نفى العلامة أبو بكر الجصاص ان يكون يوم النحر من جملة الايام المعدودات وان ما روي فيه وهم، وهو بهذا يتفق مع مذهب المالكية، وذلك في العبارة التالية:
«ولا خلاف بين اهل العلم ان المعدودات ايام التشريق، وقد روي ذلك عن علي وعمر، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم، الا شيئا رواه ابن ابي ليلى عن المنهال، عن زر، عن علي قال: المعدودات يوم النحر ويومان بعده، اذبح في ايها شئت، وقد قيل: ان هذا وهم، والصحيح عن علي انه قال: ذلك في المعلومات، وظاهر الآية ينفي ذلك ايضا، لانه قال: }فمن تعجل في يومين فلا ثم عليه| وذلك لا يتعلق بالنحر، وانما يتعلق برمي الجمار، والمفعول ايام التشريق.
اما فيما يتصل بعدم عد يوم النحر بينها، فلأن هذا اليوم مشترك بين مناسك المزدلفة ومناسك منى، فلم يخلص لمنى، فلم يعد من بين ايامها، هذا هو قول الجمهور، يقول في توضيح هذه الحقيقة الشرعية وتحليلها العلامة الفقيه ابو بكر محمد بن العربي: (واعلموا ان ايام منى ثلاثة، روى الترمذي والنسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (من ادرك عرفة قبل ان يطلع الفجر فقد ادرك، ايام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه) فلما قال الله تعالى }فاذا افضتم من عرفات| وذلك بعد غروب الشمس من يوم عرفة }فاذكروا الله عند المشعر الحرام|، وذلك الغد من يوم النحر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حسبما تقدم، ثم افيضوا الى منى على التقدير المتقدم.. فصار ذلك اليوم اوله للمشعر الحرام، وآخره لمنى، فلما لم يختص بمنى لم يعد فيها، وصارت أيام منى ثلاثة سوى يوم النحر، لانه اقل الجمع في الاظهر عند الاطلاق حسبما بيناه في كتب الاصول، وبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بالعمل الذي يرفع الاشكال، قال حينئذ علماؤنا: اليوم الأول غير معدود، لانه ليس من الايام التي تختص بمنى في قوله تعالى }واذكروا الله في أيام معدودات| ولا من التي عناها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ايام منى ثلاثة) وكان معلوما، لان الله تعالى قال: }ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الانعام|، ولا خلاف ان المراد به النحر، وكان النحر في اليوم الاول وهو الاضحى، والثاني، والثالث، ولم يكن في الرابع نحر باجماع علمائنا فكان الرابع غير مراد في قوله تعالى }معلومات| لانه لا ينحر فيه، وكان مما يرمي فيه، فصار معدودا لاجل الرمي غير معلوم لعدم النحر فيه.
اما الايام المعلومات فينحصر الخلاف في تعيينها في المذاهب الاربعة في رأيين: الاول: رأي المالكية والحنفية السابق.
الثاني: هي الايام العشر عند الامام ابي حنيفة والامام الشافعي وقول الجمهور من التابعين منهم الحسن ومجاهد، وعطاء، والضحاك، وابراهيم النخعي واخرون.
يقول العلامة عماد الدين محمد الطبري المعروف بالكيا الهيراسي وعن ابي حنيفة: المعلومات: العشرة ولم يختلف قول ابي حنيفة في ذلك كما لم يختلف قول الشافعي.
استدل لهذا الرأي بالآثار المروية عن بعض الصحابة وبالادلة اللغوية: وما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما باسناد صحيح ان (المعلومات) العشر، و (المعدودات) ايام التشريق.. وذكر اهل اللغة: ان (المعدودات) منفصلة عن (المعلومات) بدلالة اللفظ على افتراقهما في باب العدد، وذلك لانه وصفها بالمعدودات دلالة التقليل، كقوله تعالى }بخس دراهم معدودة|، وانما يوصف بالعد اذا اريد به التقليل، لان يكون نقيض كثيرة: قليل وكثير، فعرفت المعدودات بالتقليل، وقيل للاخرى (معلومات) فعرفت بالشهرة، لانها عشرة، ولم يختلف اهل العلم ان ايام منى ثلاثة: يوم النحر، وبعد ان للحاج ان يتعجل في اليوم الثاني منها اذا رمى الجمار وينفر، وان له ان يتأخر الى اليوم الثالث حتى يرمي الجمار فيه ثم ينفر.
تناول العلامة الشيخ محمد الامين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي الخلاف في تحديد المقصود من (الايام المعلومات) والاستدلال لكل رأي باسهاب وتفصيل وانهى البحث فيه قائلا: (والتحقيق انشاء الله في هذه المسألة: ان الايام المعدودات هي ايام التشريق التي هي ايام رمي الجمرات، وحكى عليه غير واحد الاجماع، ويدل عليه قوله تعالى متصلا به }فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه| الآية، وان (الايام المعلومات) هي ايام النحر فيدخل فيها يوم النحر،
واليومان بعده، والخلاف في الثالث عشر هل هو منها؟.. وقد رجح بعض اهل العلم ان الثالث عشر منها، ورجح بعضهم انه ليس منها.
خامسا: حدود منى الشرعية
«حدها من وادي محسر الى جمرة العقبة، ووادي محسر، وجمرة العقبة ليسا من منى، وفي الاثار ما يؤيد هذا روى العلامة الازرقي بسنده الى ابن جريج قال: قلت لعطاء: اين منى؟ قال: من العقبة الى محسر، قال عطاء: فلا احب ان ينزل احد الا فيها بين العقبة الى محسر حدثنا ابو الوليد، قال حدثني جدي، اخبرنا مسلم عن ابي جريج قال: اخبرنا نافع، قال: كان ابن عمر يقول، قال عمر: «ولا يبيتن احد من الحجاج وراء العقبة حتى يكونوا بمنى، ويبعث من يدخل من ينزل من الاعراب من وراء العقبة حتى يكون بمنى.
هذه الحدود متفق عليها في الراجح من المذاهب الاربعة، وسيأتي عرض لنصوص كل مذهب.
في ضوء هذا التحديد لحدود منى المتفق عليه بين المذاهب الاربعة رسمت حدود منى في الوقت الحاضر ووضعت في اطرافها من كل جهة وصوب لوحات ارشادية لبدايتها ونهايتها مرفوعة الى اعلى بمقدار ستة امتار في خط عريض، وبألوان ظاهرة ملفتة على لوحات من الصاج، مرفوعة على اعمدة حديدية، بحيث لا تنالها الرياح، وفي مرحلة تاريخية سابقة شيدت العلامات الارشادية بناء بالحجر والاسمنت المسلح، وما زالت قائمة، وفي اشكال هندسية متميزة وقد وضعت تحت اشراف هيئة شرعية، وفيما يلي نصوص المذاهب الاربعة على تعيين هذه الحدود.
مذهب الحنفية:
جرى المذهب على عدم جعل العقبة من منى، بل هي حد خارج عنها، يقول ملا علي قاري رحمه الله (اعلم ان منى شعب طوله ميلان، وعرضه يسير والجبال المحيطة به ما اقبل منها عالية فهو منها، وليست العقبة منها.
قال في رد المحتار عند قول الماتن (ورمي جمرة العقبة) ما نصه: (هي ثالث الجمرات على حد منى من جهة مكة وليست من منى، ويقال لها الجمرة الكبرى، والجمرة الاخيرة).
مذهب المالكية:
العقبة وما وراءها من جهة مكة المكرمة لا تعد من منى، ولذا اوجبوا الدم على من بات عند العقبة او بعدها من جهة مكة، وهو ما ورد نصا في قولهم: (ومن بات وراء العقبة التي عندها الجمرة ليلة، او حلها فليهد، رواه ابن المواز عن مالك).
مذهب الشافعية:
وضح العلامة ابن الصلاح حدود منى، ولم يعد العقبة جزءا منها في عبارة صريحة قائلا (ومنى حدها: ما بين محسر الى العقبة التي ترمي اليها جمرة العقبة).
ومنى شعب طوله نحو ميلين، وعرضه يسير، والجبال المحيطة به ما اقبل منها علي فهو منى، وما أدبر منها فليس منى، ومسجد الخيف في اقل من الوسط مما يلي مكة، وجمرة العقبة في آخر منى مما يلي مكة.
وليست العقبة التي تنسب اليها الجمرة من منى، وهي العقبة التي بايع رسول الله عندها الانصار قبل الهجرة.
مذهب الحنابلة:
يتفق الحنابلة مع المذاهب الثلاثة السابقة في حدود منى، وانها (من وادي محسر الى جمرة العقبة، ووادي محسر وجمرة العقبة ليسا من منى)،
حينئذ فالمعتد به في حدودها هو (ما بين وادي محسر وجمرة العقبة) رقعة منى رقعة محدودة المساحة، وهي مكان اقامة الحجاج ولأيام عديدة، تتجلى سماحة الاسلام ويسر تشريعاته حين يزدحم الحاج، ويضيق المكان ويتحدد الزمان، ويضعف الانسان، او تضيق عنده ذات اليد لاكمال النواقص وتعويض الواجبات، الاخذ بالمقصد التشريعي التيسير والسماحة هو المخرج من هذا المأزق الحرج؟.
قال ابو الوليد اسم الجبل الذي مسجد الخيف باصله (الصفائح) واسم الجبل الذي وجاهه على يسارك اذا اتيت من مكة: القابل، وهو من الأثبرة».
سادسا: فضائل منى:
ذكر العلامة الازرقي رحمه الله تعالى تحت عنوان (ما جاء في مسجد الخيف وفضل الصلاة فيه)، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: صلى في مسجد الخيف سبعون نبيا، كلهم مخطمون بالليف.
وعن ماجد انه قال: حج خمسة وسبعون نبيا كلهم قد طاف بالبيت، وصلى في مسجد منى فان استطعت ان لا تفوك الصلاة في مسجد منى فافعل.
وعن ابن جريج، عن عطاء قال: سمعت ابا هريرة يقول: لو كنت من اهل مكة لاتيت مسجد منى كل سبت.
منى التاريخ والتشريع- الحلقة الثانية
«الأيام المعلومات» وحدود منى الشرعية
29 ديسمبر 2006 - 21:42
|
آخر تحديث 29 ديسمبر 2006 - 21:42
تابع قناة عكاظ على الواتساب
د. عبدالوهاب ابو سليمان