ما انفك يدهشني مقدار الشبه ما بين مرض (السرطان) ومرض (العنصرية)، فكلاهما موجود في أي جسد وفي أي مجتمع، وكلاهما طفيلي يتغذى على غيره، وكلاهما مرض بمعنى أنه وضع غير سليم أو غير طبيعي، وكلاهما مرض خبيث بمعنى أنه قد يصعب اكتشافه بالرغم من وجوده، وكلاهما مرض سهل الانتشار، وأخيرا كلاهما مرض قاتل بمعنى أن انتشارهما سوف يقضي على الجسد في حالة مرض السرطان، وسوف يقضي على الأمة أو الدولة أو المجتمع في حالة مرض العنصرية.
فأولا كل من (العنصرية) و(السرطان) مرض أو وضع غير طبيعي ولا يمكن أن يقوم بحد ذاته وإنما يقوم على غيره، فالسرطان يتغذى على الجسد السليم، وكذلك العنصرية فلا تقوم بدون أن يكون هناك مجتمع تتغذى عليه، فلا تكون هناك (عنصرية) إلا إن كان هناك آخرون تمارس عليهم هذه العنصرية، فلا يعقل أن يعتقد شخص أنه أحسن من غيره إلا إن كان هناك غيره، ولا يمكن أن تعتقد قبيلة ولا منطقة أنها أحسن قبيلة أو أحسن منطقة إلا إن كانت هناك قبائل أو مناطق غيرها. وبالتالي فكل من السرطان والعنصرية هي أمراض أو أوضاع تقوم أو تتغذى على غيرها.
وللأسف السرطان موجود في أي جسد، فأي شخص لديه مليارات ومليارات من الخلايا، وهي في معظمها طبيعية والحمد لله، ولكن للأسف لابد أن تكون هناك خلايا سرطانية في أي جسد مهما كان صحيا أو طبيعيا، وكذلك بالنسبة للعنصرية، فمهما كان المجمتمع يتسم بالعدل والمساواة والأخوة إلا أنه من ضمن الملايين من الأفراد لا بد أن يكون هناك بعضهم ولو أقلية مريضا بمرض العنصرية. وبالتالي فإن كلا من مرض العنصرية ومرض السرطان موجودان في أي جسد.
وفي كلتا الحالتين الخطورة لا تكمن في وجود خلايا سرطانية أو وجود أفراد لديهم عنصرية وإنما في نسبة تواجد هذه الأمراض، فإن كانت محصورة ومحددة في أضيق الحدود فإنها لا خطر منها، ولكن أن انتشرت فهنا يكمن الخطر، والمؤسف أن كلا من مرض السرطان ومرض العنصرية قابل للانتشار بل إنه سهل الانتشار، فأعراض العنصرية لذيذة المذاق وسهلة القبول (إلا لمن رحم ربي)، فمن منا لا يحب أن يسمع أنه من أفضل الناس وأهم الناس وأشرف الناس وأجدع الناس و و و ...، هذا الإطراء الجميل يسهل تقبله والإيمان به، وبالتالي فإن انتشار العنصرية ليس صعبا بل إنه في غاية السهولة، وبالذات في المجتمعات المتخلفة عقائديا وعلميا وحضاريا.
أخيرا نأتي لخطورة هذين المرضين، فالسرطان كما لا يخفى علينا يؤدي انتشاره إلى طغيان الخلايا المسرطنة على أية خلايا أخرى وبالتالي القضاء عليها، فالورم السرطاني الذي هو في الرئة أو في الكبد أو غيرهما هو خلايا تتكاثر على حساب خلايا أخرى تؤدي أدوارا حيوية فتطغى عليها وتقضي عليها إلى أن تتعطل الأجهزة في الجسد، كالرئة أو الكبد أو غيرهما وينهار الجسد أمام التكاثر والتوسع أو الطغيان المستمر للخلايا السرطانية إلى أن تقضي الخلايا السرطانية على الشخص، وفي هذه الحالة تقضي أيضا على نفسها فيموت الشخص ومعه تموت خلاياه السرطانية، ويا لها من خلايا مدمرة فهذه قمة الدمار أن تقضي على نفسك كما تقضي على غيرك.
وهنا الشبه واضح جدا مع مرض العنصرية الذي عند انتشاره يطغى على غيره ويستمر في الانتشار إلى أن لا يبقى أحد مقبول للشخص العنصري إلا نفسه، وبالتالي يقضي على كل ما هو منتج في المجتمع ويعطل قدراته بل وينبذه لخارج المجتمع ما دام ليس راضيا عنه وهكذا العنصرية تمزق المجتمع إلى أن لا يبقى منه شيء ولا حتى العنصرية ذاتها والتي تنتهي بنهاية المجتمع الذي بدأت وانتشرت فيه، وهذا أيضا دمار شامل حيث يدمر المرء نفسه بعدما يدمر غيره. فالعنصرية لا تنتشر في شيء إلا ودمرته وبدون استثناء سواء كنا نتحدث عن أعظم الإمبراطوريات التاريخية أو على فريق كرة سلة، وبتدمير ما قامت عليه تتدمر هي ذاتها.
وواضح أنه في غاية الغباء أن تتوسع الخلية السرطانية لتقضي على الجسد التي هي أساسا عايشة عليه وبالتالي تقضي على نفسها، ولكن الخلية السرطانية ليس لديها مخ لتعقل ذلك، إما الإنسان العنصري والذي يتصرف بنفس الغباء، كنا نتوقع أن لديه مخا ليعقل مدى غباء ودمار العنصرية، وعلى أي تفاهات يتكبر ويتفاخر. «هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا». بالتالي فإن كلا من السرطان والعنصرية هما في غاية الدمار وفي غاية الغباء أن صح هذا الوصف للسرطان.
ولكن وبالرغم من كل هذا الشبه ما بين مرض السرطان ومرض العنصرية إلا أنه والحمد لله هناك فرق جذري في طريقة علاجهما. فالسرطان ليس له حل إلا البتر أو الحرق وخصوصا عندما ينتشر وقليل ما يستجيب للعلاج الطبيعي والسعي لتخليص الروح والنفس والجسد من السموم، بينما يبدو أن العكس صحيح في مرض العنصرية والذي يتم القضاء عليه تماما بتخليص النفس والروح من السموم، فعلاج أمراض القلب يأتي عن طريق نور الإيمان ونادرا ما يستجيب إلى الشدة أو الغلظة في العلاج وإنما إلى الإقناع والاقتناع أو الإسلام لكبرياء الله وحده ومساوات البشر تحته. «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم». صدق الحق.