أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/265.jpg?v=1768301671&w=220&q=100&f=webp

عبدالرحمن الطريري

الذبذبة في خطابات المعركة

إذا ما وضعنا مسارات الرسوم البيانية لاتجاهات السوق الاقتصادي منذ اندلاع الصراع مع إيران، فنجد عدة متغيّرات تبدأ من أسعار الأسهم وتمر بالملاذات الآمنة من ذهب ونحوه ولا تتوقف عند أسعار الطاقة بشقيها الرئيسيين من نفط وغاز، والتقديرات التي لا يمنعها في أحيان كثيرة من القفزات هبوطاً أو صعوداً إلا بعض الظن بأن النور الذي في آخر نفق ترمب دائماً هو صفقة، والصفقة في نمط التفاوض الذي شهدناه في العام الأخير على الأقل تُطهى في فترة قصيرة.

لكن ماذا عن مسارات الخطاب لأطراف المعركة، وإذا بدأنا من أمريكا نجد أن هناك أولاً توزيعاً للأدوار بين تصريحات ترمب على تروث سوشيال تحديداً، والتي تتحدث عن الاستسلام غير المشروط، وهي لغة لم تستخدم حتى مع خصوم الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، وبين لغة دبلوماسية وعسكرية يمثلها وزيرا الدفاع والخارجية الأمريكيان هيغسيث وروبيو.

وإذا عدنا خطوة للوراء فلم يقدم لنا أحد تفسيراً لبداية حرب الاثني عشر يوماً في يونيو السابق ولا سبباً لنهايتها، وفي عصر المراهنة على ذاكرة الأسماك لا يجيب المنطق بما إذا كانت تلك المعركة القصيرة قد حيّدت الخطر النووي الإيراني، والذي وصل إلى 970 رطلاً من اليورانيوم وبنسبة تخصيب تصل 60%، مما يعني اقترابها من النسبة المطلوبة للقنابل النووية وهي 90%، أما كما أشار روبيو في بداية المعركة معتبراً «منع القنبلة الإيرانية هو حجر الزاوية في عقيدة ترمب للأمن القومي».

كما أن المعركة أشارت ببارودها أن خط المفاوضات قد قطع وأن لا منطقة وسطى، وقد كان هذا جلياً من خطاب الرئيس ترمب في اليوم الأول، أما في اليوم الخامس فقد ارتفعت النبرة للحديث عن رفض الرئيس لاستقبال الاتصالات حول إيران، وتصريحه «سأجعلهم يشعرون بالحرارة قليلاً»، ومنذ يومين انتقلت لغة الرئيس ترمب من حملة الضغوط القصوى إلى هندسة الاستسلام الإيراني، عبر تصريحه في البيت الأبيض بأنه مستعد للتفاوض إذا اغتنموا الفرصة الأخيرة.

ويبقى السؤال الذي يتعذّر وجود إجابة دقيقة له سواء في التصريحات الأمريكية أو الإسرائيلية على حد سواء، هو المدى الزمني للمعركة، رغم كل الضربات الدقيقة والتي حيّدت القدرات الجوية والبحرية الإيرانية، وحيّدت جزءاً كبيراً من القدرات الصاروخية، لكنها لم تلغها وإن قل منسوبها كثيراً.

من الجانب الإيراني كان أول القصيدة كفراً، فالدول الخليجية التي وقفت ضد استخدام أراضيها وسماواتها للحرب ضد إيران صارت أهداف إيران الرئيسية، ولم يسلم من ذلك حتى الدول الخليجية التي اضطلعت بأدوار تفاوضية، وهذا في حد ذاته مؤشر حول جديتها في الحوار، وقبل ذلك مدى تقديرها لأوضاع شعبها الاقتصادية والتي من المفترض منطقياً أن يكونوا أكثر المستفيدين من رفع العقوبات.

فكانت النبرة عالية لشد العصب الداخلي بدءاً بحسين سلامي الذي اعتبر التفاوض مع ترمب انتحاراً سياسياً، وفي اليوم التالي خرج الرئيس بزكشيان بتصريح «الكرامة قبل الخبز»، وإن كانت الشعوب تحتاج الخبر لتعيش حتى ترى الكرامة، ومن السابع من مارس نزلت التصريحات الإيرانية أيضاً عن الشجرة، وبدأ الحديث عن مفاوضات ممكنه إذا توفرت ضمانات دولية، ولا يعرف المستمع العاقل هذه الضمانات الدولية ستأتي من أي من الأطراف التي تحرك بوارجها وحاملات طائراتها نحو قبرص والمنطقة، لأن قصف دولة أوروبية كقبرص وإغلاق مضيق هرمز خطان أحمران يوحدان العالم.

لكن اللافت كان تصريح عباس عراقجي وزير خارجية إيران، حين قال: يخطئ الأمريكيون إذا اعتقدوا أننا كابول أو بغداد، وهنا ربما نعود لكتابة قوة التفاوض، حين اعتبر أن الأهم للمفاوض ليس بلاغته بل مرتكزاته وهي قوة الدولة على مستوى القدرة العسكرية والوزن الاقتصادي والقدرة على الاحتمال.

مما يعني أن صراع طاولة التفاوض سيكون مرتبطاً بما يبقى من صبر وسلاح محدود مع الإيرانيين، وما يبقى من وقود سياسي لدى أمريكا وإسرائيل داخلياً ودولياً، وبالتالي ما يعود به ترمب من نصر عسكري وسياسي، يكون وقوداً لمعركة الانتخابات النصفية.

وإن كانت منطقتنا تعرف كثيراً بخروج طرفين من المعركة معلنين الانتصار معاً، على أمل أن لا أحد سيقرأ الصحف باللغتين في اليوم التالي.

منذ 20 ساعة

ألمانيا واللاجئون.. كلاكيت أقسى مرة

بدأت المستشارة أنجيلا ميركل بين العام 2005 و2006 برنامج الاندماج، وهو برنامج ناتج عن تحديات واجهتها ألمانيا من خلال عدم إقبال كثير من المقيمين فيها على تعلّم اللغة والاندماج في الثقافة وبالتالي في الخدمة العامة، وتنوعت الأسباب لذلك ومن أبرزها وجود العديد من ربات المنازل من أصول تركية وكردية وغيرها يعشن في تجمعات تسمح لهن بالتبضع والتواصل بلغتهن الأم، دون الحاجة لتعلّم الألمانية.

وضمن هذا البرنامج، حرصت السيدة ماريا بومر، المكلفة بقضايا الاندماج في الحكومة الاتحادية، على رفع عدد المنحدرين من خلفية مهاجرة في عدة مجالات، كالتدريس وخدمات رجال المطافئ والصحة بالإضافة للإعلام الذي كانت نسبة العاملين فيه من أصول مهاجرة 1 من كل 50، وتدرّج البرنامج من مرحلة الاستحباب والحث على الانضمام له إلى الوجوب، وهو ما ارتبط بعدة عوامل أبرزها التدخل الروسي في سوريا في سبتمبر 2015 وزيادة تدفق المهاجرين إلى أوروبا، وسعيهم للوصول إلى ألمانيا «سدرة المنتهى» والتي بطبيعة الحال تمثل الاقتصاد الأمثل.

كانت هناك عدة عوامل تتفاعل في ألمانيا حينها وبدرجة أقل صخباً في دول أوروبية أخرى، خاصة الدول الإسكندنافية وهولندا، حيث كان العامل الأول العامل الإنساني الشعبي والذي ظهر من خلال عبارات الترحيب بالمهاجرين التي رفعها الجمهور الألماني في مباريات البوندسليغا «الدوري الألماني»، وكان مبعثها التعاطف مع الحالة المأساوية للسوريين تحت القتل والتهجير والبراميل المتفجرة، لكن كان هناك أيضاً عامل الشك خاصة أن ما يقارب ثلث المهاجرين الذين ادعوا أنهم سوريون لم يكونوا كذلك.

العامل الثالث والبراغماتي هو شيخوخة المجتمع الألماني وما مثّله ذلك من شح في العاملين في بعض الوظائف المهمة ومزيد من الضغط على نظام التقاعد، وبالتالي أسهم الموظف السوري والذي ينقص معدل عمره عن معدل عمر الألماني بتسع سنوات، في التحول سريعاً من متلقي معونات إلى دافع ضرائب، واليوم يمثل الأطباء السوريون أكبر جنسية أجنبية في القطاع الصحي بحسب مجلة دير شبيغل، خاصة في المناطق الريفية التي يعزف عنها الأطباء الألمان.

لكن الصورة ليست مشرقة بالمطلق، فالمهاجرون عامة خاصة المسلمين ردة الفعل على وجودهم تعد أحد أهم أسباب صعود اليمين في ألمانيا، خاصة في الولايات الشرقية والتي كانت جزءاً من ألمانيا الشرقية سابقاً، وهذا ما توضحه نتائج حزب البديل لألمانيا (AFD) في انتخابات 2024 حيث حل أولاً في «تورينغن» وثانياً في «ساكسونيا»، كما تجب الإشارة إلى أن المهاجرين ليسوا كلهم نافعين للمجتمع، كما تطور الجدال بين تيار يميني يرى خطر الإسلام على القيم الليبرالية، وتيار ليبرالي يتناول الهوية الألمانية المرنة.

في العام 2020 بدأت المسببات غير الألمانية في التأثير على الاقتصاد الألماني، من جائحة كورونا وصولاً للصراع الروسي الأوكراني، وتأثيراته الأمنية والعسكرية وبالطبع الاقتصادية خاصة على مستوى أمن لطاقة، وصولاً إلى ضغط الإدارة الأمريكية على الصادرات الألمانية واستحداث تعرفات جمركية، وربما كان لافتاً مؤخراً وقوع ألمانيا بين كماشة عزوف ترمب عن الناتو وبالتالي ظهور أهمية التجنيد الإجباري من جهة، وبين تحدٍّ حول مدى ثقة السياسي في تجنيد وتعليم الشباب المسلم في ألمانيا على السلاح.

اليوم يقود ألمانيا المستشار والسياسي المحنك فريدريش ميرتس، ولا تعني رئاسته لحزب الاتحاد المسيحي الديموقراطي (CDU) في ألمانيا وهو حزب المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، أي توافق بين السياستين بالضرورة ولا يعني ذلك بطبيعة الحال أي توافق في ظروف المرحلتين.

وهنا نفهم زيارة المستشار للبيت الأبيض بعد اندلاع الحرب الإسرائيلية الأمريكية مع إيران، وتصريحه: «لا أزال أفتقد إجابات بشأن الكيفية التي قد تتطوّر بها الأوضاع في إيران بعد الحرب»، وبعدها بثلاثة أيام أضاف: يجب منع موجات الهجرة انطلاقاً من إيران، والتي لا يمكن السيطرة عليها، كما عبّرت أحاديثه عن الحرص على الدولة وعدم تفككها بغض النظر عن النظام.

هذه النظرة تمثّل توافقاً مع الرؤية العقلانية للمملكة ودول الخليج، التي خبرت في منطقتنا كثيراً ما يعنيه سقوط الأنظمة وتفكك مؤسساتها، وكذلك ما خبرته أوروبا من قوارب المهاجرين بمختلف التحديات وأبرزها تحولهم كوقود لليمين المتطرف في صناديق الانتخابات.

منذ يومين

2026-2006 عقدان من الوهم

أكيد أن الوهم سيكون مبتهجاً إذ وصفته في العشرين شاباً يانعاً، بينما هو قديم قدم الدهر، ومنذ أن تاجر أول سياسي برجل دين ليبيع بضاعة الوهم وتسير بها الجموع مغممة أعينها وإن كانت تبصر.

لكن العقدين الأخيرين وأعني من الحرب التي افتعلها حزب الله «ذراع إيران في لبنان» مع إسرائيل، عبر خطف جنديين في عملية «الوعد الصادق» وما أكذبه من وعد، كانت الذريعة المعلنة استعادة أسرى الحزب، والمبطنة كانت التأكيد على أن جثوم إيران على لبنان مستمر عبر حزب الله، بعد أن أخرج الضغط الدولي نظام الأسد.

لكن ما يعنينا في تلك المرحلة هو تصدير الوهم، حيث انطلق المؤيدون لهذه الحرب تحت ذريعة «عدو عدوي صديقي»، وشمل ذلك الإسلام السياسي «الإخوان المسلمين»، حيث خرج مهدي عاكف ليصف المقاومة في لبنان بأنها تدافع عن كرامة الأمة، والكرامة والمقاومة تحتاج بحثاً آخر كمحددات للوهم.

ولم يكن الوهم حصراً بالإسلامويين بل توسع ليشمل مثقفين من اليسار، ذهبوا غلواً في وصف الحزب بكونه وريث حركات التحرر الوطني في فيتنام وكوبا، وشمل ذلك ليبراليين في عدة دول بل وحركات قومية مسيحية أيضاً، ولم ينجُ من ذلك أدونيس العلماني والمعروف بنقده للعقل الفقهي، وخرج بصياغة غريبة تؤيد الحزب في سلاحه وتعارض الحزب في مشروعه الاجتماعي والديني.

واليوم حيث بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران، والتي ما كان منها إلا أن هاجمت دولاً عربية بأضعاف ما هاجمت به إسرائيل، وبالطبع نعرف اليوم أن جل الأهداف مدنية وليست مصالح أمريكية كما زعمت، وهذا يدل على منهج عدواني لم تُثنِه مواقف السعودية ودول الخليج من الحث على منع الحرب والتشديد على منع استخدام أراضيها وأجوائها.

إلا أن المنظور الأعور تكشّف من دول ومنظمات ومثقفين وإعلاميين، حيث يرون بأعينهم اعتداء إسرائيل على إيران، ولا يرون بقلوبهم اعتداء إيران على دول الخليج، فهذا الموقف الكاشف لما عجزت أن تخفيه براغماتيتهم، زاد عليه خلطه بعجين من الوهم يريد أن يصور الاعتداءات على الدول الخليجية من مسيّرات وصواريخ قادمة من طرف ثالث.

وهو موقف يمثل أولاً تسويقاً للسردية الإيرانية وبالتالي خلق تعاطف معها، ثم يمعن في الإرهاب ليجعل خياراتك محصورة بين الوقوف مع إيران أو إسرائيل، بينما لا ينبغى أن يكون لدى الإنسان أي لبس، فموقفه يجب أن يكون راسخاً مع وطنه، وواضحاً نحو كل معتدٍ عليه أياً كان.

وكما يشير «والتر ليبمان» الأب الروحي لفكرة صناعة الوهم كظاهرة إدراكية لدى البشر، وذلك في كتابه «الرأي العام»، إلى أن الإعلام والسياسيين يقومون بإنشاء «بيئة زئبقية» زائفة، تمثل سيناريو من الصور التي صيغت لتكون بديلاً عن الواقع.

00:44 | 10-03-2026

مصائب قوم عند قوم.. عوائد

منذ بدأت الحرب الإسرائيلية الأمريكية مع إيران نهاية فبراير الماضي، ظهر السؤال ملحاً عن موقف روسيا من هذه المعركة، وما مدى قراءتها للمستقبل حين جعلت اتفاقية الشراكة الإستراتيجية بينها وبين طهران، والتي وقّعت في يناير 2025، لا تشمل بنداً للدفاع المشترك كما كانت الإتفاقية بين روسيا وكوريا الشمالية، والتي نتج عنها تزويد الأخيرة لموسكو بذخائر ومسيّرات وجنود خلال معركتها في أوكرانيا.

كما أن الترقية لبند دفاع مشترك والتي طالبت بها طهران على ما يبدو بعد قراءتها للمستجدات في المنطقة منذ السابع من أكتوبر 2023 واشتعال غزة، لم تكن بالضرورة مناسبة لموسكو والتي أدارت الملف السوري على سبيل المثال بتوازن بين العلاقات مع طهران من جهة، والسماح لإسرائيل بقصفها داخل سوريا من جهة أخرى، ناهيك عن تجارب تاريخية لم تكن بالضرورة مثالية أو ترتقي بالطرفين إلى درجة حليفين.

من جانب آخر روسيا شاركت معلومات استخباراتية مع طهران، مما يمكّنها من الاطلاع على مواقع تمركز القطع البحرية والطائرات الأمريكية وتتبعها، وهو ما أشارت له أسوشيتيد برس ورويترز وعدة صحف أمريكية، ويدل ذلك على أن موسكو تمنح الدعم العسكري والاستخباراتي لإيران والذي يسمح بتحقيق درجة من الضرر المحسوب دون منحها فرصة التهور في رد الفعل، مع الحفاظ على الخط الأحمر وهو عدم مشاركتها غرف الدفاع الجوي، مما قد يسمح بتسرّب معلومات عن تقنيات مثل S400 لواشنطن.

من جانب آخر تعد روسيا أكبر الرابحين من الأزمة اقتصادياً، فقد كان لافتاً أن منحت واشنطن الهند فترة سماح لثلاثين يوماً لاستيراد النفط الروسي، بل لم تعد موسكو مضطرة لتقديم تخفيضات على نفطها، كذلك برزت روسيا كبديل مثالي عبر طرق تصدير تمر بـ(بحر البلطيق، القطب الشمالي، والبحر الأسود)، وإذا أضفنا للصراع مع إيران ما حدث في فنزويلا، فهذا يعد وضعاً مثالياً لروسيا على الأقل في المدى القصير والمتوسط.

مما يعدل بيت أبو الطيب المتنبي ليكون:

بذا قضت الأيام ما بين أهلها ** مصائب قوم عند قوم.. عوائد

00:12 | 9-03-2026

كأس العالم وكأس السم..!

«عندما قُتل مسؤولون إيرانيون في بداية المعركة، شعرنا جميعًا بحماس شديد، والآن بدأنا نتساءل: إلى أي مدى سيصل هذا الأمر؟ هل سنتمكن بالفعل من إسقاط النظام؟ هل ستواصل الإدارة الأمريكية مسيرتها؟ أم أنها ستشعر بضغط من بعض الأمريكيين داخليًا، وسيقول ترمب: حسناً، لنُبرم صفقة. لنتوقف عن هذا؟ هذا هو الشعور الذي يراودنا باستمرار. الأمر أشبه بأن أحد أقاربك يخضع لعملية جراحية، وأنت جالس في غرفة الانتظار».

هذا التعليق ذكره الحاخام تارلان رابيزاده، نائب رئيس قسم العلاقات اليهودية في الجامعة اليهودية الأمريكية، لموقع eJP، ضمن آراء للجالية اليهودية الإيرانية في أمريكا والتي تسكنهم مشاعر مضطربة خلال الحرب القائمة، فهم أمريكيون بالجنسية، وإيرانيون بالجذور، ووجدانياً ودينياً مرتبطين بإسرائيل، وبالتالي فهي ترى النظام الإيراني مستبد، لكنها تخشى على ما يقل عن خمس الجالية اليهودية المتبقية في إيران، بعد أن هاجر أغلبها بعد الثورة.

من جانب آخر كانت الجالية اليهودية الإيرانية في أمريكا تستعد لاستقبال مباريات منتخب إيران بعد أقل من مئة يوم، وهي جالية تبلغ حوالي 750 ألفاً إذا احتسبنا المولودين خارج أمريكا وتتجاوز هذا الرقم كثيراً إذا أضفنا المولودين في أمريكا لآباء مهاجرين وهم يرتكزون في معظمهم في غرب الولايات المتحدة، وتحديداً في سياتل ولوس أنجلوس، وهي نفس الجغرافيا التي كان من المفترض أن تستضيف مبارياتهم في كأس العالم.

هذا التداخل بين المصالح والذي يربط بلدين يبعد بينهما أكثر من عشرة آلاف كيلومتر، وهذا الصراع الذي يضيق التحديات لتكون على الأقل بالمنظور الإيراني على بعد درون من مصالح أمريكية في الخليج العربي أو في قواعد على شواطئه، هو ما يعقّد مسألة الصراع الذي تفاوتت التحليلات قبل اندلاعه خاصه مع التحرك العسكري الأمريكي نحو المنطقة، بين كونه طريقة الرئيس ترمب في الضغوط القصوى لإنضاج الصفقة، أو هو إكمال للصراع بين إسرائيل وأذرع إيران في المنطقة.

إيران عملياً استخدمت الكتالوج الأمريكي بحذافيره، فكما تستخدم أمريكا الاحتجاجات الداخلية للضغط على الدول والأنظمة القائمة، قامت إيران بكل ما من شأنه رفع أسعار النفط والغاز، وصولاً إلى عدم جدوى نقل بعض الشحنات لتكلفتها العالية، وبالتالي ترتفع أسعار البنزين في أمريكا وترتفع تكلفة الطاقة في أوروبا، ويصبح الضغط لإيقاف الحرب من داخل أمريكا وحلفائها، وإن كان التناقص الكبير في قدراتها الصاروخية خلال أسبوع من المعركة، يدل على الرغبة التدميرية الأمريكية للقدرات التفاوضية قبل العسكرية لطهران. وبحكم أن هذه المعركة بين أمريكا وإيران تعد انتقالاً من مرحلة تقليم الأظافر إلى كسر العظم، فتأتي الخيارات الأمريكية لحسم المعركة دون تدخل بري صعبة، خاصة مع تواجد عناصر تزيد على نصف مليون من الجيش الإيراني والحرس الثوري والباسيج، مع تحديات كبيرة متعلقة بالاستعانة بالأكراد، سواء على مستوى ردات فعل الحشد الشعبي والميليشيات الولائية في العراق، أو عبر خطوط حمراء تضعها بطبيعة الحال تركيا لأسباب مفهومة.

أما الرهان الإيراني فيبدو أضعف خلال الأيام القادمة خاصة إذا حيّدت قدراتها الصاروخية تماماً، وذلك مع الاستمرار في تدمير كافة منصات الإطلاق، والأقسى ربما ما يحمله تدمير القطع البحرية الإيرانية من ذكريات نهاية الحرب العراقية الإيرانية، حين ألقى الخميني خطابه الشهير في 20 يوليو 1988، واستبدل فيه شعار «الحرب حتى النصر» بخطاب «إني أقبل بوقف إطلاق النار وهو أشد مرارة من تجرع السم»، فكانت براغماتية التنازل عن النصر من أجل الحفاظ على الثورة. الرئيس ترمب في نهاية الأمر يهمه عدم الوقوع في وحل الحروب الطويلة وهو الأمر الذي طالما عابه على أسلافه، وقد يؤدي أثراً سلبياً على المستوى الاقتصادي وعلى مستوى حاضنته الشعبية، وقد يؤثر سلباً على كأس العالم برمزيته كجامع للشعوب حول المستديرة بعيداً عن كل الخلافات والاختلافات، وعندها قد يكون خياره تطبيق النموذج الفنزويلي عبر الاستقرار على صفقة يكون طرفها الإيراني من النظام ولكن ببدلة وربطة عنق هذه المرة.

05:19 | 7-03-2026

العشاء الأول..

بعد أن تناول فرانك ماكنمارا عشاءه في مطعم ماجور كابين بمدينة نيويورك، أدرك أنه نسي محفظته في المنزل، فدفعت عنه زوجته، لكن ذلك دفعه أيضاً إلى التفكير في طريقة أخرى يتفادى فيها هذا الحرج مستقبلاً، مما دفعه إلى التفكير في دينرز كلوب.

ومن هذا الموقف الذي انطلقت منه فكرة دينرز كلوب، كطريقة دفع مقبولة من المطاعم يتم استقطاعها من الزبون ولدت فكرة البطاقات الائتمانية، وسمّي عشاء فرانك اللاحق في نفس المطعم في 1950 بالعشاء الأول، حيث دفع قيمة الوجبة من خلال بطاقة من الورق المقوى وتوقيع الإيصال.

وبعد ثماني سنوات قام «بنك أوف أمريكا» بإصدار بطاقة بانك أمريكا كارد، وهي أول بطاقة في العالم بخاصية الائتمان المتجدد، وقد انتهت إلى أن سُميت بفيزا، وذلك في العام 1976 وأتى اختيار الاسم لسهولة نطقه في جل اللغات، ولإعطاء رمزية لفكرة عولمة البطاقة وتعزيز استخدامها في كل بقاع الأرض.

هذا كان تحوّلاً بنيوياً في حركة التجارة، بتغيّر المفهوم من جودة المنتج إلى سعة شبكة استخدامه وتلاها بطبيعة الحال، الشبكة المنافسة ماستر كارد والتي صدرت من «انتربانك كارد اسووسياشن»، واستمرت هاتان الشبكتان تحديداً بالانتشار حول العالم حتى وصلتا إلى الهيمنة في مناطق معينة بحسب أنماط الاستهلاك.

أوروبا في حينها كان لديها بعض المحاولات لإصدار بطاقات ائتمانية مثل يورو كارد السويدية أو كارتي بليو الفرنسية، لكن مجدّداً العبور السلس للحدود الذي امتلكته البطاقات الأمريكية كان عاملاً حاسماً في المعركة.

وفي الستينيات وبداية السبعينيات غزت البطاقتان الأسواق الأوروبية، في فترة كانت تعد في المعسكر الغربي ذروة تقدم أمريكا وإغداقها على البشرية بالاختراعات والنعم، ولم تكن الصين بطبيعة الحال على الخارطة الاقتصادية العالمية بعد، وكانت أوروبا تعيش أيضاً فترة من التقدم والرفاه الاقتصادي بعد أن تعافت من آثار الحرب العالمية الثانية.

اليوم تشير التقديرات إلى أن ثلثي عمليات مشتريات الأفراد في أوروبا تتم عبر البطاقات الائتمانية الأمريكية، والحلول الرقمية الأخرى هي أيضاً حلول أمريكية وأحياناً حلول مقنعة لنفس البطاقات الائتمانية، وأعني «أبل باي» و«قوقل باي» و«باي بال».

وهذا الأمر حذر منه اقتصاديون أوروبيون كثر، من ضمنهم فيليب لين، كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، والذي اعتبر سيطرة البطاقات الائتمانية الأمريكية تمثل ضغطاً اقتصادياً على أوروبا وتأثيراً كبيراً على استقلاليتها، كما أضاف في حديثه الذي أوردته «رويترز» بوجوب دراسة حلول بديلة مثل اليورو الرقمي لتقليل المخاطر.

ويأتي الهاجس الأوروبي اليوم ليسأل، متى أصبحت أمريكا خطراً؟ وهل مخاطر سيطرة أمريكا الاقتصادية متوقفة على البطاقات الائتمانية؟ ومتى أدرك الأوروبيون ذلك؟

والواقع أن السيطرة الأمريكية على الاقتصاد العالمي أكبر بكثير من حدود البطاقات الائتمانية، سواء عبر دولرة التجارة العالمية، وجعل الدولار عملة معيارية، وبجعله حارس بوابة التعاملات المصرفية، وسيطرة نظام SWIFT والذي وإن كان مقره بلجيكا ويدار بشكل تعاوني بين عشرة مصارف مركزية، إلا أنه كان وسيلة أمريكية تستخدم للضغط وتحويل العقوبات على دول مثل روسيا وإيران لأدوات خانقة.

أما لحظة الإدراك الأوروبي لكونهم مقيّدين بالأدوات الأمريكية، فمرت عبر ثلاث مراحل؛ الأولى بعد انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي، حيث أتت INSTEX 2019 كقناة أوروبية غير دولارية غير SWIFT للتجارة مع إيران، وتبيّن مع خشية المصارف من العقوبات الأمريكية ورفضها التعامل مع هذه القناة، كيف أن استقلالية القرار الأوروبي مفرغة من أدواتها.

ثم التأمل في كيف أثّر منع روسيا من استخدام SWIFT على قدرتها في إجراء معاملات دولية، فأصبحت البنية الاقتصادية المصرفية سلاحاً ضد روسيا اليوم، وطُرح السؤال على من ستكون الطلقة التالية، وأخيراً موجة التوتر الاقتصادي التي شهدها العام المنصرم وما زالت مصاحبة للتعرفات الجمركية الأمريكية، ووضوح وجهة النظر الأمريكية والتي تبين أن دعم الناتو أو أوكرانيا ليس عشاء مجانياً.

الاعتمادية الأوروبية المطلقة وهمٌ سياسي، والفطام من الاعتماد على الولايات المتحدة وهمٌ أكبر، فأوروبا تحتاج تغييرات بنيوية على المستوى الاقتصادي والعسكري وحتى على المستوى السياسي، فالطاولة تتغير والأزياء كذلك، من الشرواني الهندي والزي تاي تشي الصيني وغيرهما، ومن لا يملك أدوات المستقبل لن يكون طرفاً على طاولة العشاء الأخير.

00:13 | 23-02-2026

غضبة الجزائر

في أكتوبر من العالم الماضي، صرّح الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون أن علاقات بلاده مع جميع ⁠دول الخليج ودّية باستثناء دولة واحدة، وأضاف بأن العلاقة مع السعودية والكويت وسلطنة عُمان وقطر علاقة أشقاء، وفي انتقاده للدولة الخليجية، التي لم يسمها، ركّز على نقطة التدخل في الشؤون الداخلية للجزائر، والقيام بما تورّعت عنه ولم تجرؤ عليه دول كبرى على مستوى العبث بالداخل الجزائري.

وقبل أيام صدرت خطوة لافتة على مستواها السياسي قبل التقني من لدن الجزائر، عبر البدء بإجراءات إلغاء اتفاق خدمات النقل الجوي بين الجزائر والإمارات والتي وقّعت في مايو 2013، وصُدّقت بمرسوم رئاسي في ديسمبر 2014، وهو ما يعني خسارة الإمارات للبنية القانونية التي تفتح السماء بين الدولتين وخسارة بيئة مريحة من قواعد تشغيل شركات الطيران، وغياب الاتفاقية له آثار على مستوى السيّاح والشحن وما ينتج عن ذلك من خسائر اقتصادية، تفضي إلى رفع التكلفة على شركات الطيران وتضييق الوصولية بين مطارات البلدين.

وبالرغم من أن تصريحات الرئيس عبدالمجيد تبون اتّسمت على الدوام بأعلى درجات ضبط النفس والدبلوماسية، إلا أن الأكاديميين الجزائريين وبعض الصحف الجزائرية توسّعوا في تحليل الأسباب الجذرية لهذا الخلاف الكبير، حيث ذهبت بعض التحليلات في صحيفة الخبر ومواقع مثل أوراس، إلى أن تصريحات أكتوبر وإلغاء الاتفاق في فبراير الجاري ما هو إلا آخر الخطوات بعد تحذيرات عدة تمّت عبر القنوات الدبلوماسية أولاً.

ولعل تصريحات الرئيس الجزائري بعد 12 ساعة من قرار البدء بإلغاء الاتفاقية دليل على تراكم هذا الحنق من تصرفات الإمارات، والتي أشار بعض الصحفيين إلى أنها لم تبقِ للجزائر إلا قطع العلاقات، وهذه التراكمات حدثت في جولتين انتخابيتين، صرّح الرئيس بإحداها عبر محاولة أبوظبي دعم مرشح معين في 2019.

كما تلوم الجزائر الإمارات لعرقلتها مقترحاً للأمين العام للأمم المتحدة، سنة 2022، بتعيين وزير الخارجية السابق والسفير الحالي في واشنطن، صبري بوقادوم، مبعوثاً أممياً إلى ليبيا، وهي الخطوة التي علّق عليها دبلوماسي جزائري لوكالة «فرانس برس» حينها: «وحدها الإمارات رفضت تعيين الوزير الجزائري السابق».

لكن بالتعمّق أكثر لمسوغات الغضب الجزائري نجد أنه يأتي من ملفات أمنية بالدرجة الأولى، سواء على مستوى التدخلات في الشأن الجزائري بالانتخابات وأيضاً بمحاولة دعم انفصال «حركة تقرير مصير القبائل» كما أشارت اللوموند الفرنسية في ديسمبر الماضي، وهذا الدعم للأخيرة يعدّ خطاً سيادياً أحمر في منظور الأمن القومي الجزائري.

وبالتوسّع في الملفات الأمنية التي أزعج الجزائر تدخل الإمارات فيها، نجد دعم تقسيم دول عربية عبر تسليح حركات انفصالية كالدعم السريع في السودان، وخليفة حفتر في شرق ليبيا من أبرزها، كما نجد أن زعزعة استقرار دول مجاورة، وعلى رأسها مالي أمر حسّاس جداً للجزائر.

وتأتي حساسية ملف مالي باعتباره ملف أمن حدودي، وللجزائر وساطة تاريخية رعت من خلاله «اتفاق الجزائر» 2015 بين باماكو وبعض حركات الشمال، وبذلك ربطت نفوذها بشرعية التسوية، وعندما قررت السلطة في مالي إنهاء الاتفاق مطلع 2024، حذّرت الجزائر من مخاطر على كامل الإقليم.

ولأبوظبي عدة تصاريح حول العلاقات الدبلوماسية مع مالي والاتفاقيات التجارية والثقافية وغيرها، ولكن من بين هذه الاتفاقيات كان لافتاً ما نشرته الصحيفة الإنجليزية العريقة فاينانشال تايمز في فبراير من العام الماضي، عن استحواذ مستثمر إماراتي على 50% من أسهم مناجم الذهب، خاصة منجم «ساديولا».

والذهب يذكّرنا أيضاً بالحديث الذي ترصده التحليلات حول الاستماتة في تمويل وتسليح قوات الدعم السريع، وهو ما يتّسق مع كل ما لفظه العالم من فترة الاستعمار ونبذ سرقة خيرات الشعوب، والتي كثيراً ما حدثت عبر دول وظيفية وحركات انفصالية.

00:10 | 9-02-2026

نهاية الوهم الغربي الجميل

سادت فكرة في الغرب قبل عقود تتحدث عن التاريخ الخطي والنمو المستدام، حتى كسر هذه الفرضية كتاب «أفول الغرب» للفيلسوف الألماني أوزوالد شبنغلر والذي أصدره عبر جزءين في العامين 1918 و1922، وأراد من خلاله شبنغلر أن يتعامل مع الحضارات كدورة حياة الإنسان، يكون طفلاً ثم فتياً مروراً بالكبر والشيخوخة قبل الموت.

وقد أراد حينها الإشارة إلى المخاطر التي تحيط بالديموقراطية وبالحضارة الغربية بشكل عام، عبر الانتقال من طور «الثقافة» الخلّاقة (الدين، الفن، المعنى) إلى طور «الحضارة» الميكانيكية (المدينة الكبرى، التقنية، المال، الإدارة). لا يرى شبنغلر «النهاية» حدثاً مفاجئاً، بل تحوّلاً بنيوياً يفقد فيه الغرب قدرته على إنتاج معنى جامع، ويستعيض عنه بالتوسع البراغماتي وإدارة القوة، بما يفتح الباب لصداماتٍ داخلية واستقطابٍ سياسي، وصولاً إلى ما يسميه ظهور «القيصرية» وهي حكم النخب القوية والعسكرية مدعومة من رجال الأعمال.

ولا شك أن الوصف الأخير يشابه ما نراه في المشهد الأمريكي وفي أماكن أخرى من الغرب، ومن جانب آخر هناك كتاب بنفس المسمى للمؤلف المغربي حسن أوريد، يتحدث فيه الكاتب عن أبرز مراحل صعود الغرب من نهاية الحرب العالمية الثانية، مروراً بسقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي.

وبالتالي فكرة تراجع دور الغرب بالشكل الذي تمثله المظلة الأمريكية وحلف الناتو والعلاقات التجارية بين الغرب وواشنطن ليست حديثاً جديداً، لكن دخلت عليها العديد من المدخلات خاصة من الثمانينات الميلادية وهي المرحلة التي تسبّبت في بداية سلبية الميزان التجاري الأمريكي خاصة في مجال المنتجات.

وهو المدخل أيضاً لفهم التعرفة الجمركية الأخيرة من الإدارة الأمريكية، حيث تمثل الدول الخمس التالية الدور الأعلى في التأثير على الميزان التجاري الأمريكي توالياً وهي، الصين والمكسيك وفيتنام ثم إيرلندا وألمانيا.

وفي العقد الأخير ظهرت عدة محاضرات تتناول تراجع الغرب حسب التطورات الأخيرة وأبرزها تقهقر حلف شمال الأطلسي «الناتو»، حيث كتبت المؤرخة والصحفية الأمريكية البولندية آن أبلباوم مقالاً بعنوان «هل هي نهاية الغرب كما نعرفه؟» وذلك في صحيفة ذا أتلانتك، وذكرت في مقالها أننا على بعد انتخابين أو ثلاثة من فناء الناتو.

كما تطرق عدد من المتحدثين في مؤتمر دافوس نسخة 2016 إلى نفس الفكرة، ومن أبرزهم غيديون راكمان كبير معلقي الشؤون الخارجية في «فاينانشال تايمز»، والذي لديه كتاب «الشرقية» والذي أصدره في العام نفسه، وتطرق إلى انتقال مركز الثقل العالمي من الغرب إلى آسيا وتحديداً الصين والهند، والاقتصادي نيال فيرغسون والذي تناول أيضاً تراجع الغرب لمصلحة الشرق وأسماه «التدهور العظيم».

وهذا يأخذنا إلى ما حدث في دافوس أيضاً خلال الشهر الماضي، حيث كلمة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني المؤثرة للغاية، والتي وصفت بأنها خطاب النعي الأخير للغرب، وكانت قاسية في بعض وصوفها حيث استخدم عبارة «نهاية الوهم الجميل» (The end of a pleasant fiction) لوصف الاعتقاد السابق بأن التكامل الاقتصادي وحده سيضمن السلام العالمي.

وأضاف: «رسالتي للقوى المتوسطة: من لا يجلس على طاولة المفاوضات، سيكون هو الطبق الرئيسي على «قائمة الطعام». علينا أن نتوقف عن الحنين للماضي ونبدأ ببناء نظام جديد يعتمد على الواقعية والتحالفات المبنية على المصالح الصادقة»، يأتي كذلك تزامناً مع إحياء رئيس الوزراء الكندي علاقات كندية صينية وصفت بالفتور والحرب الصامتة وغياب الزيارات المشتركة لثمان سنوات، مارست كندا حينها رسوماً على السيارات الصينية والألمنيوم، وردت بكين في العام الماضي برسوم بلغت 100% على منتجات كندية زراعية وبحرية مثل (زيت الكانولا والاستكوزا والبازلاء).

وفي يناير أيضاً توجه رئيس الوزراء البريطاني إلى بكين لبحث سبل التعاون وتعزيز العلاقات، وهو ما يعني ضمناً أن كل التخوفات البريطانية من مبنى السفارة الصينية الجديد في لندن وإمكانية تجسسه على أسواق المال سيكون مما يغض الطرف عنه، ومن جانبه وقّع الاتحاد الأوروبي اتفاقاً مع الهند يؤدي لتحرير جمركي واسع النطاق، وتوسيع نفاذ الهند للأسواق الأوروبية.

كل ما يحدث في الغرب إذن لا يمكن اختزاله في الحمائية الأمريكية والتعرفة الجمركية، بل هو تغيير بنيوي له العديد من الآثار من ضمنها صعود اليمين المتطرف، وزيادة الحديث عن المهاجرين وبالتالي العنصرية، ومن أكثر صوره إيلاماً هو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «بريكست».

هذا التغيير قد يؤثر في المدى المتوسط على استقرار الناتو بل والاتحاد الأوروبي أيضاً، حيث يشهد الغرب تحديات اقتصادية كبيرة منذ الجائحة التي لم يتعافَ منها الاقتصاد الألماني على سبيل المثال، خاصة بعدما تلاها من الحرب الروسية الأوكرانية وتأثيرها على الطاقة في أوروبا، والتحدي الرئيسي يتمثل في أن التقارب الأخير مع الصين والهند يبدو حلاً تكتيكياً ما زال يحتاج إلى رافعة استراتيجية قد لا تكون جامعة للغرب بالضرورة.

23:59 | 1-02-2026

مهمة الموساد في جنوب السودان

حين أوجدت إسرائيل في بحر متلاطم من العالم العربي والإسلامي، انتهجت عدة إستراتيجيات من ضمنها اللعب على المتناقضات وتعزيز العلاقات مع الكيانات غير العربية والمتاخمة للدول العربية، وشملت في البدايات إيران الشاه وتركيا وإثيوبيا وكينيا، وتنوعت أطر التعاون من اقتصادي إلى عسكري.

وانضمت لهم في الستينات الميلادية دولة جنوب السودان، ومن أهم أسباب نظر تل أبيب للعلاقة مع جنوب السودان كفرصة هو تجنّب فكرة تكامل الجيش المصري والسوداني بعد حرب 67، خصوصاً والقمة العربية في الخرطوم خرجت باللاءات الثلاثة (لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض).

وعبر هذه العلاقة بدأت كما يظهر في كتاب «مهمة الموساد في جنوب السودان» تحركات الضابط دافيد بن عوزئيل، والذي عمل على تدريب جيش جنوب السودان، مما نتج عنه مرحلياً انشغال السودان بجنوبه عوضاً عن تكامل جهوده مع مصر، مع ما زاد على ذلك من سوء إدارة البشير لهذا الملف حتى تم الإعلان عن انفصال جنوب السودان في 9 يوليو 2011.

تل أبيب أعلنت اعترافها بجنوب السودان بعد يوم واحد من انفصالها، وبعد خمسة أيام أعلنت دولة جنوب السودان نيتها إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، وعندما قدّم سفير جنوب السودان أوراق اعتماده في تل أبيب قال: «جنوب السودان أقيم بفضلكم، ولقد ولد الجنوب بفضل دولة إسرائيل والجنرال جون».

صفحات التاريخ تلك مهمة في فهم المستجدات الإقليمية وعلى رأسها اعتراف إسرائيل بصوماليا لاند، وذلك في ديسمبر من العام الماضي، وتلا ذلك مباشرة زيارة وزير الخارجية جدعون ساعر إلى أرض الصومال لبدء الترتيبات الدبلوماسية لإنشاء السفارتين.

ولم يفصل بين الاعتراف بصوماليا لاند والتحركات التي قام بها عيدروس الزبيدي والمجلس الانتقالي في محافظتي حضرموت والمهرة إلا ساعات، مما يعني أن هناك مساراً من الأجندات المشتركة بين إسرائيل ودول إقليمية، استهدف السيطرة على باب المندب، ووضع تل أبيب كلاعب رئيسي في أمن البحر الأحمر.

والتحركان في الصومال وجنوب اليمن حدثا بعيد تراجع قوات الدعم السريع عسكرياً، بعد ضغوط غربية على صادرات السلاح، وبعد الكارثة الإنسانية التي قامت بها قوات الدعم السريع في الفاشر، وسلطت أعين العالم مجدّداً على السودان، بعد أن غاب عن الأخبار إبان حرب العامين في غزة.

وعن مسارات تسليح وتمويل الدعم السريع في السودان، ما نشرته صحف إسبانيه مثل (الفارو دي كوتا) خلال الشهر الأخير من العام الماضي، حول إيقاف سفينة شحن تحمل علم ليبيريا، للاشتباه بوجود قوارب/زوارق على متنها تُصنّف «ذات استخدام عسكري» ووجهتها بنغازي، بالرغم من حظر السلاح الأممي على ليبيا.

ونقطة انطلاق السلاح إلى دارفور لا تقتصر على ليبيا، بل هناك أيضاً مسار تشاد، حيث أنشأت الإمارات مستشفى ميدانياً في «أم جرس» بغرض علاج الحالات الإنسانية على الحدود السودانية، واللافت حول ذلك هو ما ذكرته رويترز عن خبراء أمميين حول عشرات الرحلات الإماراتية التي وصلت إلى مدرج في شرق تشاد، مع اشتباه بأن بعضها يحمل عتاداً عسكرياً إلى «الدعم السريع».

وبالتالي كان هناك عمل متدرج خلال السنوات الماضية واشتدت وطأته مؤخراً، يستهدف الإخلال باستقرار دول إقليمية كبيرة، ومن هنا ندرك حكمة التحرك السعودي في جنوب اليمن، حيث غرر عيدروس بمن يتوقون إلى مشروع دولة الجنوب، لتنفيذ أجندة خارجية لا يتجاوز استقلال الجنوب كونه ملفاً هامشياً في الأجندة.

00:07 | 12-01-2026

بيدق عيدروس في رقعة الاصطفاف..

مثّلت بداية التسعينات الميلادية مرحلة فارقة في منطقتنا كما في العالم، حيث شهدت سقوط الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي وبالتالي نهاية العالم ثنائي القطبية، وفي منطقتنا حصلت عدة تغيّرات كبيرة في جزء منها كان تحركاً مبنياً على التغيّرات في المسرح الدولي، ولعل من أبرزها وحدة شطرَي اليمن الشمالي والجنوبي.

وبعد التسعينات انطلقت الأجندات غير العربية في المنطقة وشهدت موجتي تسارع؛ الأولى في بداية الألفية، والأخرى كانت خلال وبعد ثورات ما سمي بـ«الربيع العربي»، أحد مشاهد الذروة في عقد الألفية الأول كانت في حرب تموز (يوليو) التي أشعلها حزب الله بخطف جنديين إسرائيليين، وهي ما مثل ارتهان بعض الحركات في دول عربية لمسارات خارجية، وأنظمة أيضاً مثل نظام الأسد.

وموجة الربيع العربي مثلت الذروة بالنسبة لركوب القطار التركي، باعتباره نموذجاً لحكم إسلامي ببدلة وربطة عنق، بمعنى أنه يسمح بهامش من العلمانية يوسع دائرة قبوله في تركيا، ولا يغلق الباب الأوروبي بالكامل، وركبت تلك الموجة جماعة الإخوان في مصر، وكذلك فعل الغنوشي في تونس وغيرها من الحركات من المحيط للخليج.

واليوم وبعد عامين من ما سمي بطوفان الأقصى، والذي يقرأ إسرائيلياً وتحديداً من حكومة نتنياهو، بأنه أقصى كل التهديدات الإيرانية من محيطه سواء في غزة أو لبنان، بل ووجه ضربة غير مسبوقة منذ وضعت حرب عراق صدام حسين وإيران أوزارها.

وبالتالي يحرك إسرائيل اليوم أمران؛ المحرك الأول هو استحقاقها بجني أرباح هذا النصر، والأمر الآخر الانتقام لمن جعلوا هذا النصر ناقصاً، والمشروع الأكبر متعثراً، وهنا أقصد مشروع التهجير الذي وقفت له مصر بالمرصاد، أما النصر المنقوص فهو برودة ملف التطبيع وتمسك المملكة بحقوق الشعب الفلسطيني، وهذا ما أشار له إيلان بيرمان الباحث في مجلس السياسة الخارجية الأمريكية في مقابلة قبل أيام على شاشة الحرة.

حيث اعتبر أن هذا الحنق الإسرائيلي من جهود المملكة الحثيثة بما يشمل إعلان نيويورك، والتي أسهمت في زيادة اعتراف الدول بحقوق الدولة الفلسطينية بما يشمل دول غربية لم يكن يُتخيل أن يعترفوا بفلسطين كبريطانيا وفرنسا وأستراليا، لكم من جانب آخر مثلت جهود المملكة فرصة لأطراف أخرى لتقفز في قطار الاصطفاف الإسرائيلي، كأجندة غير عربية أخرى في المنطقة.

كما أن هناك أمراً آخر أشغل مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي في الأشهر الماضية وهو إشارات إلى تواصل بين جماعة الحوثيين وحركة الشباب في الصومال، وبالتالي تم قراءة ذلك كإعادة تموضع خارجية وخلق تحديات أمنية جديدة لتل أبيب في مناطق قد يكون الولوج لها أصعب، وواقع الجغرافيا يقول بأن هناك أرض الصومال التي تشهد حكماً شبه مستقل منذ العام ١٩٩١، وتتوق إلى اعتراف دولي وبالتالي لا تمانع منح إسرائيل التواجد العسكري مقابل اعتراف إسرائيل، وبالتالي تيسير الاعتراف الغربي، خاصة والكونغرس متصالح مع الاعتراف بها أكثر من البيت الأبيض.

ومن هنا يجب قراءة ما حدث في جنوب اليمن، فالأدوات كالمجلس الانتقالي قد تكون حاجبة للصورة الكبرى، فهذا الاصطفاف الذي تصنعه إسرائيل بدافع جني الأرباح من الحرب والانتقام من الجبال التي اصطدمت بها أجندتها، هو ما جعلها تستهدف العمق الأمني العربي.

حيث كان الاعتراف بأرض الصومال مواجهة حقيقية مع مصر، وكان تحريك عيدروس الزبيدي تحدياً رئيسياً للسعودية، والطموح كان وجود نفوذ عسكري على البحر الأحمر وبحر العرب، والاستمرار في مشروع تفتيت الدول العربية، عبر يمن مقسم وصومال مقسم وفي ذلك أيضاً تصدٍ للموقف السعودي المصري الحاسم ضد تقسيم السودان وعبث مليشيات الدعم السريع، ولعل طرح سمو ولي العهد لموضوع السودان في زيارته الأخيرة لواشنطن أزعج كل داعمي حميدتي، ليس فقط لأثر ذلك على السودان، بل ما يمتد من استقرار السودان لوأد مشروع تجزئة ليبيا.

أما في اليمن فلم يكن عيدروس الزبيدي يعتقد حسم المملكة وجديتها في صون مقدراتها وحدودها، وثباتها في موقفها من أمن واستقرار اليمن، فسارع بالصعود على الشجرة، برفضه هبوط طائرة المفاوضين السعوديين، ثم إعلانات الانفصال ليس للجنوب بل الانفصال عن الواقع، ثم إعلان فترة السنتين حتى دستور الجنوب، واليوم تقدم دعوة الرئيس العليمي لحوار بين الجنوبيين في المملكة استجابة الرياض سلماً مثالياً للنزول من الشجرة، إذا ما أراد فعلاً حلاً جذرياً لهذه القضية العادلة.

الجيد في هذا المشهد أننا سنشهد تنسيقاً أكبر في اصطفاف عربي تقوده مصر والسعودية، تصدى سابقاً للأجندات غير العربية، وقدره دوماً أن يتصدى لها ولأضغاث الأحلام التي ترافقها.

00:00 | 5-01-2026