يعد العقد الأخير مركزياً في فكرة وضع «الغرب» بمفهومه الجغرافي على ضفتي الأطلسي في نعشه الأخير، هذا الغرب الذي شهد ولادته عبر مشاركة أمريكا في الحرب العالمية الأولى 1917، ثم كبر واشتد عوده مع مشاركة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية 1947، وما خطّه روزفلت وتشرشل في «ميثاق الأطلسي» الذي تطور ليكون حلف الناتو لاحقاً.

هناك بالطبع كتابات سبقت لصموئيل هنغتون على سبيل المثال، الذي تناول صراع الحضارات والعولمة عبر وصف أسماه «رجل دافوس» كناية عن الطبقة الاقتصادية التي تذهب دورياً لمنتدى الاقتصاد العالمي، ولكن يوشكا فيشر وزير الخارجية الألماني كان أول من كتب عن ذلك عبر مقال عنونه «هل هذه نهاية الغرب؟» الذي نشر في ديسمبر 2016 تزامناً مع فوز الرئيس ترمب بفترته الرئاسية الأولى.

وفي العام الحالي كرر الفكرة بألم أكبر، رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في مؤتمر دافوس قائلاً: «النظام العالمي القائم على القواعد قد انتهى».

وبعيداً عن الأسباب المتعددة، التي تحتاج قراءات تفصيلية، يعد اليوم صعود اليمين المتطرف والشعبوية مصدر الريح الأساسية التي عقدت العزم على أن تسقط خيمة الغرب بصورته التي نعرفها.

واليمين ظهر في موجات عدة في أوروبا وفي أمريكا عبر حزب الشاي وغيره، ودائماً ما كان يبني على القومية ومعاداة الهجرة والنزعة الانفصالية عن الكيانات الجامعة ومنها الاتحاد الأوروبي، ومن هنا يظهر ناجل فاراج زعيم حزب الإصلاح البريطاني، الذي حصد قبل أيام نجاحاً غير مسبوق عبر حصوله على أكثر من 600 مقعد في المجالس المحلية، وتزامن ذلك مع سقوط حر لحزب العمال وبدرجة أقل المحافظين، مما يمثل كسراً للهيمنة التاريخية للحزبين.

بالطبع ناجل فاراج كان من أكثر المنادين بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وبعد البريكست تنكر في كل مقابلة أجريت معه عن خطأ البريكست والضرر الذي تسبّب به في الاقتصاد البريطاني، وعوضاً عن ذلك لام السياسيين بأنهم أساءوا إدارة مرحلة ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي.

حزب الإصلاح الذي أسّسه ضم خلال العامين الماضيين عدداً من المنشقين من حزب المحافظين، باعتبار الإصلاح أكثر يمينية من المحافظين، وبانتهازيه سياسية تستقرئ المرحلة المقبلة، وعلى سبيل المثال خمسة من النواب الثمانية لحزب الإصلاح اليوم في مجلس العموم (البرلمان) هم محافظون سابقون.

لكن اللافت في المشهد السياسي البريطاني اليوم أن حزب العمال الذي فاز في الانتخابات العامة البريطانية قبل عامين بـ411 مقعداً من 650 في البرلمان، مُني ورئيسه كير ستارمر قبل أيام بخسارة هي في واقع الأمر تبشر بفاراج رئيساً لوزراء بريطانيا في 2029، ما لم يتغيّر الوعي الشعبي تجاه اليمين، كما حصل في الجولة الثانية من الانتخابات البرلمانية الفرنسية، التي حدثت قبل عامين أيضاً.

هذا الخسوف يأتي لحزب عريق كحزب العمال هو عملياً أحد أقدم أحزاب العمال في العالم، تأسس في العام 1900 ليحمل اسمه الحالي بعدها بست سنوات، حيث كانت أحزاب العمال استجابه للثورة الصناعية، التي خلقت حاجه لتمثيل سياسي لصوت العمال، لكن الشعبوية جعلت الإصلاح يسرق قبعة الساحر عبر خطاب يضع أول حقوق العمال هو طرد الأجانب منهم، وكان التخلص منهم أمراً منوطاً به إخراج الأرانب من القبعة، تماماً كوهم ازدهار بريطانيا بعد البريكست.

كارل ماركس كان من المنظرين الذين تأثر بهم فكر أحزاب العمال في العالم، وصاغ في البيان الشيوعي عبارته الشهيرة «يا عمال العالم اتحدوا»، اليوم نرى الشعبوية تهم لضربتها الثانية في لندن مبشرة بخروج الكفاءات والمواهب بدعوى أنهم مهاجرون، دون الحديث عن تأثير ذلك على الإنتاجية وخلق الوظائف، وربما هي لحظه للعمال حزباً وكوادر لينتحبوا.