ما أدري بالضبط عن السنة اللي جرت فيها هاذي الحكاية.. المعلوم عندي انها في بداية ظهور السيارات.. كانت السيارات أندر من الحمير في وقتنا..
سألت أبو رقروق.. لأنه كبير في العمر ويعرف أمور كثيرة.. فقال لي « قبل ولادة الشيخ حوّاس بسنتين.. اسأل الشيخ حوّاس يا ولدي.. «.. فسألت الشيخ حوّاس فقال لي وهو ما ودّه « والله ما أدري.. لكن أنا حول الستين.. يعني ثمان وخمسين.. تسع وخمسين.. حول كذا.. «.. أنا أدري إنه قامز الثمانين.. لكنّه يخـطّـب.. يدّور مريّـة حلال.. يقول إنه ما يجوز للمسلم يلقى ربّه وهو أعزب.. ولا ودّه يفضح نفسه.. فعلمت أني جيته في الوقت غير المناسب..
تركته.. ولا أرى أن معرفة السنة اللي صارت فيها حجّة أبو دوّاس مهم..
الشيء المعلوم أنها صارت تاريخ فيقول الناس جرى هاذا الأمر قبل حجّة أبو دوّاس أو بعدها بسنة.. فلان مولود سنة حجّة أبو دوّاس.. صارت تاريخ..
أقنعت الجماعة أبو دوّاس بالحجّ.. خاصة أنه صار عند أبو دوّاس سيارة.. اقتنع وفرح.. تجهزوا للرحلة.. كانوا ثمانية عشر رأس.. عشرة رجال وثمان نساء.. زوجات وأمهات..
أوقف سيارته كالعادة خارج المدينة.. وقد جعل خشم السيارة تجاه المدينة المنوّرة..
جاء المسافرون.. وأهاليهم.. والمودّعين على الحمير.. وبعضهم يمشي.. كان الغبار يسبقهم ويرتفع في الهواء.. وزاد الطين بلّة أن فرحان الراعي جاء ومعه أغنامه.. لا يريد أن تفوته فرصة التوديع.. فلعلّ أحدهم يذكره فيحضر له هديّة عند عودتهم.. أوقدوا النيران.. بعضها للقهوة والشاي.. وبعضها للطبخ.. الليلة سيتعشون هنا جميعا.. المسافرين والمودعين.. وسينامون هنا.. وإذا صلوا الفجر يمشون بسلامة الله.. هاذا رأي عقيدهم أبو دوّاس..
أحضروا الطبول والدفوف.. و جلسوا في صفّين متقابلين.. وغنّوا أغاني السامري.. ثم وقفوا وغنوا أغاني العرضة.. النساء واقفات وجالسات قريبا منهم.. كل وحدة منهن تراقب من يخصها.. ورقصوا في العرضة رقصا لم يرقصوه من قبل.. خاصة أبو داله.. لمّا لمح أم داله جالسة تراقبه..
كان أبو حمود مسؤلا عن الطعام والطبخ.. في مثل هالمناسبات الرجال هم اللي يطبخون ويحضرون الطعام للنساء..
بعد أن تعشوا.. وسلّموا انصرفت النساء راجعات لبيوتهن.. وحين ابتعدن قليلا عن ضوء النار ودخلن في الظلمة الخفيفة.. وقفن واستدرنا ومعهن أولادهن.. وبدأنا يغنين السامري.. أغنيتين أو ثلاث.. لزوم التوديع.. واحدة من الأغاني صدحن بها تقول « يا طير يا خافق الريش بلّغ سلامي وثنّه.. سلّم على أبو عكاريش اللي سبى العقل فنّه.. . «.. ودّهن بهاذه السامرية يثرن شوقهم..
حين صلّوا الفجر.. لم يبق إلا أن يركبوا السيارة ويتوكلوا على الله..
مشوا.. الطريق صعب ومتعب.. الشعبان تقطع عليــهم طريقهم دايما.. ومشيهم بطيء.. يتجهون مرّة جنوبا.. ومرّة شرقا.. ومرّة غـــربا.. حسب سهولة الأرض.. تضاريس الأرض تفرض عليـــهم قوانينـــها.. ثقـــتهم كلّهـــم بأبو دوّاس كــــبـيرة.. في المساء توقفوا للعـــشاء والمبــيت أشـعلوا النيران ودخل كل مـنــهم في اختصاصه.. جلست النساء في مكان والرجال في مكان.. شربوا من القـــهوة.. وبدأ الـــغـناء.. ثم نامــــوا يستريحــون.. وبعـد صلاة الفجـر تحـركوا.. أبو شـــايع وأبو حـمود من أهــم شخصياتهم في التدبير.. والترتيب والتــنظيم وتجـهيز الأكل والشــراب وإشعال النيران..
يمشون في النهار طوال النهار.. فقط يتوقفون للصلاة وقضاء الحاجة.. ثم يواصلون سيرهم.. وفي المساء يتوقفون وينامون..
تعاقبت عليهم الأيام.. وطالت.. وهم لم يصلوا إلا بعد تعب شديد لأبار علي.. أحرموا ثم واصلوا رحلتهم.. اقترح عليهم محيسن أن يمشوا في أوّل الليل.. وإلا لن يصلوا إلى مكة إلا بعد العيد.. محيسن معه أمّه وأخته زوجة أبو صالح.. راق الاقتراح للجميع إلا أبو صالح.. كان يخاف أن يتيهوا.. لكنهم أخذوا برأي محيسن.. وصاروا يمشون في الليل.. ويتوقفون منتصف الليل ليناموا ويرتاحوا..
أبو دوّاس يهتدي بالنجوم.. لكن السماء وكواكبها مو دايما على كيف أبو دوّاس.. تأتي الغيوم والسحب فتغطي كل أفلاك ونجوم السماء.. بدأوا يتيهون.. بدأوا يدخلون الصحراء.. ولقلقهم وكثرة آرائهم وتضاربها واختلافها زادوا تيها وضياعا.. فغضب أبو صالح وقال كلاما قاسيا لمحيسن لأنه صاحب مشورة المشي في الليل.. وحدثت معركة بين أبو صالح ومحيسن.. وزادت لمّا تدخلت أم صالح تحامي عن أخوها محيسن.. أبو صالح مثل البنزين سريع الاشتعال والجنون.. فطلّق أم صالح نكاية بها وبمحيسن.. حاولوا أن يتدخلوا لكنهم يعرفون جنون أبو صالح إذا غضب.. كان أبو دوّاس خطب أم صالح قبل أبو صالح لكن ما كان له نصيب.. فتحركت شجونه.. واشتعل في صدره شوق قديم.. بدأ يكثر من التلفت.. تصليح حاله.. وقبل ما يمشون.. يقف ويدور حول السيارة.. ويسأل ركّابه « هاه.. شلونكم ؟.. عسى أموركم زينة.. ؟.. لا تضيق صدوركم.. الحمد لله نمشي في رعاية الله.. «.. في إحدى المرّات جلس عند محيسن منفردا به.. وقال له « أبو صالح خبل يا محيسن.. ولا يستاهل أم صالح.. شف يالغالي.. ما أبي يقولون الناس أم صالح راحت حجّاجة معها زوج ورجعت مطلقة.. لا.. ما يرضيني.. ولا يرضيك يالغالي.. وأنا أم صالح من سنين وأنا شفق عليها.. وأبيها.. وترني خطبتها قبل أبو صالح لكن قسمة ونصيب.. واليوم أخطبها منك إنت وليّها.. وأمها معنا.. ولا فيه أزين إنها ترجع وهي زوجة لأبو دوّاس»..
في مكان لا يعرفونه.. يخمّنون ويظنون فقط.. أنهم شرق مكّة.. وبعضهم يقول شمال مكّة.. مكان جميل سالت شعبانه.. وأزهرت أعشابه وأشجاره.. وضعوا الخيام.. واشعلوا نيرانهم.. فقط أبو صالح.. كان خارجا منهم صامتا وغاضبا.. لا يتكلم.. ويجلس وحده.. ما هو قلق على أم صالح أو نادم.. يبدو أنه كان مبيّت النيّة على طلاقها من زمان.. أو الزواج من ثانية وتركها.. لكنه قلق على أشخاص أخذ منهم فلوس عشان يعمل لهم حجّات.. هاجت أشواقهم كلهم ذيك الليلة.. حتى أم محيسن بعد أن جلست في الخيمة وخرجت.. ولأن أبو محيسن في ذمّة الله.. حضر في ذهنها أبو حمود.. عمدة الرحلة.. كان يقوم بكل شيء ولا يجلس.. وكان طبخه يهبّل.. في ذيك الليلة.. كان أبو حمود قريبا من أم محيسن.. قالت له « ما شالله عليك يا بو حمود.. يا زين شغلك ويا زين دبرتك.. الله لا يحرمنا منك يالغالي.. ».. فأحس بنار اشتعلت في صدره.. كانت الكلمة الأخيرة يالغالي « مثل موجة بحر تدفقت عليه.. فمسح بيده على وجهه تملؤه ابتسامة مشرقة.. ومسك بيده شجيرة صغيرة بجواره وكأنه يمسك بلحيته لو كان له لحية.. قال « نبي رضاكم يا أم محيسن.. تدرين إنه أزين ما في هالرحلة إنك معنا يا لغالية.. والله من يوم دريت وعرفت إنك معنا حجّاجة طار قلبي من الفرحة.. «..
كان كل واحد منهم مولع بالثاني.. بدا يتكشف هالولع والعشق..
جلسوا يومين في مكانهم.. ما عاد الحجّ هو شاغله الأول.. إلا أبو صالح.. فكان وحده يضرس من الغضب والزعل.. بعد أربعة أيام كانوا في مكان آخر يقيمون حفلة عرس.. عرس أبو حمود على أم محيسن..
أربعة أشهر.. مدة غيابهم.. عادوا إلى نفس المكان.. مكان التوديع.. وكان الناس يستقبلونهم.. عملوا لهم حفل كبير.. عادوا وفيهم رجال تزوجوا.. ورجل واحد طلق زوجته.. كانت حكاية الناس سنة كاملة.. حتى صاروا يؤرخون بها.. فيقولون قبل أو بعد حجّة أبو دوّاس.
حجّة أبو دوّاس التاريخيّة
28 ديسمبر 2006 - 21:42
|
آخر تحديث 28 ديسمبر 2006 - 21:42
تابع قناة عكاظ على الواتساب
يكتبها: د. فهيد الحماد