-A +A
مالك عبيد
منذ حسم نتائج الانتخابات الأمريكية ولغاية اليوم، ومؤشرات المنطقة وتسلسل أحداثها يشيران إلى أنها مهددة بالذهاب نحو موجة جديدة من الفوضى. فضبابية المشهد السياسي وازدواجية المعايير حيال ما يهدد أمن المنطقة، أعطى مؤشرات واضحة لبعض القوى كي تبدأ حراكها في الشارع. وهذا ما بدأت آثاره تتضح على شكل تصعيد وتوترات هنا وهناك كما حدث في الأراضي المحتلة خلال الأيام المنصرمة، الأمر الذي قد يعد مؤشراً على احتمال مواجهة المنطقة لهجمة مرتدة تقودها الجماعات المتطرفة في سيناريو شبيه بما سمي بالربيع العربي.

الأحداث الفلسطينية الأخيرة ليست منفصلة عن كل ذلك، فقد تحولت بشكل مفاجئ من حفلة مفتعلة للقتل والتدمير إلى مهرجان دولي لتأييد ودعم حركة حماس وقياداتها مادياً ومعنوياً تحت مظلة النصر الإلهي وضرورة الوقوف مع الحق الفلسطيني. بينما الحرب التي رفعت شعار تحرير الأراضي الفلسطينية كاملة وحماية المسجد الأقصى وضعت أوزارها دون أن يحقق أصحاب «النصر الإلهي» على الأرض شيئاً ذا قيمة يذكر؛ لأن القوات الأمنية الإسرائيلية ما تزال تحكم السيطرة على بوابات القدس وتستطيع إغلاقها بأي وقت تريد، بينما ما تزال ترسانة المنتصر مليئة بالأسلحة والصواريخ وفقاً ليحيى السينوار رئيس حركة حماس في غزة، والذي قال إن ما تم تدميره لا يتجاوز الخمسة بالمئة فقط من ترسانة عز الدين القسام. والسؤال هنا: كيف لمنتصر أن يوقف حربه المقدسة التي لم تحقق له شيئاً يذكر سوى أن عدد الضحايا من أبناء شعبه قد فاق 200 شخص، وتجاوز عدد الجرحى 1300.


فما إن اشتعلت السماء بالصواريخ حتى تصدر قادة حماس والإخوان المشهد رافعين شعارات نصر إلهي، مطالبين المجتمع العربي والإسلامي بدخول معركة حاسمة ضد العدو الصهيوني. وهنا حضرت العواطف كالمعتاد لتثير شهية الجماهير للتجمهر تحت قيادة الإخوان في العديد من العواصم العربية والعالمية. وما إن أطلق آخر صاروخ حتى غابت القضية شيئاً فشيئاً ببعدها الوطني والقومي والإنساني والإسلامي.. وانحسر اسم فلسطين في الحصول على الدعم والتمويل فقط، الأمر الذي يجعل الشيطان حاضراً في كل تفاصيل الحرب أسبابها وأهدافها، والمغزى من هذا الزخم العاطفي للدعم المادي.

ووفقاً لحقيقة المليشيات والأحزاب الراديكالية بمختلف أشكالها سنة وشيعة واستعدادها للتكسب حتى لو كان من خلال الاتجار بالمخدرات أو بتجارة الأعضاء أو حتى بقتل الناس، فحماس قد انتصرت بلا شك بداية من قيادتها لمعركة فك الحصار على الإخوان المسلمين حول العالم مستخدمة الشعب الفلسطيني ثمناً لذلك. وانتصرت أيضاً في إعادة الشرعية وكوادرها، وإعادة تقديمهم إلى شاشات التلفزة والإعلام بعباءة النصر والبطولة. وانتصرت أيضاً في فتح كل الأبواب المغلقة للتمويل والدعم بلا سقف أو شروط ضمن إطار يوحي بالشرعية. وهذا ما يجعل أحداث الأسابيع الماضية أحداثاً مفصلية، قد تكون أهدافها أبعد مما نشاهده في الإعلام.

ومهما كانت فاتورة التخوين التي يقود ويصنع مكارثيتها هذا النوع من الحركات والمتعاطين معها هنا أو هناك، وأمام أحداث المنطقة وأحداث الأراضي المحتلة على وجه الخصوص، وتحت سقف هذا الزخم العاطفي وحجم التبرعات المهول، ربما بات علينا أن نتساءل عما وراء كل ذلك.

فهل الأحداث الحالية في المنطقة هي مقدمات لفوضى جديدة محتملة، يقودها ويحصد ثمارها الإخوان المسلمون بعد أن ارتدوا عباءة النصر الإلهي في طريق الجهاد من أجل فلسطين؟ خصوصاً بعد أن حظيوا بعملية تمويل كبرى لم يحلموا بها من قبل؟ وهل نحن بتنا الآن نشتري بهذا الدعم موتنا وضياع مستقبلنا بأموالنا تحت ذريعة إعمار غزة!