أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/294.jpg?v=1762092635&w=220&q=100&f=webp

محمد مفتي

مضيق هرمز والنظام العالمي..

يُعد مضيق هرمز واحدًا من أهم الشرايين الحيوية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز، ما يجعله ليس مجرد ممر مائي فحسب بل ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد الدولي، ومع اندلاع الحرب الحالية بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، عاد هذا المضيق إلى واجهة الأحداث بوصفه ساحة ضغط إستراتيجية تريد إيران استخدامها لتحقيق مكاسب سياسية.

لقد فرضت هذه الحرب تحديات غير مسبوقة على أمن الملاحة في مضيق هرمز، حيث سارعت إيران إلى استخدام موقعها الجغرافي كورقة قوة، فأقدمت في بداية الحرب على إغلاق المضيق ولوّحت بفرض رسوم على السفن العابرة، في خطوة تتجاوز الأعراف الدولية وتضرب مبدأ حرية الملاحة في المياه الدولية في مقتل، ثم عادت لإغلاقه مرة أخرى بعد فتحه لفترة وجيزة للغاية عقب الحصار الأمريكي لموانئها، وهو التصرف الذي لا يهدّد فقط دول المنطقة بل يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي بأسره الذي يعتمد بشكل كبير على تدفق الطاقة عبر هذا الممر الضيق.

هذا السلوك ليس جديدًا على إيران؛ فقد سبق لها خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي أن استهدفت ناقلات النفط وهدّدت التجارة الدولية فيما عُرف وقتذاك بحرب الناقلات، وقد أدرك المجتمع الدولي خطورة ترك هذا الممر الحيوي رهينة للتوترات الإقليمية، فتدخلت قوى كبرى لضمان استمرارية الملاحة، واليوم تعود إيران إلى النهج ذاته محاولة إعادة فرض نفسها كقوة قادرة على التحكم في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

إن إعادة طرح قضية مضيق هرمز على هذا النحو تعكس رغبة إيرانية واضحة في تحويله إلى أداة نفوذ سياسي واقتصادي، بما يتجاوز حدود السيادة الوطنية، مع السعي لفرض واقع جديد على المجتمع الدولي، فبدلاً من أن يكون المضيق ممرًا مفتوحًا للجميع وفق القوانين الدولية، تسعى إيران إلى إخضاعه لإرادتها مستخدمة التهديدات العسكرية والتصعيد الإقليمي لتحقيق مكاسب إستراتيجية.

غير أن ترك مضيق هرمز في قبضة دولة تتبنى سياسات تصعيدية وتملك طموحات في تطوير برامج نووية وصناعات عسكرية إستراتيجية، يشكّل خطرًا حقيقيًا على الأمن والسلم الدوليين، فالممرات البحرية الدولية يجب أن تبقى تحت مظلة القانون الدولي والتوافق العالمي، لا أن تتحوّل إلى أدوات ضغط بيد طرف واحد يسعى لفرض أجندته.

لم تقتصر الحرب الأخيرة على المواجهة العسكرية المباشرة بل شملت أيضًا صراع الإرادات والرغبة في السيطرة على مفاصل الاقتصاد العالمي، ومضيق هرمز يقف اليوم في قلب هذا الصراع كرمز لأهمية الجغرافيا السياسية في تشكيل ملامح المستقبل، وفي ظل هذه المعطيات يصبح من الضروري أن يتحرك المجتمع الدولي بشكل حازم لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، ومنع أي محاولات لاحتكاره أو تعطيله، فاستقرار هذا الممر ليس شأنًا إقليميًا فحسب، بل مسؤولية عالمية تتطلب تضافر الجهود للحفاظ على توازن المصالح ومنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من التصعيد.

وفي خضم هذا التصعيد، أعلنت الولايات المتحدة على نحو حازم أنها لن تسمح لإيران بإغلاق مضيق هرمز أو فرض أي رسوم على الملاحة الدولية، معتبرة أن ذلك يشكّل تهديدًا مباشرًا لمصالحها ولمصالح حلفائها، بل وقامت بحصار الموانئ الإيرانية المطلة على المضيق وحصار السفن الإيرانية لمنع إيران من أن تكون لها اليد العليا في التحكم في المضيق، غير أن هذا الأمر يثير تساؤلًا مهمًا: هل يعكس هذا الموقف إرادة أمريكية منفردة لحماية نفوذها الإستراتيجي، أم أنه تعبير عن موقف دولي أوسع؟ الواقع يشير إلى أن تعثر مجلس الأمن الدولي مؤخرًا في اتخاذ قرار واضح يضمن فتح المضيق قد أضعف الإجماع الدولي، وترك المجال أمام واشنطن لتتصدّر المشهد منفردة، وهذا بدوره يعكس خللًا في بنية النظام الدولي، حيث باتت القضايا الكبرى مثل حرية الملاحة تُدار أحيانًا بمنطق القوة بدلًا من التوافق الدولي، الأمر الذي يزيد من تعقيد الأزمة ويجعل احتمالات التصعيد تتزايد أكثر فأكثر.

لا شك أن غياب موقف دولي موحد يعكس أزمة أعمق في النظام العالمي، حيث لم يعد مجلس الأمن قادرًا على أداء دوره التقليدي في حفظ السلم والأمن الدوليين، نتيجة تضارب المصالح بين القوى الكبرى، هذا الفراغ يفتح الباب أمام سياسات أحادية، وفي ظل هذه المعطيات تبدو الأزمة حول مضيق هرمز مرشحة لمزيد من التعقيد، حيث يتداخل فيها البعد العسكري مع البعديين الاقتصادي والسياسي، مما يجعل أي حل مستدام مرهونًا بإعادة تفعيل العمل الدولي المشترك، ووضع قواعد واضحة تضمن حرية الملاحة بعيدًا عن التهديدات أو الابتزاز.

منذ يوم

هل ستستوعب إيران الدرس؟!

منذ أن عاد الخميني إلى طهران عام 1979، سعت إيران لتطبيق شعار «تصدير الثورة»، وهي فكرة قائمة على صناعة الأعداء بدلاً من بناء الشراكات، هذا الخيار لم يكن مجرد خطاب سياسي عابر، بل تحوّل بمرور الوقت إلى عقيدة راسخة شكّلت ملامح السياسة الخارجية الإيرانية لعقود وحتى الآن، ومنذ ذلك الحين وضعت طهران نفسها في مواجهة مباشرة مع محيطها الإقليمي خاصة دول الخليج العربي، التي استشعرت في هذا التوجه تهديداً مباشراً لاستقرارها وسيادتها.

أول اختبار حقيقي لهذا النهج كان الحرب مع العراق، التي استمرت ثماني سنوات (وشهدت دعماً خليجياً واضحاً لبغداد)، ولم تكن مجرد صراع حدودي فحسب، بل كانت تجسيداً لفكرة تصدير الثورة التي تبنتها طهران في بداياتها، ومع انتهاء الحرب وجدت إيران نفسها أمام واقع قاسٍ، حيث تكبّدت خسائر بشرية واقتصادية هائلة دون أن تحقّق أهدافها الاستراتيجية، ولاسيما مشروع «تصدير الثورة» الذي اصطدم بجدار الرفض الإقليمي.

ورغم تلك التجربة القاسية بدت إيران وكأنها لم تستوعب الدرس بعد، بل على العكس أيضاً؛ اتجهت للاستثمار المكثف في برامج عسكرية مكلفة لتعويض شعورها بالفشل والإخفاق، وقد شملت تلك البرامج تطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وسعت على نحو حثيث لامتلاك قدرات نووية متطورة، ولا شك أن تلك المشروعات التي تكلفت مليارات الدولارات لم تكن مجرد أدوات دفاعية، بل غدت وسائل للضغط السياسي والتأثير الإقليمي.

غير أن الثمن الحقيقي لهذه السياسات لم تدفعه النخب الحاكمة في إيران، بل كان يدفعه المواطن الإيراني البسيط من قوت يومه، فبينما كانت الأموال تُضخ في برامج التسلح ودعم المليشيات في الخارج، كان الداخل الإيراني يعاني من تدهور اقتصادي وارتفاع معدلات البطالة وتراجع مستوى الخدمات الأساسية. لقد دفع الشعب الإيراني ثمن مغامرات سياسية وعسكرية لم تجلب له سوى المزيد من المعاناة.

ولم يتوقف الأمر عند حدود الداخل بل امتد إلى الخارج عبر تمويل ودعم وكلاء في عدد من دول المنطقة، لتنفيذ أجندات تخدم المصالح الإيرانية، هذا التمدد لم يعزز مكانة إيران كما كانت تأمل، بل زاد من عزلتها وعمّق الشكوك حول نواياها، كما خلق حالة من التوتر المستمر في منطقة الشرق الأوسط.

على المستوى الداخلي تراكمت حالة من الغليان الشعبي تجسّدت في موجات احتجاج متكررة، عبّرت عن رفض واضح للسياسات الاقتصادية والخارجية للنظام، هذا الغضب لم يكن وليد لحظة بل كان نتيجة تراكم سنوات من الإحباط، فقد استشعر المواطن الإيراني ثروات بلاده وهي تُهدر في صراعات خارجية بينما يعاني هو من ضيق العيش، ورغم كل هذه المؤشرات لم تُظهر إيران إدراكاً فعلياً لرفض العالم لمشروع هيمنتها على منطقة حيوية كمنطقة الشرق الأوسط، بل استمرت في تحدي المجتمع الدولي، مستفيدة من تباين السياسات الأمريكية التي تختلف طبقاً لنهج الإدارات الأمريكية التي تكون متشدّدة تارة تجاهها وأكثر مرونة تارة أخرى، هذا التذبذب منحها هامشاً للمناورة لكنه لم يغيّر من حقيقة الرفض الدولي لسلوكها.

وجاءت الحرب الأمريكية الأخيرة لتشكّل نقطة تحوّل فارقة، فحتى وإن لم تعترف إيران بحجم خسائرها المروع، إلا أن المؤكد أن بنيتها العسكرية الاستراتيجية تعرّضت لضربات قاسية، طالت قدراتها الصاروخية ومراكزها الحيوية. هذه الحرب كشفت هشاشة بعض أدوات القوة التي راهنت عليها طهران لسنوات، وأعادت طرح السؤال حول جدوى تلك الاستثمارات العسكرية الضخمة.

تقف إيران اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، فالمليارات التي أنفقتها على مشاريعها العسكرية وعلى وكلائها في المنطقة تبدو وكأنها تبخّرت دون أن تحقّق الأهداف المرجوة، وفي المقابل يزداد الضغط الداخلي مع تصاعد الغضب الشعبي الذي لم يعد يقبل بتبريرات أيديولوجية أو شعارات سياسية، فالتحدي الأكبر الذي تواجهه إيران اليوم ليس خارجياً فقط، بل داخلي بالدرجة الأولى، فالشعب الذي تحمّل لسنوات طويلة تبعات السياسات الخاطئة بات أكثر وعياً وإدراكاً لحجم الخسائر التي تكبّدها، ومع كل أزمة جديدة يتزايد هذا الوعي ويتحوّل إلى ورقة ضغط حقيقية على صانع القرار.

ويبقى السؤال الأهم: هل ستستوعب إيران الدرس هذه المرة؟ هل ستعيد النظر في أولوياتها؟ هل ستتحوّل من سياسة المواجهة إلى سياسة التعاون، ومن تصدير الأزمات إلى السعي لمعالجة أزماتها الداخلية؟ أم أنها ستواصل السير في الطريق ذاته غير آبهة بالتجارب السابقة؟

من المؤكد أن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل إيران، بل ستحدد مستقبل المنطقة بأسرها، فإما أن تختار طهران طريق العقل وتبدأ مرحلة جديدة متمحورة حول الاستقرار والتنمية، أو أن تستمر في دائرة الصراع بكل ما تحمله من كلفة باهظة!.

00:01 | 17-04-2026

جريمة حرب..!

في عالم تمزقه النزاعات والحروب وتحتد فيه لغة التهديد، يبرز مصطلح «جريمة حرب» بوصفه أحد أهم المفاهيم التي يفترض أن تضبط سلوك الدول أثناء الحروب، وهذا المصطلح ليس مجرد تعبير سياسي أو إعلامي، بل هو توصيف قانوني دقيق تحكمه قواعد القانون الدولي، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف التي وُضعت لحماية المدنيين وتقليل وحشية الصراعات المسلحة.

جرائم الحرب هي الانتهاكات الجسيمة اللإنسانية التي تُرتكب أثناء النزاعات المسلحة، وتشمل استهداف المدنيين بشكل مباشر، أو قصف الأهداف المدنية كالمنازل والمستشفيات والمنشآت الحيوية، وكذلك استخدام القوة بشكل غير متناسب مع طبيعة الأهداف، أو شن هجمات عشوائية لا تميّز بين هدف عسكري وآخر مدني، كما تشمل جرائم القتل والإ‌بادة الجماعية والتعذيب والتهجير والإ‌رهاب والا‌عتقال غير الشرعي والا‌ضطهاد سواء تم ذلك على نحو فردي أو جماعي.

قبل أيام أثار تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي حذر خلاله إيران من أن الولايات المتحدة قد تعيدها إلى العصر الحجري موجة من الجدل، فقد سارع الرئيس الإيراني بوصف هذا التصريح بأنه «جريمة حرب»، في محاولة لتوظيف هذا المصطلح في سياق سياسي وإعلامي، غير أن هذا الطرح يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل يمكن اعتبار التهديد اللفظي جريمة حرب؟ أم أن الجريمة تتطلب وقوع فعل مادي على الأرض؟.

من الناحية النظرية يبدو أن التصريحات وحدها لا تعد جرائم حرب ما لم تقترن بأفعال أو تحريض مباشر على ارتكاب انتهاكات جسيمة، وبالتالي فإن استخدام هذا المصطلح في توصيف خطاب سياسي مهما كان حاداً أو صادماً قد يكون مبالغاً فيه كونه لم يتحوّل إلى سلوك عملي بالفعل، وهنا تبرز مفارقة لافتة تتعلق بمصداقية من يطلق هذا الاتهام، فالرئيس الإيراني الذي يُنظر إليه من قبل كثيرين على أنه لا يمتلك كامل الصلاحيات في ظل بنية سياسية معقدة تتحكم فيها مؤسسات أخرى، يطرح نفسه كمدافع وممثل للقانون الدولي، في حين أن بلاده قد تُتَّهم فعلاً بممارسات قد تندرج ضمن جرائم الحرب.

فعندما يتم استهداف دول لم تعلن الحرب على إيران كما حدث في حالات متعددة في منطقة الخليج، فإن ذلك يثير تساؤلات قانونية كثيرة، فالقانون الدولي يفرض احترام سيادة الدول ويحظر الاعتداء على أراضيها دون مبرر قانوني واضح، وإذا كانت هذه الهجمات تستهدف مناطق مدنية أو منشآت اقتصادية حيوية، فإنها قد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب خاصة إذا أدت إلى إلحاق الضرر بالمدنيين.

كما أن استهداف منشآت مثل مصافي النفط أو البنية التحتية للطاقة يُعد انتهاكاً واضحاً وتناقضاً لا شك فيه في تصريحات الرئيس الإيراني، فهذه المنشآت مع أهميتها الاقتصادية تُعد في كثير من الحالات أهدافاً مدنية، واستهدافها يؤدي إلى أضرار واسعة النطاق تمس حياة السكان بشكل مباشر، سواء من خلال تعطيل الخدمات أو التسبّب في أزمات اقتصادية ومعيشية.

إن انتقائية الرئيس الإيراني في استخدام مصطلح «جريمة حرب» لا تعكس جهلاً بالمفهوم بقدر ما تكشف توظيفاً سياسياً له، فكيف يمكن لمن يدين تصريحاً بوصفه جريمة حرب أن يغضّ الطرف عن أفعال موثّقة على الأرض تمثّل انتهاكاً صارخاً لكل قواعد القانون الدولي؟ هذه الازدواجية لا يمكن تفسيرها إلا باعتبارها محاولة مكشوفة لتبرئة إيران حتى ولو كان الثمن تشويه الحقائق، فالقانون الدولي لا يُفصَّل على مقاس الدول، ولا يُستخدم كأداة دعائية تُستدعى عند الحاجة وتُهمَل عند الإدانة، إن هذا السلوك لا يسيء فقط إلى مصداقية الخطاب الإيراني فحسب، بل يضرب في العمق فكرة العدالة الدولية ذاتها، ويحوّل مفهوم «جريمة الحرب» من معيار أخلاقي وقانوني إلى شعار فارغ يُرفع حين يخدم المصالح ويُسقط حين يفضحها.

في النهاية تبقى جرائم الحرب قضية لا تحتمل التلاعب أو التسييس، فهي تمس حياة البشر بشكل مباشر وتتعلق بحقوق أساسية لا يمكن التنازل عنها، ومن هنا فإن أي حديث عن هذا المفهوم يجب أن يكون قائماً على الاتساق والمصداقية لا على الانتقائية والمصالح الضيقة، فالقانون الدولي ميزان للعدالة، وإذا اختل هذا الميزان فإن العالم سيدفع الثمن، ليس فقط في ساحات المعارك بل فيما يتعلق بفقدان الثقة في كل ما يمثل القانون والإنسانية.

00:03 | 10-04-2026

الحروب في زمن الذكاء الاصطناعي..

في عالم يتسارع فيه التطوّر التكنولوجي بشكل غير مسبوق لم تعد الحروب تُخاض بالأساليب التقليدية وحدها، بل أصبحت تعتمد بشكل متزايد على أدوات تكنولوجية متقدمة في مقدمتها الذكاء الاصطناعي، وتبرز الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، كأحد أبرز الأمثلة على هذا التحوّل، حيث تتداخل القوة العسكرية مع التكنولوجيا الرقمية في رسم ملامح الصراع، دون الدخول في مواجهة برية مباشرة حتى كتابة هذه السطور، غير أنها تبقى احتمالية قائمة في أي لحظة.

لقد غيّر الذكاء الاصطناعي قواعد الاشتباك في الحروب الحديثة، حيث أصبح بالإمكان تحليل كميات هائلة من البيانات في وقت قياسي، وهو ما يسهم في اتخاذ القرارات السريعة والدقيقة، وفي العمليات الهجومية تعتمد الأنظمة العسكرية على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف بدقة من خلال تحليل الصور الفضائية والمعلومات الاستخباراتية، وهو ما يقلل من الأخطاء البشرية ويزيد من كفاءة الضربات، كما تلعب الطائرات المسيّرة الذكية دورًا محوريًا، إذ يمكنها تنفيذ مهام استطلاعية وهجومية بشكل شبه مستقل، ما يجعلها أحد أبرز مظاهر الحرب الذكية.

أما في الجانب الدفاعي فقد أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا لا غنى عنه في أنظمة الحماية الحديثة، إذ تعتمد أنظمة الدفاع الجوي على خوارزميات متقدمة لتحليل مسارات الصواريخ والطائرات المعادية والتنبؤ بحركتها، مما يساعد على اعتراضها بكفاءة أعلى، كما تُستخدم هذه التقنية في تعزيز الأمن السيبراني ومنع الهجمات الإلكترونية التي تستهدف البنية التحتية الحيوية مثل شبكات الطاقة والاتصالات، وهنا يظهر الذكاء الاصطناعي كخط دفاع أول قادر على اكتشاف التهديدات والتعامل معها في وقت قياسي.

ورغم أن الصراع الحالي لم يشهد حتى الآن تدخلًا بريًا مباشرًا إلا أن احتمالية التصعيد تظل قائمة، خاصة إذا قررت الولايات المتحدة تنفيذ عمليات إنزال بري، سواء في عمق الأراضي الإيرانية أو على إحدى جزرها، وطبقاً لهذا السيناريو سيلعب الذكاء الاصطناعي وقتئذٍ دورًا أكثر تعقيدًا، حيث سيتم استخدامه في إدارة المعارك على الأرض وتنسيق تحركات القوات، وتحليل ردود فعل الخصم بشكل فوري، وهذا يعني أن أي مواجهة برية محتملة لن تكون تقليدية بل ستدار عبر منظومات ذكية قادرة على تغيير مسار المعارك في لحظات.

لكن الوجه الآخر للذكاء الاصطناعي في زمن الحروب لا يقل خطورة عن استخداماته العسكرية المباشرة، بل ربما يكون أكثر تأثيرًا على المدى الطويل، والمقصود هنا توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى إعلامي مضلل، مثل الصور والفيديوهات المزيفة التي تبدو واقعية إلى حد كبير، وقد أصبح من السهل اليوم إنشاء مقاطع تُظهر أحداثًا لم تقع أصلًا، أو تزييف أحداث حقيقية لخدمة أجندات معينة، وهذا النوع من «الحرب الإعلامية» يستهدف بشكل مباشر الرأي العام داخل بعض الدول أو على المستوى العالمي.

تسعى بعض الأطراف المنخرطة في الحروب إلى استغلال هذه الأدوات لتأليب الرأي العام وكسب التعاطف، وتشويه صورة الخصم، فقد يتم نشر صور مفبركة تُظهر دمارًا أو انتهاكات منسوبة لطرف معين بهدف إثارة الغضب وتحريك المشاعر، ومع سرعة انتشار المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تصبح هذه المواد قادرة على التأثير في الجماهير العريضة في وقت قياسي قبل أن يتم التحقق من صحتها، ومن هنا تكمن خطورتها.

من المؤكد أن الأحداث الحالية تفرض تحديات حقيقية تتطلب تعزيز وعي الأفراد، فلم يعد انتشار صورة أو مقطع فيديو كافياً لتصديق أي منهما، بل يجب التحقّق من المصدر ومقارنة المعلومات والتعامل بحذر مع كل ما يُنشر، فالمتلقي لم يعد مجرد مشاهد، بل أصبح جزءًا من المعركة الإعلامية، وهنا تبرز أهمية وعي المواطن كخط دفاع أول في مواجهة هذا النوع من الحروب، فالحروب اليوم لم تعد تُخاض فقط بالسلاح، بل غدت معركة معلوماتية، المنتصر فيها هو القادر على توجيه الرأي العام، وهو ما يعد مكسبًا إستراتيجيًا لا يقل أهمية عن أي انتصار عسكري.

من هنا يمكننا القول إن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة في الحروب، بل أصبح عنصرًا أساسيًا يعيد تشكيل طبيعة الصراع نفسه، وفي ظل الحرب الحالية يتضح لنا أن المستقبل سيكون لمن يمتلك القدرة على توظيف هذه التقنية بفعالية سواء في الميدان العسكري أو في الفضاء الإعلامي، ولكن يبقى الوعي المجتمعي خط الدفاع الأول ضد محاولات التضليل والتأثير السلبي، وفي زمن تختلط فيه الحقيقة بالأكاذيب يصبح التفكير النقدي والتحقق من المعلومات ضرورة لا غنى عنها، ليس فقط لفهم ما يحدث بل لحماية المجتمع من الانجرار وراء روايات قد تكون بعيدة كل البعد عن الواقع والحقيقة.

00:08 | 3-04-2026

نظام فقد رشده!

باندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، دخلت المنطقة مرحلة شديدة التعقيد، تتشابك فيها الحسابات الإستراتيجية مع الاعتبارات السياسية والأمنية بشكل غير مسبوق، وفي ظل هذا المشهد المضطرب انتهجت المملكة العربية السعودية نهجًا متزنًا يقوم على الحياد، وحرصت على عدم الانخراط في الصراع أو استخدام أراضيها كنقطة انطلاق لأي عمليات عسكرية ضد إيران، إدراكًا منها لخطورة توسيع رقعة الحرب وانعكاس ذلك على أمن المنطقة واستقرارها، ولم تتخذ المملكة بمفردها هذا الموقف المحايد بل تبنته كذلك بقية دول الخليج العربي، التي ارتأت في التهدئة وضبط النفس الخيار الأكثر حكمة في لحظة إقليمية حرجة.

غير أن هذا النهج العقلاني لم يُقابل بسلوك مماثل من الجانب الإيراني، بل جاء الرد معاكسًا تمامًا، حيث أقدمت إيران على استهداف المدن السعودية ومصافي النفط في تصعيد خطير يفتقر لأي مبرر سياسي أو عسكري، فدول الخليج وفي مقدمتها المملكة، لم تكن طرفًا في النزاع ولم تشارك في أي أعمال عدائية ضد إيران، ومع ذلك وجدت نفسها هدفًا لهجمات مباشرة تهدّد أمنها واستقرارها، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل امتدت الاعتداءات لتشمل دولًا خليجية أخرى، في مؤشر واضح على رغبة إيران في توسيع دائرة الصراع بدلاً من احتوائه.

وقد تعاملت المملكة مع هذه الاعتداءات بمزيج من الحزم والمسؤولية، وحذرت إيران من مغبة الاستمرار في استهداف أراضيها، مؤكدة أن أمنها الوطني خط أحمر لا يمكن تجاوزه، مؤكدة على أنها تحتفظ بحقها الكامل في الدفاع عن نفسها بكافة الوسائل، بما في ذلك الخيار العسكري إذا اقتضت الضرورة، ولم تكن هذه الرسائل دعوة للتصعيد بقدر ما كانت تأكيدًا على حق مشروع تكفله القوانين الدولية، ورسالة ردع تهدف إلى وقف السلوك العدائي قبل أن يتفاقم.

غير أن ما يثير الاستغراب في السلوك الإيراني هو توقيته، والذي يتزامن مع تعرّضها لضربات متواصلة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، استهدفت بنيتها التحتية العسكرية وغير العسكرية وألحقت بها أضرارًا جسيمة، فمنطق إدارة الأزمات يقتضي منها (في تلك الظروف) تقليل الجبهات المفتوحة والتركيز على احتواء الخسائر، بدلاً من السعي لفتح جبهات جديدة مع دول لم تكن أصلًا جزءًا من الصراع، وهي الإستراتيجية التي تعكس خللًا واضحًا في تقدير الموقف، وتطرح تساؤلات جدية حول طبيعة صناعة القرار داخل النظام الإيراني.

وبخلاف ذلك لا يمكن إغفال الوضع الداخلي في إيران التي يعاني اقتصادها من حالة تدهور حادة نتيجة فرض العقوبات عليها وبسبب سوء الإدارة، فيما يشهد الشارع الإيراني حالة من الاحتقان المتزايد بسبب الضغوط المعيشية وتراجع مستوى الخدمات، ومن المفترض في مثل هذه الظروف أن يختار النظام الحاكم الخيار الأكثر عقلانية المتمثل في التهدئة وتخفيف الأعباء عن الداخل، لا تصدير الأزمات إلى الخارج وخلق صراعات جديدة تزيد من تعقيد المشهد.

ورغم المواقف الخليجية الواضحة التي دعت إلى وقف الاعتداءات واحترام سيادة الدول، وآخرها الاجتماع التشاوري الذي عُقد في الرياض بمشاركة دول خليجية وعربية وإسلامية، وشدّد على ضرورة حماية أمن المنطقة واستقرارها، وأكد فيه وزير الخارجية السعودي أن المملكة قد تلجأ إلى الرد العسكري إذا لزم الأمر، إلا أن إيران مستمرة في نهجها التصعيدي، بل زادت من وتيرة استهدافها للمدن والمنشآت الحيوية في السعودية ودول الخليج، غير مكترثة بكل التحذيرات أو الدعوات إلى التهدئة.

من المؤكد أن الإصرار على التصعيد رغم الظروف المعقدة التي تمر بها إيران داخليًا وخارجيًا، يعكس سلوكًا يبعد كثيراً عن الإدارة العقلانية التي من المفترض أن تتحلى بها الأنظمة الحاكمة، ويعزز الانطباع بأننا أمام نظام يتخذ قراراته بمعزل عن منطق المصالح الوطنية، بل ويدفع بالمنطقة نحو مزيد من التوتر وعدم الاستقرار، وبدلاً من أن يسعى إلى تجنيب شعبه مزيدًا من المعاناة، يختار المضي في انتهاج سياسات تصعيدية قد تجر عليه وعلى المنطقة عواقب وخيمة، وفي ضوء هذا الواقع تجد دول الخليج نفسها أمام خيارين: الاستمرار في ضبط النفس مع تعزيز قدراتها الدفاعية، أو الانتقال إلى خيارات أكثر حسمًا لحماية أمنها وسيادتها حال استمرار التهديدات، ورغم أن الخيار الأول يظل هو المفضل حفاظًا على الاستقرار الإقليمي، إلا أن الأمن الوطني يبقى أولوية لا يمكن التفريط بها تحت أي ظرف.

لا شك أن ما نشهده اليوم لا يمكن تفسيره إلا أنه تعبير عن أزمة عميقة تضرب بنية صناعة القرار السياسي الإيراني، تتميّز بغياب الحسابات العقلانية وسيادة حسابات المغامرة، وهو ما يعني أن ما يحدث الآن من انتهاكات بحق دول الخليج لا تصدر إلا من نظام «فقد رشده»، غير أن الأمل لا يزال معقودًا في أن تدرك إيران خطورة ما تقوم به، وأن تعود إلى لغة العقل قبل أن تنزلق المنطقة إلى ما لا تُحمد عقباه.

23:33 | 30-03-2026

هل آخر الدواء الكي؟!

باندلاع المواجهة بين كل من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، دخلت المنطقة مرحلة شديدة الحساسية، اتسمت بتصاعد التوترات واتساع دائرة الاستهداف لتشمل أطرافًا لم تكن يومًا جزءًا من هذا الصراع، وقد شهدت دول الخليج خلال هذه الفترة تهديدات متكررة واعتداءات مباشرة عبر الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، في مشهد يعكس تصعيدًا خطيرًا لا يمكن تبريره أو تجاهله، خاصة في ظل ما يحمله من تهديد مباشر لأمن الطاقة والممرات الحيوية في المنطقة.

الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن دول الخليج -وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية- لم تكن طرفًا يوماً ما في هذه الحرب، ولم تستخدم أراضيها أبداً كنقطة انطلاق لأي عمليات عسكرية ضد إيران، بل على العكس تبنّت هذه الدول نهجًا يقوم على التهدئة وتغليب الحلول السياسية، إدراكًا منها لخطورة الانزلاق إلى صراع إقليمي واسع النطاق قد تتجاوز تداعياته حدود المنطقة، ومع ذلك لم تنجح هذه السياسة المتزنة في منع إيران من استهدافها على نحو متكرر، وهو الاستهداف الذي يفتقر إلى أي مبرر قانوني أو أخلاقي، ويطرح العديد من علامات الاستفهام حول طبيعة الأهداف الحقيقية للتصعيد الإيراني.

من الواضح تماماً حرص المملكة العربية السعودية منذ البداية على عدم الانخراط في حرب لا تخصها، ولا ترغب يومًا في التصعيد أو تأجيج الصراع، بل سعت طيلة الوقت لدعم الاستقرار الإقليمي وتفادي المواجهات المباشرة، غير أن استمرار الاعتداءات على أمنها وسيادتها يضعها أمام مسؤولية لا يمكنها التهرب منها، وهي حماية أراضيها ومواطنيها بكل الوسائل المتاحة، خصوصًا عندما تتحوّل التهديدات إلى فعل يومي متكرر.

وقد صرح وزير الخارجية السعودي قبل أيام بأن جميع الخيارات مطروحة بما في ذلك الخيار العسكري، كرسالة واضحة مفادها أن الصبر الاستراتيجي له حدود، وأن استمرار الاعتداءات لن يُقابل بسياسة ضبط النفس إلى ما لا نهاية، فحين تتحوّل التهديدات إلى واقع يومي يهدّد الأمن والاستقرار يصبح الردع ضرورة وليس خيارًا، ومن المؤكد أنه عند اختيار الحل العسكري فإن إيران لن تواجه وقتذاك دولة واحدة فقط، بل قد تجد نفسها في مواجهة أوسع مع عدة دول تضررت من سياساتها وتصرفاتها، فاستهداف أكثر من طرف يفتح الباب أمام تحالفات جديدة قائمة على مبدأ الدفاع المشترك، وهو ما قد يغير موازين القوى ويزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.

تكشف لنا قراءة التاريخ القريب أن السلوك الإيراني في المنطقة لم يكن يومًا قائمًا على التهدئة أو بناء الثقة، بل اتسم بدعم الصراعات وتغذية النزاعات عبر العديد من الطرق، منها ما هو مباشر أو من خلال أطراف وكيلة، وقد دفع هذا النهج العديد من دول المنطقة لاعتبار إيران مصدرًا للتوتر الدائم في المنطقة، وليست شريكًا في تحقيق الاستقرار، وهو ما ساهم في تراكم الشكوك وتعميق فجوة الثقة بين إيران وبين محيطها الإقليمي.

ومن زاوية أخرى لا يمكن إغفال البعد الداخلي في المشهد الإيراني، ففي ظل احتقان شعبي متزايد نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، قد تلجأ بعض الأنظمة إلى تصدير أزماتها للخارج عبر خلق عدو تتمكّن من خلاله من توحيد الجبهة الداخلية وصرف الأنظار عن التحديات الحقيقية، وطبقًا لهذا السيناريو تبدو التحركات الإيرانية وكأنها جزء من محاولة لإعادة توجيه الغضب الشعبي نحو الخارج بدلًا من الداخل، وهي سياسة كثيرًا ما تلجأ إليها الأنظمة التي تواجه ضغوطًا داخلية متصاعدة.

وفي ضوء كل ما سبق يبقى السؤال المطروح: هل الرد العسكري هو الخيار الوحيد المتبقي؟ في واقع الأمر لا تزال الإجابة بيد إيران، فإما أن تتوقف عن اتباع سياساتها التصعيدية واستفزازها المستمر لدول الخليج وتفتح الباب للتهدئة والحوار، أو تستمر في نهجها الحالي، وهو ما قد يجر المنطقة إلى مواجهة أوسع يصبح حينها الخيار العسكري هو آخر الدواء، ليس رغبة فيه بطبيعة الحال، بل هو ضرورة تفرضها مسؤولية الدفاع عن الوطن وصون أمنه.

في هذا السياق وفي ظل المفاوضات الجارية الآن بين الولايات المتحدة وإيران لوقف الحرب تبدو الفرصة مواتية أمام إيران لالتقاط أنفاسها والانخراط بجدية في مسار الحوار بعيدًا عن منطق التصعيد والمواجهة المفتوحة مع دول الجوار، فاستمرار التوتر مع دول الخليج لا يخدم استقرار المنطقة ولا مصالح الشعب الإيراني، ومن هنا يتعيّن على إيران التجاوب على نحو إيجابي مع الجهود الدبلوماسية وإعادة النظر في سياساتها الإقليمية والتوقف عن ممارساتها الاستفزازية، بما في ذلك دعم المليشيات المسلحة والتدخل في شؤون الدول الأخرى، كخطوة ضرورية لتهيئة بيئة أكثر هدوءًا تمهيداً لإنهاء الحرب وفتح صفحة جديدة قائمة على التفاهم بدلاً من الصراع.

00:10 | 27-03-2026

ماذا تريد إيران؟!

لعقود ظل المجتمع الدولي يراقب بقلق متزايد مسار التطوير العسكري المتسارع في إيران، ذلك أن النظام الإيراني لم يكتفِ بتعزيز قدراته العسكرية التقليدية، بل اتجه إلى بناء منظومة عسكرية متكاملة تشمل برنامجاً نووياً وصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، وهي أدوات عسكرية لها تأثير إستراتيجي كبير يتجاوز حدود حماية الدولة، وقد أثار هذا التوسع في تعزيز القدرات العسكرية تساؤلات واسعة وغضبًا متزايدًا في أوساط المجتمع الدولي، خاصة في ظل المخاوف من أن يؤدي هذا التطوير إلى اختلال التوازن الأمني في المنطقة.

من الطبيعي أن تسعى أي دولة إلى تعزيز قدراتها الدفاعية لحماية أمنها القومي، لكن يبدأ القلق عندما يترافق هذا التطوير مع سياسات توصف بالتصعيدية أو غير المستقرة، فعندما تقوم دولة بتطوير أسلحة متقدّمة مثل الصواريخ بعيدة المدى أو تسعى لامتلاك قدرات نووية، يصبح من حق المجتمع الدولي أن يتساءل عن الهدف الحقيقي من امتلاك هذه القدرات، فالتاريخ الحديث أثبت أن انتشار الأسلحة ذات القدرة التدميرية الكبيرة قد يؤدي إلى سباقات تسلح خطيرة، ولاسيما في المناطق التي تشهد توترات سياسية وأمنية متكررة مثل منطقة الشرق الأوسط.

وعندما تكون الدولة التي تطوّر هذه الأسلحة متّهمة بدعم جماعات مسلحة في عدة مناطق بالعالم، فإن المخاوف الدولية تصبح أكثر تبلوراً، والسؤال الذي يتردد في أروقة السياسة الدولية لا يتعلق فقط بامتلاك إيران لهذه القدرات العسكرية، بل بالكيفية التي قد تستخدم بها هذه القدرات، وما إذا كانت ستظل ضمن إطار الردع الدفاعي أم ستتحوّل إلى أدوات لفرض النفوذ أو الضغط السياسي.

نظام طهران يؤكد من جهته باستمرار أن تطوير قدرات إيران العسكرية حق سيادي لا يمكن التنازل عنه، وأنه يسعى فقط إلى حماية أمنه القومي، غير أن مفهوم «الحق» في العلاقات الدولية ليس مفهومًا مطلقًا، بل يرتبط دائمًا بمدى احترام أمن الآخرين واستقرارهم، أما الحق الذي يقترن بإيذاء الآخرين أو تهديد أمنهم لا يمكن اعتباره حقًا مشروعًا، بل يعاد تعريفه باعتباره مصدر قلق وعدم استقرار.

وفي ظل الحرب الحالية، يبدو أن طهران تحاول إدارة الصراع بأسلوب يتجاوز حدود المواجهة المباشرة مع خصومها، فبدلاً من أن يظل الصراع محصورًا بينها وبين الأطراف التي تواجهها عسكريًا، وجدناها وقد سعت إلى توسيع دائرة التوتر في المنطقة من خلال استهداف دول ليست طرفًا مباشرًا في الحرب الدائرة ضدها، ولا شك أن هذه الإستراتيجية قد تعكس محاولة لخلط الأوراق وإعادة صياغة معادلة الصراع، بحيث يصبح إقليميًا بدلاً من أن يبقى محصورًا في نطاق ضيق.

ضمن هذا السياق، برزت دول الخليج كإحدى الساحات التي سعت إيران من خلالها لتوجيه رسائل سياسية وعسكرية في الوقت ذاته؛ فاستهداف هذه الدول أو تهديد أمنها يخلق حالة من القلق، خاصة أن المنطقة تمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي بفضل دورها المحوري في إنتاج الطاقة وتأمين طرق الملاحة الدولية، ولذلك فإن طهران قد تراهن على أن تصاعد القلق لدى دول الخليج من اتساع نطاق الحرب قد يدفعها إلى ممارسة ضغوط سياسية على الولايات المتحدة من أجل وقف العمليات العسكرية أو الحد منها.

لكن هذا الرهان قد لا يكون دقيقًا كما تتصور إيران؛ فدول الخليج تدرك جيدًا حساسية المرحلة وخطورة الدخول في صراعات لا تخدم مصالحها المباشرة، ولهذا فهي تحرص على تبنّي سياسة متوازنة تقوم على حماية أمنها واستقرارها دون الانخراط في حرب لم تكن طرفًا في إشعالها، فالمملكة العربية السعودية على سبيل المثال تدرك أن الاستقرار الإقليمي هو ركيزة أساسية للتنمية والازدهار، ولذلك فهي لن تُستدرج إلى حرب ليست حربها.

أما السؤال الذي يظل مطروحًا في نهاية المطاف هو: ماذا تريد إيران فعلاً؟ هل تسعى إلى فرض واقع إقليمي جديد من خلال تعزيز قوتها العسكرية وخلق حالة من التوتر المستمر، أم أنها تستخدم التصعيد كورقة ضغط لتحقيق مكاسب سياسية؟ من المؤكد أن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير مستقبل الاستقرار في المنطقة.

يقف الشرق الأوسط اليوم أمام لحظة مفصلية؛ فقد تقود السياسات التصعيدية إلى تدشين مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، وقد تفتح الدبلوماسية الباب أمام تفاهمات جديدة تخفف من حدة التوتر، وفي النهاية يبقى الخيار بيد طهران: إما أن تعيد النظر في نهجها وتطمئن جيرانها والعالم، أو تستمر في مسار يزيد من عزلتها ويعمّق الشكوك حول أهدافها الحقيقية في المنطقة.

00:04 | 20-03-2026

تداعيات الحرب على إيران

تعيش منطقة الشرق الأوسط حالياً واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، في ظل تصاعد المواجهة العسكرية مع إيران وما تحمله من أبعاد سياسية وأمنية واقتصادية تتجاوز حدودها الجغرافية، فالحرب الدائرة في الوقت الراهن لا ترتبط بحدث عابر، بل هي نتيجة تراكمات معقدة تقاطعت فيها الملفات النووية بالصراعات الإقليمية بالحسابات الدولية الدقيقة، ويأتي في مقدمة كل ذلك سعي إيران لتطوير قدراتها النووية وبعض الصناعات العسكرية الأخرى كالصواريخ الباليستية والمسيّرات التي تمثّل تهديداً صارخًا لأمن دول الجوار، والتي ظلت لسنوات محور شد وجذب بين طهران والقوى الغربية، فتعثر الاتفاقات الدولية وارتفاع نسب تخصيب اليورانيوم وغياب الضمانات المتبادلة، كانت جميعها من ضمن العوامل التي أدّت إلى التصعيد المتدرج بينهم والذي انتهى بمواجهة عسكرية مباشرة.

إلى جانب ذلك لعبت حروب الوكالة دوراً محورياً في إشعال فتيل الأزمة؛ فقد اتُهمت طهران بدعم أطراف مسلحة في عدة صراعات إقليمية، وهو ما أدّى إلى توتر متزايد مع عدد من دول المنطقة، وباندلاع الحرب بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل يبرز هذا السؤال الملح: هل نحن أمام حرب محكومة بأهداف تكتيكية، أم أن تلك أحداث هي بداية لصراع طويل قد يفضي إلى تغيير جذري في الداخل الإيراني؟.

تشير غالبية المعطيات إلى أن القوى الدولية المنخرطة في الأزمة تسعى -حتى الآن- إلى إضعاف قدرات إيران العسكرية وتقليص نفوذها الإقليمي، غير أن استمرار الضربات واتساع نطاقها قد يضعفان البنية الاقتصادية والسياسية للنظام على المدى المتوسط أو الطويل، خاصة في ظل ضغوط العقوبات وتراجع العملة المحلية واحتقان الشارع الإيراني.

في المقابل يثير سلوك طهران تجاه بعض دول الخليج تساؤلات حول جدوى التصعيد؛ فاستهداف المدن الخليجية ومنها المصالح النفطية أو التلويح بإغلاق الممرات البحرية لا يحقّق مكاسب إستراتيجية دائمة، بل قد يؤدي إلى توسيع نطاق الحرب واستدعاء تدخلات دولية أوسع، وقد ترى القيادة الإيرانية أن فتح جبهات جديدة للحرب من خلال استهدافها لدول الخليج وبعض الدول الأخرى يمنحها ورقة تفاوضية، لكن هذا التكتيك يحمل مخاطر كبيرة، إذ قد يحوّل الصراع من مواجهة محدودة إلى تحالف إقليمي ودولي أكثر صرامة ضدها.

من المؤكد أن منطقة الخليج العربي تعد شرياناً حيوياً للطاقة العالمية، وأي اضطراب فيها ينعكس فوراً على الأسواق العالمية، وقد شهدت أسعار النفط ارتفاعاً ملحوظاً مع كل تصعيد، وسط مخاوف من تعطّل الإمدادات أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز، ويعد مضيق هرمز قضية محورية بامتياز في هذا الصراع؛ حيث يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية، وأي تهديد بإغلاقه أو استهداف السفن التجارية العابرة فيه يرفع من تكلفة التأمين والشحن، ويؤثر مباشرة على اقتصادات الدول المستوردة والمصدّرة على حد سواء.

لا شك أن أي تصعيد عسكري بالقرب من المضيق قد يدفع شركات الشحن العالمية إلى تقليل حركة المرور في المنطقة وإعادة تقييم مساراتها والبحث عن مسارات بديلة خشية المخاطر الأمنية، وفي حال تعرّض الملاحة في مضيق هرمز لأي تعطيل، فإن ذلك لن يؤثر فقط على دول الخليج المصدّرة للنفط، بل سيمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، فمن المرجح أن يؤدي الصراع إلى ارتفاع أكثر في أسعار النفط وزيادة الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية، مما يجعل أمن هذا الممر البحري قضية دولية تتجاوز حدود المنطقة.

من الملاحظ أن تداعيات الحرب على إيران تتسع سواء على المستوى السياسي أو الأمني، ولاسيما أن إيران تتعمّد استهداف دول ليست طرفًا مباشرًا في الصراع، ورغم أن الدول التي تضررت من اعتداءات إيران حتى الآن وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية قد اختارت الحياد وتجنّب الحرب، فإن ذلك لا يعني أن ما حدث يمكن تجاوزه بسهولة، فالهجمات التي طالت أراضيها قد رسّخت في الذاكرة السياسية صورة السلوك الإيراني المتهور، وأعادت تأكيد المخاوف القديمة من أن أدوات القوة التي طوّرتها طهران لم تكن موجّهة فقط لحماية أمنها القومي كما كانت تدّعي، بل يمكن استخدامها للضغط على دول الجوار واستهدافها، لذلك قد تجد إيران نفسها بعد انتهاء الحرب أمام بيئة إقليمية أكثر حذراً وأقل ثقة بنواياها، وهو ما قد ينعكس على علاقاتها السياسية والأمنية في المنطقة للعديد من السنوات القادمة.

00:25 | 13-03-2026

جدوى العقوبات الدولية..

لطالما استُخدمت العقوبات الدولية كأداة حاسمة للضغط على بعض الدول للانصياع لقرارات المجتمع الدولي وإنهاء الصراعات، أو كمحاولة لحملها على التخلي عن سلوكياتها العدائية والانضمام للمجتمع العالمي السلمي، وعلى الرغم من اللجوء كثيراً لهذا السلاح إلا أنه من الملاحظ أنه نتائجه تبدو ضعيفة للغاية بل وغير مؤثرة في الكثير من الحالات، فغالباً لا توجد نتائج واضحة أو متبلورة لسلاح العقوبات الدولية، كما أنه من الملاحظ أنه ليس لها دور كبير في تغيير سلوك دولة ما أو انصياعها لما يطلبه منها المجتمع الدولي الذي فرض عليها تلك العقوبات، إلى الحد الذي بدا وكـأن العقوبات تطيل عمر الأزمات وليس العكس!.


تصنف العقوبات الدولية على أنها أداة ضغط سياسي فعال وبديل حضاري ودبلوماسي عن الحرب، غير أن الواقع بتجاربه المتعددة أثبت أن الأمور أكثر تعقيداً بكثير مما يروج له، فعلى سبيل المثال فقط لا الحصر، تم فرض عقوبات عديدة ومختلفة على إيران منذ عقود، وما إن تُرفع حتى يُعاد فرضها مرة أخرى بشروط أصعب وبطريقة يصعب تفاديها، غير أنها على الرغم من كل ذلك لم تأتِ بأي نتيجة مرجوة منها، ولم تمنع وقوع الحرب الدائرة ضدها حتى لحظة كتابة هذه السطور.


من المؤكد أن هناك العديد من الأسباب التي تقف خلف ضعف وإضعاف تأثير العقوبات الاقتصادية على سبيل المثال، والتي يبدو وكأنها لا تمس جوهر القرار السياسي، غير أن أهمها هو تداخل العنصر السياسي والاقتصادي معاً، فالدول لا تتخذ قراراتها بمنطق الربح والخسارة فحسب، بل تتداخل لديها اعتبارات السيادة والهيبة وسمعة النظام السياسي الحاكم، وهو ما يؤدي بطبيعة الحال لإلقائها عبء العقوبات الاقتصادية على الشعب وعلى الشرائح الاجتماعية الأكثر فقراً رغم عدم قدرتها على تحمل تلك العقوبات، مما يرشح استمرار الأزمة لفترات طويلة دون أن تتأثر النظم الحاكمة جوهرياً بنتائج تلك العقوبات على نحو جذري.


كما أن الانصياع لقرارات خارجية مفروضة يجعل الأنظمة الحاكمة تبدو كما لو كانت العنصر الأضعف في مواجهة القوى الخارجية التي تسعى لفرض قراراتها ولي عنق سيادتها، وهو ما يثير حساسيات عميقة لدى غالبية الشعوب، مما يسهل على تلك الأنظمة استغلالها لإعادة التماسك والترابط بين صفوف الشعب، ويجعله أكثر استعداداً للتضحية وتحمل التكاليف الباهظة لتلك العقوبات، حيث تعمل الآلة الإعلامية لتلك الدول في هذه الظروف على تصوير تلك العقوبات على أنها نوع من الحصار أو الاستهداف أو السعي للتأثير على القرارات السيادية للدولة.


من المؤسف أن نجد النتائج المتوقعة لتلك العقوبات تسير في الاتجاه الخاطئ بل والعكسي في الكثير من الأحيان، فالعقوبات لا تقع على صاحب القرار الذي يجد الكثير من الوسائل والطرق للالتفاف عليها، بل تقع على الشعوب وعلى بعض القطاعات الأكثر حيوية التي تفتقد وقتذاك للتمويل الكافي –مثل الصحة والتعليم- مما يؤدي لتدهورها وتدهور خدماتها بشكل كبير.


لاشك أن التلويح بسلاح العقوبات الدولية لا يفتح مسارات التفاوض بل يغلقها، ولو نظرنا للعقوبات الموجهة ضد بعض السياسيين باعتبارها تبدو كما لو كانت أكثر دقة وإنصافاً من العقوبات الشاملة، نجد أنها في حقيقة الأمر محدودة النطاق والفاعلية، فاستهداف شخصيات بعينها لا يعني بأي صور من الصور تأثير ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر على القرار السياسي لدولة ما، وبخلاف ذلك عادة ما تملك تلك الشخصيات شبكات مالية معقدة ذات واجهات مراوغة، وقد يملكون أسماءً بديلة وهويات مختلفة، ولديهم قدرات كبيرة على التلاعب وغسل الأموال والاستفادة من ثغرات أي نظام والالتفاف على أي قيود.


من المعتاد أن يتم التعامل مع العقوبات في بعض الأحيان على أنها الحل الأبسط لإدارة أي أزمة، فبمجرد أن تلوح أي أزمة يتم إشهار سلاح العقوبات بدلاً من الانخراط في مفاوضات جادة لتسوية الأزمات بجدية، وغالبية الدول التي تقع عليها عقوبات تتكون داخلها شبكات غير رسمية من ذوي المصالح الذين يسعون للاستفادة من فرض العقوبات على نحو يضر بمجتمعات تلك الدول، مما يضعفها ويزيد من معاناتها على المدى الطويل، ولاشك أن كل ذلك لا يعني التخلي عن فكرة فرض العقوبات الدولية، بل هي محاولة لوضعها في المسار الصحيح بحيث تكون جزءاً من رؤية متبلورة لحل أزمة ما، وليست مجرد مسار عقابي منفرد يمثل مشكلة بحد ذاته.


dr.mufti@acctecon.com


@Prof_Mufti

01:06 | 6-03-2026

الضجيج.. لا يصنع سياسة!

في الوقت الذي تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط المزيد والمزيد من الاضطرابات، وتعاني فيه بعض دولها من صراعات حادة وتوترات عميقة، تظهر بعض التصريحات هنا وهناك لتزيد من تفجر الموقف في منطقة تعيش بالفعل فوق صفيح ساخن، وهي التصريحات التي إن دلت على شيء فهي تدل على انعدام الدبلوماسية وافتقاد الرؤية والافتقار للحكمة في التعامل مع الأمور بروية، وذلك في الوقت الذي تحتاج فيه المنطقة لخطاب موضوعي جاد يقرب وجهات النظر المتباعدة، وجهوداً مكثفة لتهدئة مخاوفها.

وفي الوقت الذي تتسارع فيه حدة التصريحات غير الملائمة وتتضخم خلاله نبرة الخطاب العدائية بمفرادتها المتشنجة، تتزايد المخاوف من اندلاع الكثير من الصراعات المختفية تحت السطح الذي يعج بالكثير من الخلافات المزمنة، غير أن التجارب التاريخية جميعها أثبتت بما لا يقبل الجدل أن الضجيج والتصريحات العدائية المستفزة مهما بلغت حدتها أو عنفوانها لا تصنع سياسة ولا تقترح حلولاً، بل تزيد الأمور اشتعالاً وتفرغ القضايا من مضمونها، وفي الوقت الذي علت فيه الأصوات الحكيمة وعلى رأسها المملكة العربية السعودية داعية لكبح جماح التصريحات العدائية الحادة، تتمادى فيه دول أخرى بإطلاق التصريحات المستفزة جزافاً دون إدراك كافٍ بعواقبها أو اكتراث حقيقي بالنتائج المترتبة على إطلاقها.

ولعل التصريحات الأخيرة للسفير الأمريكي لدى إسرائيل بأن «سيطرة إسرائيل على الشرق الأوسط أمر مقبول» تعد نموذجاً صارخاً لهذا النمط من التصريحات التي لا تعدو أن تكون مجرد ضجيج في الفضاء السياسي، لا تقدّم أي فائدة بل توغر الصدور وتزيد الاستفزازات، ففي الوقت الذي لم تجف فيه دماء عشرات الألوف من الأبرياء في غزة بعد ممن تمت إبادتهم جماعياً في ظروف لا إنسانية تعد هي الأقسى بلا منازع في التاريخ الحديث، وعلى نحو غير مسبوق، تبدو تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل نموذجاً معبراً لهذا النوع من الضجيج والصخب السياسي، وهي التصريحات التي أثارت موجة من الغضب والجدل والاستهجان بين عموم دول المنطقة، فهي لا تعكس فقط افتقاد السفير الأمريكي للحس الدبلوماسي وعدم إدراكه لحساسية السياق الإقليمي ومدى ما يمكن أن تثيره أو تترتب عليه تلك التصريحات، بل تثير لدى الجميع شعوراً بالنفور العميق مما قد تحمله تلك التصريحات.

من المؤكد أن تلك التصريحات التي أقل ما توصف بها بأنها غير ملائمة، تتسق مع الكثير من التصريحات العدائية.

من المؤكد أن منطقة الشرق الأوسط هي منطقة متعددة القوى والتوازنات، وقد أثبتت التجارب التاريخية أنه لا يوجد بها دولة واحدة لها اليد العليا أو قوة مسيطرة بشكل مطلق، فادعاءات السيطرة المطلقة ليست أكثر من مجرد وهم سياسي لم يتمكن من الصمود أمام عقبات الواقع وتعقيداته، فعقيدة التفوق التي تسيطر على عقول وقلوب الساسة الإسرائيليين ومن يدعمهم تقوض استقرار المنطقة وتزيد الفجوة بين إسرائيل وبين دول المنطقة، كما أن صدور هذه التصريحات من وسيط يفترض منه الموضوعية والحياد يضعف دور الدبلوماسية الأمريكية، ويجردها من دورها التاريخي كقوة عظمى تسعى لإحلال الأمن والاستقرار في ربوع العالم.

من المؤكد أن السياسة الرشيدة تقوم على إدارة مصالح جميع الأطراف بما يحقق لهم أهدافهم بأقل قدر من الخسائر الممكنة، ولذلك فهي تعتمد على احتواء الخلافات وبناء التفاهمات عبر القنوات الدبلوماسية المعلنة وغير المعلنة، والتصريحات السياسية جزء لا يتجزأ من أي عملية سياسية، فهي لسانها الناطق والمتحدث الرسمي باسمها، والذي يجب أن يتحلى باللياقة والحكمة وسرعة البديهة، والتصريحات العدائية قد تحقق مكاسب تكتيكية مؤقتة، غير أنها ترشح الأزمات للاستمرار وعلى نحو بعيد المدى، وفي منطقة الشرق الأوسط التي أنهكتها جراح الصراعات لعقود، يبدو الضجيج السياسي نوعاً من الحماقة التي تطيل عمر الأزمات، فكل ما نحتاج له هو سياسة هادئة حكيمة مبنية على الحوار والاعتراف بالحقائق التاريخية واحترام التوازنات الدقيقة في المنطقة.

00:25 | 27-02-2026