قبل أن تغمد الشمس جفنها، وجدت زينب (36 عاما) نفسها تهيم في الشوارع وخلفها اربعة اطفال بعد ان طردتها والدة زوجها السجين في قضية حقوقية فلم تجد غير الشارع ملاذا لاحتواء احزانها فاتخذت موقعا بجوار بوابة حديقة عامة.. وقبيل منتصف الليل تحرت دورية أمنية عن وضعها وتم ايصالها الى احدى دور الايواء التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية.
قصة زينب مع الرصيف ليست هي الحكاية الوحيدة لأناس اجبرتهم ظروف الحياة للهرب من خلف الجدران وافتراش الارصفة والعيش في الهواء الطلق لفترة ربما تطول أو تقصر أو قد تصبح مزمنة، واذا كانت لاتوجد احصائية للحالات التي تتخذ من الرصيف سكنا في مدن المملكة نظرا لانها لاتشكل ظاهرة او لأن الحالات تتنقل من مكان لآخر فان ثمة دراسة صادرة عن المجلس العربي للطفولة والتنمية اشارت الى ان عدد سكان الارصفة في الوطن العربي يتراوحون من (7-10) ملايين نسمة.
اسئلة على الرصيف
ورغم محدودية الحالات المتفرقة الموجودة في بعض مدن المملكة الا ان مجرد وجودها يفتح اسئلة ساخنة و«قضية» تفترش «الرصيف» باحثة عن اجوبة شافية عما اذا كان سكان الارصفة مرضى ام هاربين من مشكلات اجتماعية ام اقتصادية الى غيرها من «الصدمات» التي تجعلهم يفضلون السكن في الشارع.
هنا قصص وحكايات انسانية لرجال ونساء اجبرتهم الظروف للاقامة على الرصيف.. سيناريوهات تكشف سقوط اوراق التكافل الاجتماعي والبعد الانساني من نفوس البعض وكيف ان «اللحمة» الاجتماعية في حاجة الى ترميم ليست بطوب و«بلكات» الارصفة وانما باللمسة الانسانية.
أم بندر ضحية العقوق
تتوقف الغصة في حلقك وأنت تشاهد تحت جسر خرساني في مكة المكرمة امرأة في خريف العمر اتخذت من زاوية مخفية في «الكوبري» مكانا للسكن برفقة احدى بناتها.. قصة ام بندر تستمطر الدمع من العينين، فبعد وفاة زوجها بثلاث سنوات تزوج اكبر ابنائها وانتقل للعيش في مدينة اخرى وبعدها بعامين تزوج الابن الاخر واستقل بمنزله واصبحت له حياته الخاصة.. واصبحت لوحدها تتحمل ايجار الشقة التي تؤويها لرفض ابنيها التكفل بذلك وحينما عجزت عن الاستمرار في دفع الايجار حملت متاعها البسيط واضطرت الى السكنى تحت الكوبري مع ابنتها وفي هذا الموقع يأتيها رزقها من اصحاب الايادي البيضاء والمحسنين.
تقول أم بندر لم يكن هناك خيار آخر غير اللجوء الى الرصيف فالابناء تنكروا لي وتركوني اصارع وحدي تصاريف الزمن.
ضحية رفقة السوء
وفي موقع آخر تحتار حينما تجد سلطان وهو شاب في العشرينات من عمره يفترش الرصيف.
حكاية سلطان بدأت برفقاء السوء والحبوب المخدرة وبسببها القي القبض عليه وادخل السجن وبعد قضاء محكوميته رفضت اسرته استقباله وطردته من المنزل واصبح الرصيف هو «صديقه» الذي يبوح له بأسراره بعد ان تاب من مصاحبة رفقة السوء.
واضاف انه هام على وجهه لعدة ايام وهداه تفكيره للعمل في بيع ماء زمزم وفي المساء يأوي الى هذا الموقع ولايعرف الى متى يستمر هكذا ضيفا على الرصيف.
مستهتر على الرصيف
وفي جدة يتكرر ذات المشهد لسكان الارصفة حيث يفترش محمد (30) عاما موقعا اتخذه قبل ثلاث سنوات مكانا للسكنى غير عابئ بازيز السيارات وابواقها وضجيج المارة، نظراته تخترق الزحام وتسافر كسيرة ومنطفئة وقبل ان يستوطن محمد الرصيف، كان موظفا غير ان كثرة غيابه افقده وظيفته وانضم الى قائمة العاطلين ولانه ترك وظيفته فان نظرات الازدراء بدأت تطارده فهرب الى الشارع بحثا عن وظيفة اخرى غير انه اكتشف ان جميع شهاداته فقدها في سيارة اجرة وزاد الطين بلة وفاة والده فكثرت المشاكل بينه وبين اخوته فهرب الى الرصيف واتخذه سكنا له.
وفي موقع اخر كان سعيد عبدالله (42) عاما يجلس فوق «بقشة» من الملابس القديمة وسرد معاناته قائلا: انه كان قبلا موظفا واستغنت الشركة عن خدماته بعد فترة قصيرة ولم يجد غير الرصيف ملاذا له خاصة ان اهله من خارج مدينة جدة.
رجل الخرسانة
وفوق كتلة خرسانية ضخمة القى عبدالعزيز محمد 64 عاما جسده المتهالك وقال واصفا حالته انه ليس لديه ما يتكئ عليه سوى هذه «الخرسانة» فقد سطا لصوص على منزله وسرقوا تحويشة عمره واصبح على «الحديدة» وفشل في دفع ايجار الشقة التي كان يقيم بها مع اسرته والتي ذهبت للسكن مع «صهره» وانفلت هو للعيش في الشارع وهو لايدري متى تجمعه الظروف مع اولاده.
ضحية اختلاف الورثة
وبالنسبة للشاب حسن.ع ثمة مشاكل في ميراث والده بينه وبين اخوته جعلته يغادر المنزل ويسكن الرصيف ولا يدري الى متى تطول اقامته في الهواء الطلق واضاف انه يعيش على صدقات اهل الخير واحيانا يبيت جائعا بانتظار شمس يوم آخر ربما يكون اكثر اشراقا.
ولان قضية سكان الشوارع في المقام الاول ذات محور وبعد اجتماعي صميم فماذا يقول الاخصائيون الاجتماعيون عنها، وما الاسباب الاجتماعية التي تجعل الانسان «يستوطن» الرصيف.
ظاهرة عالمية
بداية يقول الاخصائي الاجتماعي غانم يوسف اليوسف ان ظاهرة السكنى على الرصيف ملمح عالمي وليست مقتصرة على بلد دون الاخر وعن اسباب وجود حالات لهذه الظاهرة في بعض مدن المملكة قال ان الفقر وضعف الحالة الاقتصادية والتفكك الاسري والادمان من ابرز الاسباب التي تدفع الانسان للعيش في الهواء الطلق.
واستطرد ان ثمة دراسة صادرة عن المجلس العربي للطفولة والتنمية اشارت الى ان هناك ما بين 7-10 ملايين مواطن عربي يقيمون على الارصفة جلهم من الاطفال. واضاف ان هناك مخاطر كثيرة تطال الاطفال المتشردين منها حوادث السيارات والامراض والتحرشات الجنسية وتعلم العادات السلوكية السيئة.
حلول جذرية
وتابع ان الحلول الجذرية للحالات التي تتخذ من الشوارع سكنا في المملكة تكون بواسطة ايوائهم عن طريق المؤسسات الاجتماعية واتباع برامج معينة لتدريبهم واكسابهم مهارات تعينهم على مواجهة الحياة وقال الاخصائي الاجتماعي مسفر القحطاني ان هناك لجنة «سداسية» مكونة من عدة جهات في منطقة مكة المكرمة تقوم بجولات ميدانية لمقابلة مثل هذه الحالات ودراستها واحتواء المشاكل لكل حالة حسب مقتضيات ظروفها وتأمين سكن للمحتاجين.
(10) حالات سنويا
وفي ذات السياق قال مدير الشؤون الاجتماعية بمنطقة مكة المكرمة سعيد الغامدي ان الحالات التي تباشرها المؤسسات التابعة للشؤون الاجتماعية في المنطقة لا تزيد على (10) حالات في السنة.. ورغم قلة هذه الحالات فإنه تتم دراستها والشيء الغريب ان بعض الحالات ترفض الايواء وتفضل الرصيف لاستدرار عطف الاخرين كما ان البعض يرفض الاقامة في الدور الاجتماعية لانه تعود على الرصيف وكون معه علاقة وجدانية والبعض الاخر مرضى نفسيون لم يجدوا الرعاية من ذويهم فهاموا في الرصيف كما ان بعض هؤلاء من مدمني المخدرات اتخذوا من الشوارع امكنة للتعاطي بعيدا عن الاعين واستطرد ان الشؤون الاجتماعية تبحث حاليا عن مبنى ليكون مركزا لنقاهة المرضى النفسيين لتخفيف العبء على المستشفيات النفسية وايجاد مقر لهؤلاء بعيدا عن الشوارع.
والمبنى سيكون على نظام قريب من البيت الاسري مع وجود طاقم طبي وتمريضي للعناية بالمرضى وتابع ان هناك حالات غير سعودية تفترش الارصفة ويتوجب على الجهات المختصة التعامل مع مثل هذه الحالات.
ايواء (40) حالة
ومن جانبه قال عوض الردادي وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية: انه لا يوجد ارقام تشير الى عدد سكان الشوارع والسبب في ذلك انهم ينتقلون من مكان لآخر بحسب حالتهم النفسية والاجتماعية واستطرد ان فرق البحث تشير الى ان معظم هذه الحالات مصابة بأمراض نفسية.
وتابع ان الحالات التي يتم العثور عليها في الشوارع لا تمثل ظاهرة ومعظم هؤلاء يرفضون تغيير طريقة حياتهم ومن اغرب الحالات التي تم بحثها حالة رجل ثري يصر على العيش في مرمى النفايات رغم انه يمتلك عددا من العمارات والسيولة المالية واضاف انه تم ايواء 40 حالة من «ناقهي» الحالات النفسية.
ونظرا لأن الرأي الاجتماعي يشير الى ان بعض الحالات التي تعيش على الرصيف من المرضى النفسانيين فيما يقول اخصائي علم النفس عن ذلك.
شخصية عدوانية
الدكتور تامر جابر من مركز التأهيل النفسي بالقصيم قال ان سكان الشوارع من اكثر الفئات المعرضة للمشاكل النفسية مثل الاكتئاب والشخصية العدوانية والاعراض الذهانية والمشاكل النفسية الناتجة عن التحرش الجنسي.
وعن افضل الحلول من وجهة نظره لاحتواء مثل هذه الحالات قال: لابد من تغيير نظرة المجتمع تجاه هذه الحالات وحل المشاكل الاساسية التي تدفع الانسان للهروب بواسطة التكافل الاجتماعي وزيادة الثقافة والتوعية الدينية واكتشاف المشاكل النفسية لدى الاطفال عن طريق التوعية الصحية المبكرة وادراج الصحة النفسية ضمن برامج الرعاية الصحية الاولية، ومحاولة احتواء الحالات عن طريق دور الاحداث والمؤسسات الاجتماعية.
وقال الاخصائي النفسي بمستشفى الصحة النفسية بالطائف محمد الحرازي ان الحالات التي تسكن الشوارع وتحت الكباري تختلف ظروفها من حالة الى اخرى فقد تجد شخصا يعاني من ظروف اسرية عصيبة مع افراد اسرته ولا يجد حلا لمشاكله سوى اللجوء الى الرصيف كما ان المرضى النفسانيين يلجأون الى الرصيف تبعا لمرضهم كما ان هناك من يلجأ الى الشارع لاستدرار عطف المارة ولفت الانتباه لحالته وايجاد حل لها.