اعتاد كثير من الناس بفضل الله سبحانه وتعالى أن يقرؤوا القرآن الكريم في الصباح بعد صلاة الفجر، ويحرصوا أن تكون هذه القراءة في البيت إذا كان قد أدى صلاته في المسجد. وقراءة القرآن هذه لا يقصد بها الحفظ أو التفسير للآيات ولا الفهم للأحكام الفقهية ولا لشيء سوى مجرد القراءة. وأن تكون هذه القراءة بصوت مسموع وليس خافتا.
وفي الماضي اعتاد الناس في البيوت التي يكون فيها أميون لا يقرؤون اعتادوا في أحياء مكة المكرمة أن يأتي مقرئ عند باب كل بيت من هذه البيوت بعد صلاة الفجر ويقرأ القرآن بصوت مسموع ويعطوه في آخر الشهر ما تيسر من النقود.
كل هذه المعاني تنطوي تحت قوله تعالى (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا). ففي هذه الآية توجيه للعباد وبيان لما في هذه القراءة من معان روحانية.. ومن هذه الخواطر التي تخطر للمرء أثناء قراءته تمر عليه بعض الآيات ولا يكون لنص العبارة القرآنية أي معنى يطابق ما في ذهنه في المعاني على وضع اللغة وظاهر معانيها. مثال ذلك في قوله تعالى (واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها) وقوله تعالى (فليدع ناديه سندع الزبانية) وقوله عليه الصلاة والسلام (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان).
وكثير مثل هذا في النصوص الشرعية في الكتاب والسنة. ففي قوله عليه الصلاة والسلام: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان.. المعنى المباشر لهذه العبارة بوضع اللغة أن أمته عليه الصلاة والسلام لا يقع منهم خطأ ولا يقع منهم نسيان، وهذا خلاف الواقع والحقيقة ، فإن الناس لم يزالوا في خطأ ونسيان. وفي قوله تعالى (واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها) فإن القرية معناها المباني والطرقات وما تحتويه من منشآت يعيش الناس فيها. وليس لهذه المعاني أي شخصية اعتبارية للتخاطب، فلا يستساغ أن يوجه إليها سؤال وكذلك العير فإنها مجموعة الإبل التي يحمل عليها الناس والأمتعة في القافلة. ففي كل هذه العبارات يقتضي الأمر وضع كلمات إضافية تقديرية غير مذكورة في النص ليتحقق المعنى المراد بها.
فيكون النص التقديري في قوله تعالى (واسأل القرية التي كنا فيها) أي اسأل أهل القرية وقوله عليه الصلاة والسلام: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان. أي رفع عن أمتي إثم الخطأ وإثم النسيان.. وتسمى هذه الدلالة دلالة الاقتضاء فهي كما عرفها ابن حزم في جمع الجوامع (1/172 ــ 173) (هي دلالة الكلام عن معنى يتوقف على تقديره صدق الكلام أو صحته عقلا أو شرعا) ويدخل ضمن دلالات الاقتضاء بعض المفاهيم مثل مفهوم المخالفة كما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام ردا على سؤال الناس له في زكاة الأغنام (في سائمة الغنم الزكاة) والمفهوم المخالف وإن لم يأتِ فيه النص ان الأغنام المعلوفة أي التي يوفر لها أصحابها العلف لا زكاة فيها. وهذا حكم شرعي مبني على تقدير في الكلام لم يرد فيه نص في الحديث. مثال آخر في قوله تعالى في طاعة الوالدين (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف) وتتضمن الاية بمفهوم غير منطوق النهي عن أي شيء أكبر من التأفف مثل الزجر أو الشتم وما هو أكبر من ذلك كالإعراض مثلا أو تجاهل احتياجاتهما.
وقوله عليه الصلاة والسلام (النساء ناقصات عقل ودين) فنقصان العقل مقتضاه زيادة العاطفة لديهن على التفكر والتدبر والنظر، ونقصان الدين مقتضاه كما قال عليه الصلاة والسلام (تمكث إحداهن في قعر بيتها شطر دهرها لا تصلي ولا تصوم) بسبب الحيض أو النفاس، كما شرحه الامدي في كتاب الأحكام (3/92)، والشوكاني في تفسيره (178) والغزالي في المستصفى (2/291) وهذا القول عن النساء لا يعني نقصا فيهن يقتضى منعهن من ممارسة الأعمال وتولي الوظائف أو الحجر عليهن في أموالهن أو الإساءة إليهن.
ومن دلالات الاقتضاء أيضا مفهوم الإشارة وهو الوصول إلى الحكم الشرعي بما جاء في النصوص من الإشارة مثال ذلك في قوله تعالى (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) فالنص في هذه الاية فيه دلالة صريحة على أن مدة حمل الجنين في بطن أمه مع مدة إرضاعه إنما هي ثلاثون شهرا، ولم يأت فيها بيان مدة الحمل ومدة الرضاع على حدة، وجاءت آية أخرى في هذا الموضوع وهي قوله تعالى (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) وبمفهوم الإشارة بين هاتين الايتين يتضح أن أدنى مدة الحمل هي ستة أشهر إذ إن الاية الاولى ذكرت الحمل والفصال أي مدة الرضاع ثلاثون شهرا والاية. الثانية حددت الرضاعة بأربعة وعشرين شهرا، فيتعين أن يكون أدنى مدة الحمل ستة أشهر وهو الحكم الشرعي، كما شرحه الامدي في أصول الأحكام (3/372) فالشاهد أن في كتاب الله سبحانه وتعالى وكذا في الأحاديث النبوية حشد من الآيات والنصوص التي تحمل بين طياتها دلالات الاقتضاء ويبنى عليها استنباط الأحكام الشرعية.. اللهم اجعل القرآن العظيم ربيـع قلوبنا..
دلالة الاقتضاء في القرآن الكريم والسنة النبوية!!
10 مايو 2015 - 19:46
|
آخر تحديث 10 مايو 2015 - 19:46
تابع قناة عكاظ على الواتساب
