تهدف المؤسسات في كل من القطاعين العام والخاص إلى تقديم منتج أو خدمة ما، ولتحقيق هذا الهدف فإنها تعتمد على هيكل إداري هرمي يبدأ في غالب الأمر من صغار العاملين مرورا بالموظفين حتى ينتهي بكبار المسؤولين والإداريين، ولكل منهم بالطبع وظيفة محددة تختلف من شخص لآخر شكلا ومضمونا، كما أن لكل منها احتياجات ومتطلبات ومهارات تختلف من وظيفة لأخرى، ووفقاً للتقسيم الفلسفي لعلماء الإدارة فقد تم تصنيف العاملين بالمؤسسات إلى ما يسمى بأصحاب الياقات البيضاء وأصحاب الياقات الزرقاء.
أصحاب الياقات البيضاء هم من يقومون بأعمال ذهنية تتطلب مهارة عالية كالمديرين التنفيذيين والإداريين وغيرهم ممن يتلقون رواتب عالية ويقومون بأعمال استراتيجية، أما أصحاب الياقات الزرقاء فهم طبقة العمال وأصحاب الحرف الذين تتطلب أعمالهم المجهود البدني أكثر من المجهود الذهني. وبدون الإسهاب في أصول التسمية لهاتين الفئتين فإني أعتقد أن هذا التقسيم يفترض السلوك الإداري الرشيد وبيئة العمل النموذجية، لكن الواقع يختلف كثيراً وبعيداً في كثير من الأحيان عن بيئة العمل النموذجية أو المثالية، لذلك فليسمح لي أساتذتي علماء ومنظرو علم الإدارة بأن أضيف فئة ثالثة للفئتين السابقتين بحيث يقترب الواقع العملي مع التنظير، وهذه الفئة الجديدة هم أصحاب الياقات الحمراء.
أصحاب الياقات الحمراء هم من يجيدون العزف على أوتار اللوائح والأنظمة بالمؤسسة لتتسق مع مصالحهم الشخصية، إنها الفئة التي لا هدف لها إلا تعظيم منفعتها الحدية طيلة فترة وجودها وعملها بالمؤسسة، إن فترة الحياة العملية لهذه الفئة تكون إما سباتا صيفيا أو بياتا شتويا أو انتعاشا وازدهارا، ويعتمد الاختيار بين هذه المراحل الثلاث على شخصية رئيس المؤسسة سواء كانت قطاعا عاما أو خاصا، فإن كان الرئيس شخصا وصولياً يعشق الإطراء وتذلل الآخرين له نجدهم قد تكالبوا عليه تكالب النمل على قطعة السكر، وأفاضوا له بالمديح والإطراء حتى يفيض عن حاجته وربما عن حاجة المؤسسة أيضا، وبالتالي فإن نشاطهم يكون قد وصل إلى مرحلة الازدهار، وهنا فإن ما يطلبه رئيس المؤسسة مطاع وفي الحال، حتى لو كان هناك مخالفة في الأنطمة واللوائح، فمفاتيحها بيدهم يتم تفسيرها بما يتوافق مع متطلباته وأهوائه، والمقابل هو تمكينهم من المناصب واللجان التي تدر عليهم المزيد والمزيد من المكافآت والحوافز.
لكن السؤال المهم هو ماذا تفعل هذه الفئة في حال وصول رئيس جاد يكره التملق والتزلف إلى السلطة ويريد وضع الأمور في نصابها الصحيح، هل تنكمش فعلا وتتوقف عن العمل تماما أم أنها تمارس نوعا من العمل السري وتبذل الكثير من الجهد الخفي لتحقيق الهدف الأول وهو تعظيم المنفعة الحدية لهم؟ في الغالب الأعم ستسعى هذه الفئة لوضع أنواع من العراقيل والعقبات في وجه هذا المسؤول من خلال تلاعبها بذات الأنظمة واللوائح والسياسات ولكن بعد تفسيرها تفسيراً يميل إلى التشدد أو التصلب إن صح التعبير، حتى يستشعر أهميتهم ويقر في صدره مدى فعاليتهم، وليجبروه على استمالتهم ليتسنى لهم الدخول ضمن الدائرة المقربة منه، ولكن هذه المرة على شكل مراكز قوى.
لا تهتم هذه الفئة كثيرا بما قد يقال عنها، فلديها دوما حجج جاهزة وردود على كل موقف ومؤاخذة، ولذلك فوجود هذه الفئة في أي مؤسسة هو سبب انتكاسها وتقهقرها نحو الخلف، فالعمل الحقيقي والاجتهاد هو آخر ما يجول في خاطرهم، كما أن النهوض بالمؤسسة غير مدرج أصلا على جدول أعمالهم، وفي اعتقادي أن أي مسؤول في أي موقع قيادي وانطلاقاً من قول الرسول الكريم «كلكم راع وكل مسؤول عن رعيته» يجب أن يعمل على اجتثاث هذه الفئة أو تحييدها على الأقل تمهيداً لاستئصالها، إنها مثل الفاكهة العفنة التي تتواجد في سبت من الفاكهة النضرة، قد تتسبب في إفساد من حولها بطرق كثيرة، وفي خضم ذلك كله نجد أن أعين أصحاب الياقات البيضاء والزرقاء ترنو لرئيس المؤسسة، بصلاحياته التي يمكنه من خلالها بتر حوافر ياقاتهم الحمراء وتقليم أظافرها وتنظيف المؤسسة منهم، لتستأنف السفينة مسيرتها وتصل بأمان لهدفها المنشود.
الياقات الحمراء
21 أكتوبر 2013 - 19:30
|
آخر تحديث 21 أكتوبر 2013 - 19:30
تابع قناة عكاظ على الواتساب