دائما نسمع مصطلح «الكليشيه» حتى أصبح متداولا في الحياة اليومية ففقد التصاقه بالأدب الصرف. وأصل الكلمة فرنسي، وبالإنجليزية يقابلها مصطلح الستيريوتايب، وهو شائع أيضا، والاثنان يشيران حرفيا إلى وحدات الطباعة في المطابع التي كانت قديما تصنع من الخشب والمعدن كالأختام وتغطى بالحبر لتنتج كل مرة ذات الحرف بكل تفاصيله.
وأصبح مصطلح الكليشيه يطلق على كل مصطلح استخدم كثيرا مرة بعد مرة إلى أن فقد قوته التعبيرية. ففي العربية، مثلا، حينما نصف امرأة جميلة بأنها كالقمر فهذا كليشيه. وحينما نصف الطفل بأنه كالملاك فهذا كليشيه، وحينما نصف المنزل النظيف بأنه كالمرآة فهذا كليشيه.
وفي الإنجليزية ــ مثلا ــ ظهرت بعض الكليشيهات المشتقة من لغات أخرى، وخصوصا اللاتينية بأناقتها؛ مثل مصطلح «برسونا نون جراتا» للإشارة إلى شخص غير مرغوب فيه و«آد أنفينيتوم» أي للأبد، و«فايس فيرسا» أي وبالعكس، و«تيرا انكوجنيتا» وحرفيا تعني الأرض غير المعروفة وهي إشارة إلى مجال غير مطروق مثلا في البحث والاستكشاف.. وغيرها الكثير من المصطلحات الشائعة في الإنجليزية.
حينما يكتب الكتاب المبدعون فهم يحاولون جهدهم الابتعاد عن الكليشيهات أو الستيريوتايبس؛ لأنها أصبحت من كثرة استخدامها غير مؤثرة ولا تحفز خيال القارئ أو المتلقي. وهذا الموقف المنتقد للكليشيه ليس بالجديد، فمن قرأ عمل الكساندر بوب المدعو «إس آي اون كريتيسزم» يرى نقدا لفرط استخدام الكليشيه بالقرن الثامن عشر. ولمن أراد التعمق في الإطلاع على الكليشيه قراءة قاموس الكليشيه الذي كتبه إريك بارتريدج.
وفي العربية، نرى شعراء العرب القدماء يتفننون في خلق التشبيهات المبتكرة ــ ولنا في شعراء المعلقات أجمل مثال ــ فهم يجاهدون في إيحاد أوصاف رائعة لخلق صورة جديدة مجسدة للقارئ أو المستمع تكسر قالب التشبيهات النمطية المملة. وربما نذكر ــ في هذا السياق ــ طرفة بن العبد الذي استهل معلقته بالبيت الشهير:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
فشبه أطلال محبوبته ليس بالخيال أو السراب وهما كليشيهات مستهلكة، وإنما بباقي وشم في ظاهر اليد، وهو وصف جميل مبتكر ومشتق من البيئة الصحراوية ــ ليمثل المعنى أفضل تمثيل، فهو يتقاسم مع السراب وجوده وانعدامه في نفس الوقت ويصف حالة التعذيب واللا مصير التي يعاني منها الشاعر الواقف على الأطلال. والمعلقات غنية بمثل هذه الأمثلة البليغة التي تكسر نطاق المألوف.
وفي مناسبة أخرى ربما يذكرها الجميع، حينما ولي الحجاج على العراق وصعد المنبر وأراد أن يصعق مستمعيه قال ببلاغته المعروفة: «... وإني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، وإني لأنظر إلى الدماء ترقرق بين العمائم واللحى». لم يقل الحجاج ببساطة بأنني سوف اجتز رؤوس المشاغبين منكم كما اقطف حبات الفاكهة، وإنما خلق دراما شديدة للحدث بتشبيه الرؤوس بالفاكهة التي حينما تصل لحد «نمو» معين يجب قطفها، وفي هذه الحالة هو قاطفها ومهدر دمائها.
وفي الأدب العالمي الكثير من الأمثلة التي تكسر قالب الكليشيه، فشكسبير ــ مثلا ــ في السونت (القصيدة ذات الأربعة عشر بيتا، والمدعوة سونت رقم18) يشبه محبوبته ليس بالوردة وهو وصف مستهلك في الأدب الإنجليزي، وإنما بيوم صيفي جميل بشمس ذهبيه. وأذكر أن هذا الوصف قد خلق نوعا من الجدل المثير حينما ناقشنا يوما أثر البيئة في خيالات الفنانين والكتاب. ففي بريطانيا ذات الجو الرمادي المظلم الكئيب البارد العاصف يعتبر اليوم المشمس يوما سعيدا مليء بالجمال والتفاؤل ــ بينما في بلداننا الحارة ــ مثلا ــ يعتبر اليوم الغائم هو الجميل والمنعش والرائع ــ طالما لم يمطر طبعا.
وأما فيرجينيا وولف رائدة الحداثة النسائية، فهي تصف في رائعتها «إلى المنارة» أضواء الميناء والمدينة المجاورة والتي تترقرق وتلوح في أفق البحر البعيد ــ وكأنها شبكة شبحية تطفو في الأفق لتشير إلى شيء ما كان هناك ثم غرق.
ولمحبي الأدب المعاصر، فهناك تشبيه مارجريت آتوود الرائع في روايتها «ذا هاندميدز تيل» حينما وصفت تأثير الزمن عليها، فقالت: «الوقت لم يتوقف، فقد مر فوقي ليغسلني بل وليمسحني، وكأنني لست إلا امرأة من رمل تركت بواسطة طفل مهمل بجانب الشاطئ». واعتبره نقاد الأدب من أقوى ما كتب في تأثير النيهيليزم في وجود الإنسان.
الكليشيه بلغة الأدب
27 فبراير 2014 - 19:26
|
آخر تحديث 27 فبراير 2014 - 19:26
تابع قناة عكاظ على الواتساب