ستظل سيرة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما بقي التاريخ أنموذجا للعدل والحكم بما نصت عليه آيات الله في كتابه الكريم، وما تضمنته التوجيهات التي جاءت في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله التي قال عنها عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي في دلائل النبوة: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه».
لقد كان الفاروق في مصاحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة وعندما تولى الخلافة بعد أبي بكر رضي الله عنه كان مثلا يحتذى .. وكما ذكرنا في الأسبوع الماضي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس يحدثون، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر».
قال الليث بن سعد: الفراسة فراسة عزيز مصر في يوسف النبي عليه السلام، حين قال: «ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين». وفراسة عمر بن الخطاب في الهلالية حين قال لولده: «تزوجها، والله ليوشكن أن تأتي بفارس يسود العرب». فأتت بعمر بن عبدالعزيز. وفراسة سليمان بن عبدالملك في عمر بن عبدالعزيز حيث قال: «والله لأعقدن عقدا ليس للشيطان فيه نصيب». فعقد لعمر بن عبدالعزيز.
ويرى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات ليلة رؤيا، نهض على إثرها من نومه مستبشرا ومتعجبا، وهو يقول: «ليت شعري من ذو الشجة من ولدي الذي يملؤها عدلاً، كما ملئت جورا». بل إن عبد الله بن عمر كان كثيراً ما يقول: «من هذا الذي من ولد عمر، في وجهه علامة، يملأ الأرض عدلاً».
وظلت نبوءة الفاروق تدوي بين أهله وذويه الذين راحوا يتلمسون تلك العلامة في وجوه أبنائهم، حتى ولد لعبد الله بن عمر ابنه «بلال»، وكانت بوجهه شامة، فحسبوه المبشر الموعود، لكن تخطته الأقدار إلى أن جاء عمر بن عبدالعزيز.
يقول عبدالله بن عمر: يا آل عمر، كنا نتحدث أن الدنيا لا تنقضي حتى يلي رجل من آل عمر، يعمل مثل عمل عمر. قال: فكان بلال بن عبدالله بن عمر بوجهه شامة، وكانوا يرون أنه هو، حتى جاء الله بعمر بن عبد العزيز، أمه بنت عاصم بن عمر.
وانتقلت البشرى إلى عبد العزيز بن مروان الذي صاهر آل عمر بن الخطاب، ليشهد تحقق النبوءة في ولده عمر. فبينا عمر الطفل المتفتح يجري في مراتع «حلوان» بمصر – حيث أبوه وإليها – حملته رجلاه إلى حظيرة الخيل فدخلها، فضربه جواد فشجه وأدماه. وهرع الأب ليمسح الدم عن وجه ابنه، ويضمد الشجة، وبينا هو كذلك إذ طوفت بخاطره تلك «النبوءة العمرية» التي تبشر برجل من ولد عمر يملأ الأرض عدلاً، فزفها إلى زوجته، وخاطب ابنه الوديع قائلا: «إن كنت أشج بني أمية إنك إذاً لسعيد».
السطر الأخير :
العدل أساس الملك