يشهد الصراع الإقليمي درجات من التشابك، خاصة على مستوى الدور والمصالح الروسية والصينية، فروسيا بغض النظر عن بعض المنافع الاقتصادية من إغلاق مضيق هرمز، إلا أن الصراع مع أوكرانيا لم يجد طريقه للحل بعد، والأهم لم تُرفع العقوبات الموجعة عنها، سواء التي بدأت منذ السيطرة على القرم في 2014، أو العقوبات الأشد التي بدأت في 2022 مع اشتعال المعركة في أوكرانيا.

كما أن سوريا إذا نظرت إليها بعين التاريخ، فسقوط نظام بشار الأسد يمثّل مشهداً غير بعيد عن خروج الاتحاد السوفييتي من أفغانستان ولو اختلفت الظروف والتفاصيل، مما يؤثر في الدرجة الأولى على مكانتها كحليف، وبالتالي يجب التوقف عند مقاربتها لبقاء النظام الإيراني من تغييره، وحتى الأثر من خروج نظام أضعف بعد الحرب.

ومن الجانب الصيني ربما يجب أن نبدأ من استراتيجية الأمن القومي والدفاع الأمريكية التي وصفتها منافساً استراتيجياً واقتصادياً رئيسياً، وتجنّبت وصفها بالتهديد الكبير كما دأبت إدارات أمريكية سابقة، مما يشير إلى رؤية ترى التحدي الاقتصادي الرئيسي لواشنطن مع بكين في الاقتصاد والتقنية، وهنا تأتي المقاربة الصينية للهجمة على إيران وهل هي خطوة للإضرار بخطط طريق الحرير؟

هناك أيضاً رأي معارض وله وجاهة، يعتبر أن الصين تنظر لإيران «كعبء استراتيجي» (Strategic Liability) أكثر منها أصلاً (Asset)، فوفقاً لتقرير من مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية (CSIS) وتحليل آخر في صحيفة «South China Morning Post، يستند هذا التحليل إلى أن استهداف إيران للسعودية يعتبر إهانة دبلوماسية لوساطتها في 2023، وأن استهداف المصالح النفطية للمملكة يضر مباشرة بالصين.

وهناك تحدٍ أكبر بالنسبة للصين مع نقض إيران لعهدها في الاتفاق مع السعودية، مؤداه اختلال في صورة الصين كوسيط دبلوماسي، كان يرغب في اغتنام صورة واشنطن كوسيط غير محايد في قضايا مختلفة منها قضية الشرق الأوسط والبناء عليها لتحقيق أهداف اقتصادية بقفازات بيضاء تسمى دبلوماسية الوسيط الموثوق.

من هنا يجب قراءة زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى سانت بطرس بيرغ لملاقاة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في نهاية شهر أبريل الماضي، وما تلاها من زيارة إلى بكين في السادس من مايو الجاري، ولقاء وزير الخارجية الصيني وانغ يي.

وبالطبع يأتي الوزير عراقجي محملاً بهموم بلاده، التي قد لا تتطابق مع الشريكين الصيني والروسي، فهو يطمح أولاً إلى كسر العُزلة الدبلوماسية التي تعاني منها إيران، ويسعى أيضاً إلى كبح الضغوط الأمريكية خاصة حصار الموانئ الإيرانية، والأهم السعي لسماع تطمينات من بكين حتى لا تكون إيران ورقة تفاوض صينية حين يستقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ نظيره الأمريكي دونالد ترمب.

وبالتالي يحرص عراقجي على أن يكون لإيران كرسي على طاولة المفاوضات لا ورقة تفاوض (The Bargaining Chip)، التي تشمل في الحالة الصينية العديد من الأمور من ضمنها التعرفات الجمركية، وتحدٍ آخر وهو قدرة واشنطن اليوم على تزويد بكين بجزء من حاجياتها من النفط والغاز، وإن كانت الصين دأبت على تنويع مصادر الطاقة.

الصين وأمريكا لديهما الكثير من أوراق الضغط وملفات يسعى أحد الطرفين لتسويتها، فالصين رغم تخلصها من عدد كبير من السندات الأمريكية ما زالت لاعباً مؤثراً في الاقتصاد الأمريكي، كما أن لديها سيطرة كبيرة على البطاريات الكهربائية والمعادن النادرة، وهناك الكثير مما تريده أيضاً على مستوى تايوان والتواجد العسكري الأمريكي والتعرفة الجمركية ورفع الحظر على تصدير الرقائق الإلكترونية.

ختاماً، يعتقد المفاوض الإيراني أن لديه ما يكفي من الصواريخ والنووي والمسيرات، ويدرك تماماً سقوف مطالب الإدارة الأمريكية، لكن التحدي بالنسبة له هو اقتصادي معيشي للمواطنين، ولنتذكر أن الحرب سبقها تفعيل بريطانيا وفرنسا وألمانيا «آلية الزناد» المنصوص عليها في الاتفاق النووي، وتسمح لأي طرف بإعادة العقوبات الأممية خلال 30 يوماً، وما تلاها من مظاهرات اقتصادية في يناير الماضي وقبل شهر من المعركة.

الوقت ضد الجميع من آسيا إلى أوروبا، خاصة مع كل يوم يمر ومضيق هرمز مغلق، وسباق الوقت حثيث وأكثر إيلاماً لإيران، بين صبر شركائها وصبر الداخل الإيراني.. فأيهما ينفجر أولاً؟