لا يوجد فرق بين عقول الأغنياء وعقول الفقراء سيكولوجياً وفسيولوجياً، فحجم العقل والمخ والقلب والروح والعاطفة عند الفقراء تكوينياً هي ذاتها عند الأغنياء. ولكن الهوة بين الشريحتين تزداد اتساعاً في أغلب المجتمعات العالمية بحيث أصبح للفقراء بيئة مختلفة عن بيئة الأغنياء من حيث التفاصيل اليومية والحياتية كطبيعة السكن ومستواه، وطبيعة المدارس ونوعها ونظامها، والمستوى الذي تحصل عليه كل شريحة من الخدمات العلاجية والمواصلات... حتى أمسى لكل شريحة عادات وتقاليد خاصة بها في كيفية إدارة شؤونهم الحياتية كالاحتفال بالزواج والمشاركة في الأعياد وقضاء الإجازات... إلخ.
وكأن الأغنياء يعيشون في قطار سريع يمر بمساكن وقرى وتجمعات الفقراء دون أن يلتفتوا إليهم، لأن الأغنياء يرغبون في تجاوزهم، وإذا شاءت الأقدار وتوقف قطارهم عند هؤلاء الفقراء فإنهم يخافون عدوى الفقر والفقراء، بل يعيب الأغنياء على الفقراء اتكاليتهم على محيطهم وكسلهم، ويفكر القليلون منهم في مساعدة الفقراء، وبعض القلة يُقدم الفتات لهم، أما العاملون الحقيقيون على تغيير مسار حياة الفقراء فهم نادرون وقلة القلة. لذا لا غرابة من زيادة نسبة الفقراء كل سنة عما قبلها، ونظرة سريعة على إحصائيات الأمم المتحدة المتعلقة بالفقر والفقراء والبطالة... تكفي لمن أراد التزود، ففي الولايات المتحدة زادت نسبة الفقر بين الأمريكيين 12،7% في عام 2003 عن العام الذي سبقه وتوالت الزيادات حتى العام الماضي، وأصبح 37 مليوناً من الأمريكيين يعيشون تحت خط الفقر، والأمر ذاته يجري في أغلب البلاد العربية والإسلامية مع اختلاف في النسب المئوية.
الفارق الخطير بين الأغنياء والفقراء ليس في العقل، وإنما في الثقافة، فالهوة بين الشريحتين ساهمت في وجود ثقافتين مختلفتين عن بعضهما في أنماط الحياة والنظرة إليها والتفكير في المستقبل وبالتالي انعكست على سلوك الشخصيات الفقيرة والغنية في التعاطي مع الأمور والناس والمجتمع، والأمر الأخطر هو اتساع الهوة بين الثقافتين! مع غياب النظرة الإيجابية لصورة الفقر وصورة الغنى وسيطرت النظرة السلبية على الصورتين. بيد أن الرؤية الإيجابية تجعل الفقير سبباً لترقيق المشاعر وخدمة المجتمع وحصول المشاركة الوجدانية مع الفقراء ومولداً للطاقة والهمة والتحرك. ومن جهة أخرى تجعل -الرؤية الإيجابية- الغنى سبباً لخدمة الناس والإنسانية والتنمية بكل جوانبها، لا أن يتحول الفقر إلى سبب للكسل والكفر واليأس والانحراف عن الجادة، أو يتحول الغنى إلى سبب للبطر والإسراف والإيذاء والغرور.
ولكن هل تتمكن المجتمعات من المساهمة في خلق ثقافة إيجابية متقاربة أو مشتركة بين الشريحتين بحيث يصبح الفقر الإيجابي مهيمناً على الفقر السلبي، ويُمسي الغنى الإيجابي مسيطراً على الغنى السلبي؟ نأمل ذلك! والله من وراء القصد.
فاكس: 8330138-03 ص.ب 2421 الدمام 31451
kshabib@mailcity.com
ثقافة الفقراء والأغنياء!
12 أبريل 2006 - 20:02
|
آخر تحديث 12 أبريل 2006 - 20:02
تابع قناة عكاظ على الواتساب