريد اليوم اتفاقاً نووياً يخلو من التزامات إيرانية حول التدخل في دول الجوار ودعم المليشيات، وخلاياها تتكشف تباعاً في الخليج، ومَن يثق في طهران بعد اليوم، والتي صرح وزير خارجيتها عباس عراقجي بأن برنامجها الصاروخي لا يتجاوز مداه 2000 كلم، والأرجح أن ذلك التدليس كان منوماً للأوروبيين، فقد تبيّن من استهدافها الأخير لقاعدة دييغو غارسيا (الأمريكية البريطانية المشتركة) في المحيط الهندي والتي تبعد 4 آلاف كيلومتر من طهران، أن مدى صواريخ إيران أبعد بكثير من ما زعمت.

ومن جانب إسرائيل فهدف إسقاط النظام ليس منطقياً من الجو، وحتى نتنياهو تراجع عنه في خطاباته الأخيرة، ويعلم اليوم بأنه لا يستطيع البقاء في المعركة حتى الانتخابات القادمة في أكتوبر، ولكن الخط الفاصل بين مستهدفات إسرائيل وأمريكا غير إسقاط النظام، إن إسرائيل تريد تجويع النظام، واتضح ذلك من ضرب تل أبيب لحقل الغاز الإيراني (بارس الجنوبي)، والذي ردت عليه إيران بقصف حقل الغاز القطري (رأس لفان) على قاعدة (عليّ وعلى أعدائي)، وهنا تبرز إسرائيلياً بدائل التوغل الحربي في إسقاط النظام وذلك عبر تجويعه.

في إيران التي قطعت الإنترنت من اليوم الأول عن مواطنيها يجب الفصل بين ما هو معلن وما هو حاصل على الأرض، خاصه مع شح المراسلين، فصحيح أن الاستمرار في قصف دول الخليج وإسرائيل دلالة أن إيران استعدت جيداً للحرب، لكنه دلالة أيضاً على أنها استعدت لحرب طويلة، لكنها أرادتها حربا مكلفة أيضاً على الاقتصاد العالمي، لأن لإيران هدفين لا ثالث لهما كما ورد في تصريحات مسؤوليها، أولاً منع تكرار هذه الحرب مجدداً، حيث عُدت الحرب الجارية اليوم والتي سبقتها في العام الماضي، أول مهاجمة مباشرة لها منذ توقف حربها مع العراق وإعلانها الهزيمة.

وقد بنت إيران دون ذلك الأذرع، لتكون سياجاً حامياً لها، فأتت الضربات المتتالية على السوار ثم إلى المعصم، فقد كان سقوط بشار الأسد قاصمة ظهر، وتتالت الخسائر في باقي الأذرع، والهدف الثاني هو الحفاظ على صمود النظام، حيث تأكلت شعبية النظام كثيراً وحقّقت العقوبات الاقتصادية آثاراً متراكمة على قدرة النظام على الوفاء بالاحتياجات الرئيسية للشعب.

وبالتالي فالسلم اليوم يمثل فرصة لخصوم ترمب للقول بأنه ذهب إلى حرب بلا استراتيجية وعاد بلا نصر، ويمثل خسارة أيضاً لنتنياهو لأنه لا يستطيع القول بأنه ألغى الخطر الإيراني تماماً، ولكن بديله سيكون المزيد من التغول في لبنان للإمعان في إضعاف حزب الله، لكن الخاسر الأكبر من توقف الحرب اليوم سيكون إيران، أولاً لأن الحرب مثلت شريان حياة للنظام، حيث تمثل الحروب فرصة للأنظمة الثيوقراطية تسمح لها بقمع أي صوت معارض تحت قاعدة: «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة».

كما أن الخسائر الاقتصادية المتراكمة على مستوى القطع البحرية وقدرات التمويل عبر الغاز والنفط بعد الضربات، تجعل العودة للحالة الاقتصادية الصعبة قبل الحرب متعذرة، كما أن لا يوجد أي فرصة لمشاريع إعادة إعمار وطهران تقبع تحت العقوبات، ناهيك عن جفاف موارد تمويل ذلك، كما أن القصف استهدف مراكز حرس ثوري ومقار أمنية في مناطق الأكراد، مما قد يمثل فرصة لو توقفت الحرب لإيجاد خلل في النسيج المركب لإيران قد ينطلق من منطقة الأكراد ولا يتوقف عندها.

الحرب الطويلة هي أفضل ما يخدم إيران، وقد يكون التعنت أثناء المفاوضات وسيلة لاستجلاب الحرب، باعتبارها على المدى الطويل خسارة للآخرين، لكن توقفها كما أتوقع خلال أسابيع سيكون تكلفته عالية خاصة على مستوى قدرة النظام الإيراني على إدارة الدولة بعد كل هذه الخسائر، فشعبها لن يقف عند الأفران ليتناول شعارات الصمود بدلاً عن الخبز.

00:05 | 23-03-2026

فيلق الخليج.. وجبل طويق

استمرت إيران في تهديدها لأهداف في الدول الخليجية جلّها أهداف وأعيان مدنية، بعد ذريعة استخدمتها طويلاً وهي استهداف قواعد أمريكية، بعذر أنه يصدر منها هجمات نحو إيران، وهذا أولاً لم يتحقّق، كما أن وجود القواعد هو حق أصيل للدول ولا يعني أي مشروعية لاستهدافها، ومن جانب آخر من غير المنطقي لأي دولة على خلاف مع موسكو على سبيل المثال، أن تشرعن استغلال الحرب مع إيران لضرب التواجد الروسي لتشغيل محطة بوشهر.

وفي هجومها على الدول الخليجية تجاوزت يوماً بعد الآخر الحدود المقبول بها سياسياً، والحدود المستخدمة في خطاب الثورة المهترئ خلال أكثر من أربعة عقود، والذي تناول الوحدة الإسلامية والتصدي للإمبريالية الغربية، وما أسمته شيطان أكبر وشيطان أصغر، أم أن هذا الفارق العسكري والاستخباراتي والتصفية المتتالية لقيادات النظام، أزالت عن الشعارات قشورها، وأصبح المسلم لا سيما العربي هدفاً سابقاً على عدو الشعارات.

ومع انعقاد اجتماع وزراء الخارجية للدول العربية والإسلامية، زاد الاستهداف للعاصمة الرياض مما لا يمكن فهمه إلا كرسالة للمجتمعين، فأولاً هذا الاجتماع يرسّخ مكانة المملكة عربياً وإسلامياً، ويعد دلالة على قوة دبلوماسية الرياض وقدرتها على حشد رأي مناهض للممارسات الإيرانية والاعتداء على الدول الخليجية، وتهديد الاقتصاد العالمي عبر إغلاق مضيق هرمز.

والمزعجات الإيرانية من الاجتماع إذا حللناها فتشمل، تشكيل إجماع عربي وإسلامي يدين الهجمات الإيرانية خاصه أنه يشمل دولاً عربية زائداً دولاً إسلامية مثل باكستان وتركيا، كما أن وجودهما مع دول إسلامية أخرى يقلل هامش المناورة الذي كانت تلجأ إليه إيران تاريخياً، كما قد يسهم في تكامل منظومات الدفاع الجوي والتعاون الأمني بين المجتمعين.

كما أن المزعجات لإيران تشمل حالة انعزال في المحيطين العربي والإسلامي، وهذا منطقي من التعامل الإيراني في الأسبوعين الأخيرين حيث لم تُبقِ على صديق ولا وسيط، والاجتماع سيعزز هذه العزلة ويمثل النعش الأخير في سردية «المقاومة»، وأخيراً وربما الأكثر إيلاماً هو التنسيق على ترتيبات لما بعد الحرب تقيّد إيران ولا تمنحها فرصة تكرار العدوان مجدّداً.

وهذا ما يظهر من عزف أوركسترا وكالة تسنيم الإيرانية والمنار (حزب الله) والمسيرة (الحوثيين)، مما يعبّر عن تجييش نحو الانتقام لعلي لاريجاني وباقي القتلى من خلال مهاجمة الرياض والدوحة وأبوظبي والمنامة والكويت ومسقط، وكما روّجت هذه المنظومة الإعلامية لتحرير القدس وتشكيل فيلق القدس، والذي اكتشفنا عبر السنوات أنه لا يتعدى كونه فيلقاً يستهدف العواصم العربية ويسعى لنهب السيادة الوطنية بعربة ترفع راية القدس.

اليوم وكأنما هذا الفيلق يحمل اسم فيلق الخليج، فمجدّداً أضاعت طهران طريق القدس أو حتى طريق تل أبيب، لكن الفارق أن الخليج جباله راسيات كعزيمة رجاله، وأمواجه عتية على كل عدوان، والحلم والحكمة من القيادات في السعودية ودول الخليج سيكون من غير الحصافة إساءة تقديرهما.

00:04 | 20-03-2026

سقوف إيران وإسرائيل

منذ أن انطلقت المعركة والأخبار والتحليلات تدور في منطقة السلاح من صواريخ ودفاعات وأهداف مدنية، مثل محطات تحلية مياه أو تكرير نفط، أو في منطقة الوساطات والبحث عن مخرج دبلوماسي، ومن يضغط هنا أو هناك ليدفع الأطراف نحو طاولة المفاوضات العصية.

ولكن ماذا عن عوامل أخرى حاسمة لدى كل طرف في المعركة، وأولها الأمن الغذائي، فإسرائيل تعتمد على الاستيراد في المنتجات الأساسية: حبوب الأعلاف، السكر، الأرز، والقمح، بحسب موقع وزارة التجارة الأمريكية، والتي تشير إلى أن صادراتها لإسرائيل تقارب 5% فقط، كما أن روسيا وأوكرانيا كانتا المصدر الرئيسي للقمح حتى 2022 حين اندلعت الحرب بينهما، وهنا يأتي عامل تراكم الأزمات.

ثم يأتي العامل اللوجستي، حيث تمر معظم البضائع إلى إسرائيل عبر ميناءين بحريين رئيسيين: حيفا في الشمال وأشدود في الجنوب، إضافة إلى مطار بن غوريون، وجميع المنافذ الثلاثة تتعرّض للقصف الإيراني، وعامل التراكم يأتي مجدداً، حيث ميناء إيلات على البحر الأحمر شبه معطل جرّاء هجمات الحوثيين السابقة.

وبينما يوحي الاتساع الجغرافي لإيران ووجود معابر برية تسمح لها بالاستيراد من تركيا وروسيا عبر العراق، بالإضافة إلى إطلالتها على بحر قزوين في الشمال، إلى توسع خياراتها في الواردات الغذائية، إلا أن لديها تحدياً أن إغلاق هرمز يمثل سكب السم في البئر الذي يشرب منه الجميع.

مما يؤثر على واردات رئيسية كالأرز والذرة والتي تستورد أكثر من نصفها من الخارج، وكانت تدخل لإيران بشكل رئيسي عبر ميناء بندر عباس وميناء الخميني وكلاهما على الخليج العربي، مما يعني تعذر دخول 14 مليون طن من الحبوب لإيران سنويا مروراً بمضيق هرمز.

وفي البحث حول عوامل الصمود الداخلي، يجب عدم تجاهل الحركات الاحتجاجية التي خرجت تباعاً خلال السنوات الأخيرة في طهران، وتم التعامل معها بطبيعة الحال بالغلظة، من مظاهرات أسعار الغذاء والماء، إلى مظاهرات رفع أسعار الوقود في 2019، مروراً بمظاهرات مهسا أميني، حتى المظاهرات الأخيرة بعد السقوط الحر للريال الإيراني في ديسمبر الماضي.

وبالطبع لا أتوقع هنا أن المظاهرات ستنتج تغييراً سياسياً خلال الحرب، فنحن لسنا في بروكسل، لكن هذه الضغوط الاقتصادية التراكمية مع تحديات الأمن الغذائي تخلق نواة للانفجار الكامن، مع عدم إغفال أن الإعدامات زادت من 2022 بشكل سنوي حتى 2025، وكل هذا الضغط رشح وجود قبول غير معلن من فئات من الشعب للضربات الأمريكية الإسرائيلية.

وعلى مستوى الداخل الإسرائيلي يمثل ملف جنود الاحتياط ضغطاً متصاعداً منذ اندلاع حرب غزة، فتشير صحيفة جيرولزم بوست أن تكرار استدعاء جنود الاحتياط مثل ضغطاً نفسياً وعائلياً عليهم، كما أن هناك تكلفة اقتصادية متراكمة عسكرياً بشكل عام وعلى مستوى رواتب جنود الاحتياط بشكل خاص، حيث تكلف الحرب الراهنه أكثر من 4 مليارات دولار أسبوعياً.

وهناك تحدٍ سياسي أيضاً لنتنياهو في ملف جنود الاحتياط، فهو بين نار «الحريديم» وهم اليهود الأرذوكس المتشددون، فطاعتهم في إعفاء طلاب المدارس الدينية يحرم نتنياهو من كل جندي يحتاجه في واحدة من أكبر معارك إسرائيل عبر التاريخ، والتصدي لهم يعني عملياً سقوط حكومته، حيث سيصبح أقلية بخمسين نائباً، من 120 نائباً في الكينيست، وبحسب القناة 12 فإن أي انتخابات ستقلل مقاعد الليكود لـ 27 فقط.

وبالتالي فما هو السقف الذي يستطيع تحمّله كل طرف بما يتجاوز القدرات العسكرية، فالقدرة على معالجة الألم الداخلي أو حتى تحمله تكون أحياناً عاملاً أهم من النصر العسكري في حسم المعركة.

00:32 | 18-03-2026