-A +A
محمد مفتي
بعد مرور ما يزيد على ثلاثة أشهر من اندلاع الحرب في غزة، يطرح المحللون سؤالاً مهماً وهو: من المنتصر في هذه الحرب؟ وبطبيعة الحال يرى الكثير منهم أن تكبّد الفلسطينيين ما يزيد على 25 ألف قتيل وأكثر من 50 ألفاً ما بين جريح ومفقود يضع الفصائل الفلسطينية المسلحة في مربع الاتهام لخوضها الحرب مع عدو أحمق ودموي يتنكر لأبسط قواعد الإنسانية، غير أنني لا أنتوي هنا الإجابة على هذا السؤال، فالموقف يستدعي ما هو أعمق من الإجابة عليه بمجرد القول بنعم أو لا.

من المؤكد أن الانتصار قد يكون سياسياً أو عسكرياً، فقد تنتصر دولة عسكرياً ولكنها تنهزم سياسياً، والعكس صحيح أيضاً، فعلى سبيل المثال لو عدنا لـ(حرب 56) فسنجد أن اندلاع أزمة السويس بدأت عقب صدور قرار الرئيس المصري جمال عبدالناصر بتأميم قناة السويس؛ التي كانت تحت سيطرة كل من فرنسا وبريطانيا وقتئذٍ، وقد أعلنت الدولتان الحرب على مصر وأوعزتا إلى إسرائيل احتلال شبه جزيرة سيناء، ولا شك أن هزيمة مصر العسكرية كانت متوقعة وقتذاك؛ فقد كانت تواجه ثلاث دول؛ اثنتين منها من الدول العظمى، غير أن كلاً من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة -وقتذاك- وجهتا نداءً شديد اللهجة للدول المعتدية بضرورة الانسحاب من مصر وهو ما حدث بالفعل، وتحول النصر العسكري للدول المعتدية إلى هزيمة سياسية ساحقة.


قبل أيام قليلة صرحت بعض الصحف الإسرائيلية بأن عدد الجرحى الإسرائيليين المعاقين في حرب غزة بلغ ما يربو على العشرين ألفاً، وهو رقم كبير للغاية في قاموس العسكرية الإسرائيلية، وهو ما دفع الحكومة الإسرائيلية إلى الإعلان عن تسريحها للعديد من القوات المشاركة في حرب غزة، وبصفة شخصية أشك كثيراً في أعداد الضحايا التي تعلن إسرائيل عنهم وأعتقد أنها أعلى بكثير، فعلى سبيل المثال ووفقاً لتصريحات الجانب الفلسطيني تم تدمير مئات الآليات العسكرية الإسرائيلية، وهو ما لم تجرؤ الحكومة الإسرائيلية على إنكاره من الأساس.

على الصعيد الاقتصادي، كبدت الحرب التي تدور رحاها الآن في غزة إسرائيل مليارات الدولارات، نظراً لأن هؤلاء الجنود الذين يكوّنون جيش الاحتياط يعملون في مرافق الدولة المختلفة، وبقاءهم في الحرب يسبب استنزافاً مستمراً للموارد البشرية بكافة مرافق الدولة، أما على الصعيد السياسي، فقد فقدت الحكومة الإسرائيلية مصداقيتها تماماً سواء داخل إسرائيل أو خارجها، وهو ما تسبب في اندلاع المظاهرات العارمة المطالبة بإيقاف نزيف الدم واستقالة حكومة نتنياهو.

إعلامياً، بدأت الكثير من الأصوات تتعالى انتقاداً للممارسات الإسرائيلية الوحشية، وخاصة مع توسع نطاق الحرب وطول أمدها، مستمدة قوتها من قوة المظاهرات العديدة العارمة التي اندلعت في الكثير من دول العالم الغربي، وهو ما أحرج الحكومات الغربية المتحالفة معها، مما انعكس على موقف الولايات المتحدة نفسه، وقد تم تحميل الولايات المتحدة مسؤولية تعطيل المنظومات الأممية وقرارات مجلس الأمن علانية.

من المؤكد أن إسرائيل خسرت كل ما يروج له إعلامها من أنها دولة تحترم حقوق الإنسان وتحولت لدولة دموية محتلة تمارس الوحشية الممنهجة ضد المدنيين العزل، وهو ما حدا بالعديد من الدول لرفض تهجير الفلسطينيين واعترافهم ولأول مرة -بشكل صريح- بأنهم أصحاب الأرض، وقد بدأت الأصوات المعتدلة تتعالى داخل إسرائيل وتطالب بالسلام مع الفلسطينيين، وقد دفعت كل هذه الأحداث إدارة بايدن لأن تصبح في موقف لا تحسد عليه بسبب دعمها المطلق لإسرائيل، وهو ما يطرح علامات استفهام صعبة تجاه موقف الناخب الأمريكي من إدارة بايدن في الانتخابات الرئاسية القادمة.

يجب أن نتذكر أن إسرائيل لم تكن بحاجة لمبرر لتقتل المزيد من الفلسطينيين كل يوم، فقبل 7 أكتوبر لم تتوقف الآليات العسكرية الإسرائيلية عن دكِّ منازل الفلسطينيين وقتل العديد منهم واعتقالهم، وقد تساوت فرص الحياة والموت بالنسبة للشعب الفلسطيني بعد أن ظل يعيش لأكثر من سبعة عقود ما بين قتل وتدمير ومعاناة من الممارسات العنصرية التي تنتهجها الحكومات الإسرائيلية، ومن الواضح أن الشعب الإسرائيلي قد انتفض مؤخراً مطالباً بإسقاط حكومة اليمين المتطرف الحاكمة الآن، ومطالباً بوقف الحرب حتى لو تطلب ذلك الإفراج عن كافة السجناء الفلسطينيين، وقد أدت هذه الحرب إلى مغادرة الآلاف من المستوطنين اليهود لإسرائيل وعودتهم إلى الدول التي قدموا منها، وكل هذا يجيب في نهاية المطاف عن سؤال من انتصر في الحرب الدائرة.