-A +A
محمد الساعد
في هذا الشرق العربي المليء بالمتناقضات والاتهامات، وبناء المكانة بالمزايدات وتصفية الحسابات بين الخصوم على حساب قضية فلسطين، حتى أضحت بكل ما تحمله من آلام مجرد استثمار لكثير من اللاعبين الإقليميين والدوليين.

هذا الاستثمار والتلاعب بحياة المنطقة غير مكلف أبداً، فالقضية لا تحتاج إلا توجيه إحدى الفصائل بإطلاق صاروخ عبثي على مجمع سكني إسرائيلي، أو اختطاف مدني والتنكيل به، لتبدأ رحلة الآلام المتكررة منذ 80 عاماً.


أما الوصفة الحقيقية التي يبدو أن العالم العربي يحبها ويستمتع بها ولا يريد أن يجرب غيرها من صيغ الحقيقة والنبل مع الشعوب، فهي التالي:

ليس عليك أن تكون صادقاً أو مثاليّاً في علاقاتك مع فلسطين، وليس ضروريّاً أن تكون كريماً معطاء سخيّاً، وليس بالضرورة أن تؤثرَ أشقاءك على نفسك، وليس ضروريّاً أن تساعدهم على تجاوز أزماتهم.

فكل أولئك الذين صدقت معهم أو ساعدتهم أو أكرمتهم، لا يرونك إلا حصالة ضخمة من الأموال، ولا يرونك أكثر من بدوي لديه ناقة ونفط ومال ورمال كما قال نزار قباني ذات يوم.

وكل ما فعلته من دعم مالي أو سياسي سيرونه حقّاً مستحقاً لهم؛ ليس لأنهم شرفاء ولا لأنهم أوفياء ولا لأنهم إخوتك الذين قال فيهم أمل دنقل: (أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟ 
أقلب الغريب كقلب أخيك؟! 
أعيناه عينا أخيك؟! 
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك 
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟)، وأي انقطاع من أموالك التي أعطيتها من جيبك الخاص أو تمهل فيها سيحولهم من كارهين إلى فجار في الخصومة.

كل ما عليك أن تتعلم وصفة هذا الشرق المليء بالتعاسة، والأمر لن يكلفك سوى القليل مما كنت تدفعه:

كوفية فلسطينية يلفها لاعبو أي نادٍ عندك، مذيع يخرج هو أيضاً يلبس الكوفية على عنقه ويضع منديلاً على عينيه لتجفيف دموعه المزورة، فرقة موسيقية تؤدي الدبكة احتفاء بالقضية في أحد مهرجاناتك التي سيحتفون بها ولن يهاجموها كما يفعلون دائماً.

يمكن أن تَصعَدَ أكثر: أسّس قناة تلفزيونية وبدلاً من توجيهها لخدمة الخطاب العربي العاقل، وبث روح السلام والوسطية، ادفع بها لمجموعة من عرب الشمال ولا تقترب منها، فقط دعهم يتصرفون واعطهم رواتب عالية ومنازل وهدايا وعطايا، وسيتكفلون نيابة عنك بترويض توحش العوام والجهال، وسيوجهون الكراهية المتوارثة ضد غيرك.

ثم سيحولونك إلى مناضل، حتى لو ساومت على الدم بدم، وحتى لو احتضنت كل حاخامات تل أبيب، ولو أرسلت لهم السلاح والنفط والغاز، ولو موّلت بناء المستوطنات ودعمت الصناعات العسكرية الإسرائيلية، كل ذلك لا يهم، المهم أن يرضى عنك فلول الشيوعيين واليساريين وورثة نايف حواتمة وجورج حبش وغسان كنفاني، عندها ستجد أنك المحتفى به والأمين على الأمة ومستقبلها.

وستجد أنك ستدفع مئة أو مئتي مليون دولار فقط على المناضلين المنافقين والإعلاميين المرتزقة، يركبون بها الطائرات الخاصة، ويعيشون في الفنادق والفلل الفارهة، ويسافرون هم وأسرهم إلى عواصم أوروبا وأمريكا، بدلاً من المليارات التي تدفعها على حياة وصحة وسكن وتعليم فقراء فلسطين.

حينها ستجد أن حروب الكراهية والشيطنة الموجهة ضدك توقفت، والاتهامات المزورة بالعمالة تغيرت، وستتحول إلى رمز النضال والصمود والممانعة والتحدي، وتحلف بروحك الجماهير في الشوارع وعلى صفحات الفيس بوك، وصفة تعلمتها بعض الدول والحوثيين وحزب الله وينفذونها ببراعة ودون أن تكلفهم فواتير عالية، كما كان يفعلها القذافي وغيره من بعض القادة، وكذلك استخدمها بن لادن والظواهري والزرقاوي والبغدادي وبقية الإرهابيين والتكفيريين.