ترتبط ذكريات الإنسان بالأماكن التي عاش وعمل فيها والوسائل التي استخدمها وعاصرها عبر سني حياته ومنها وسائل المواصلات البرية والبحرية والجوية.. وقد كتب الله لي أن يكون عملي الوظيفي في مجال الطيران والنقل الجوي حين التحقت بالخطوط الجوية السعودية عام 1374هـ- 1954م أي في أواخر العقد الأول من تأسيس الخطوط الجوية السعودية وكانت نواة تكوين أسطول طائرات الخطوط السعودية ثلاث طائرات داكوتا (DC-3) . أولاها الطائرة التي أُهديت إلى الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه من الرئيس الراحل للولايات المتحدة الأمريكية (فرانكلين روزفلت). وكانت هذه أول طائرة استخدمت لتنقلات الملك عبدالعزيز رحمه الله. وكانت هي البداية الحقيقية للطيران في المملكة، وقد تلا ذلك شراء المزيد من طائرات (الداكوتا) وتدرجت الخطوط الجوية السعودية في تطوير أسطولها وانتقلت نوعياً من الطائرات المروحية وأصبحت تمتلك أحدث وأضخم الطائرات النفاثة مثل (الجامبو). ومع ذلك يظل لطائرة (الداكوتا) دورها الرائد في بدايات خدمات النقل الجوي في المملكة. وكانت أول مرة في حياتي أشاهد فيها الطائرة على الأرض هي مشاهدتي لطائرة (الداكوتا) حين هبوطها وإقلاعها، وكان ذلك ما قبل عام 1370هـ ببضع سنوات وفي عهد الملك عبدالعزيز رحمه الله. وفي السنوات السبع الأولى من عملي بالخطوط كان عملي الإداري في مكتب الإدارة العامة في مطار جدة الذي أسس في عهد الملك عبدالعزيز -رحمه الله- شمال شرق حي الكندرة بجدة، وكان المكتب يفضي إلى سطح مبنى المطار المطل على الساحة. فكنا نتابع حركة الطائرات الموجودة في ذلك الحين ضمن أسطول الخطوط السعودية وهي (داكوتا) و(برستل) و(سكاي ماستر) و(كونفير) وكانت طائرة (الداكوتا) هي المخصصة للنقل من وإلى المطارات الداخلية التي لا تتوفر فيها إمكانيات استقبال الأحجام الأكبر من الطائرات. كما كان عدد الركاب من وإلى المطارات الداخلية غير الرئيسية في ما مضى يتناسب مع عدد مقاعد طائرة (الداكوتا) حيث كان أغلب المسافرين داخل المملكة يعتمدون على السفر بالسيارات. وأذكر أنه قبل أربعين عاماً سافرت على طائرة الداكوتا من جدة إلى مدينة (عنيزة) بالقصيم وكانت توجد في القصيم ثلاثة مطارات متقاربة في كل من (بريدة) و(عنيزة) و(الرس) وكانت الداكوتا تعمل من وإلى تلك المطارات إلى أن تم إنشاء مطار القصيم المركزي الذي يتوسط موقعه المدن الثلاث ويخدمها وما بينها من البلدات والقرى. ولعل المهندس محمد سعيد فارسي أمين مدينة جدة الأسبق أراد ترسيخ هذا المعنى حين عمد إلى أن يجعل هيكل إحدى الطائرات (الداكوتا) معلماً تاريخياً وحضارياً في أحد ميادين مدينة جدة. وكلما عبرت وشاهدت معلم الميدان المذكور أستعيد ذكرياتي في مطار جدة السالف الذكر وأتذكر من حظيت بمعرفتهم من المسؤولين من مدنيين وعسكريين وغيرهم من ذوي المكانة الأدبية والاجتماعية الذين كنا نلتقي بهم في مكتب معالي الفريق إبراهيم الطاسان مدير عام مصلحة الطيران والخطوط الجوية السعودية في ذلك الحين. وقد استوقفني وأيقظ ذكرياتي الخبر الذي نشرته جريدة (المدينة) بتاريخ 5 صفر 1428هـ والمتضمن بدء أعمال الإزالة في ميدان الطيارة أشهر ميادين جدة في شارع الأمير ماجد بن عبدالعزيز بهدف تحسين الحركة المرورية في الشارع الذي يشهد كثافة مرورية عالية على مدار الساعة.. إلخ. ولم يشر الخبر إلى أين سيكون مصير هيكل الطائرة. وهل سيتم نصبه في موضع آخر.. فما يرمز إليه هذا المعلم هو عن بدايات ومنطلقات النهضة الحديثة على يدي مؤسس المملكة الملك عبدالعزيز رحمه الله ثم امتدادها وتطورها في عهود من خلفه من أبنائه الميامين حتى العهد الحاضر الزاهر.