تنقل في مواقف السيارات، يرمق المارة بنظراته، مريب في حركاته، سريع في خطواته، يبحث عن فريسته التي قرر الظفر بها في هجيع الليل.
تابعت المشهد وأنا خلف مقود سيارتي، كان أقرب إلى الخيال، إذ بالسارق يجوب ساحة اكتظت بها السيارات وملاكها في المطاعم الممتدة في أحد شوارع جدة.
ذهلت مما شاهدته، إذ أنه يجرب فتح باب سيارة، وإذا وجدها مغلقة اتجه لثانية وثالثة ورابعة، ولكن حدث ما لم يتوقع عندما أطلقت سيارة صوت الإنذار، اختفى بسرعة مذهلة حتى لا يفتضح أمره وتوارى عن الأنظار.
قررت أن أتابع المشهد رغم الوقت المتأخر بعد منتصف الليل، ترجلت من سيارتي وتنقلت في المواقف، وسرعان ما شاهدته يعود من الشارع الرئيسي صوب ساحة المواقف وعدت لموقعي السابق.
حاولت الاتصال بالعمليات، ولكن كان الخط مشغولا، ولم أشغل نفسي كثيرا خشية أن يختفي ويوقع السارق بضحيته، أدركت منذ عودته أنه لن يبرح الموقع دون تنفيذ مخططه الإجرامي.
مكث في الساحة بضع دقائق بحثا عن السيارة المناسبة، وبدأ يتابع الزبائن تارة، والمركبات تارة أخرى، في هذه الأثناء توقفت سيارة وغادرها قائدها قبل أن يطفئ المحرك وانقض عليها، لكن هيهات أن يظفر بها، ما كاد يقودها ويعود للخلف حتى توقفت خلفه سيارة وأعاقت حركته وأغلقت المنفذ الثاني ليتركها في وسط الشارع وينطلق في مطاردة على الأرجل مع صاحبها الذي شاهده وحاول ملاحقته للإمساك به، ولم يغامر في تجاوز الشارع الرئيسي وراء السارق لتفادي خطر الدهس.
تجمع الفضوليون حول صاحب السيارة وكنت أحدهم، البعض يحمدون الله على سلامته، والبعض يلومه على ترك السيارة مفتوحة ودون إطفاء المحرك، وعبارات وتحليلات وخلافه، انتهت الحالة وانصرف الجميع.
هذا المشهد أعادني إلى قصة حمال في حراج الماشية، سرعان ما تكاثرت ماشيته في فترة وجيزة، وبدلا من دخول السوق لتحميل أو تنزيل الأغنام والأبقار من السيارات، أصبح من الباعة والملاك، يسألونه عن المكسب الذي جعله ينافسهم في الحراج يرد عليهم «أهل الخير تحسنوا عليه»، لم تمض فترة حتى أمسك به صاحب حظيرة يقتاد أغنامه وتوعده بكشفه أمام الناس في الحراج، فرد عليه «عرفت أنها أغنامك، وأردت إخفاءها عنك من باب المزاح حتى لا تتركها عرضة للسرقة»، كان يزاول مهنته الإجرامية بقصد المزاح إذا افتضح أمره، أما إذا نجحت خطته تحقق له مراده.
أعود لما بدأته عن سرقة السيارات التي تفشت في الآونة الأخيرة، وأصبحت من أكثر الجرائم انتشارا، لدرجة أن شرط المناطق والمحافظات خصصت قسما خاصا للسيارات وتعقب الجناة، والأسباب التي أدت إلى وقوع مثل هذا النوع من الجرائم يعود إلى التفريط من قبل السائقين أنفسهم، ويريد الجاني إما استخدامها ومن ثم تركها بعد قضاء منفعته منها، أو لمزاولة هوايات كالتفحيط وعبث المراهقين، أو سرقتها لغرض تفكيكها إلى قطع غيار والتخلص من الأجزاء غير المستفاد منها، بينما هناك فئات تسطو على السيارات لسرقة ما بداخلها من مقتنيات أو أجهزة أو تشليحها في مواقعها.
الكارثة في هذه الجرائم أن بعض السيارات المسروقة لا يعثر عليها؛ لأنها هربت إلى خارج الوطن بالتحايل أو التهريب، ولا تتم من قبل عصابات، بل من قبل أفراد يستغلون الفرصة لتنفيذ جرائمهم.
هذا الواقع يتطلب وضع آليات محكمة لمراقبة المركبات من خلال شرائح في اللوحات وربطها بغرف العمليات لتتبع المركبات في حالات السرقات أو البحث عن مطلوبين، وهذا سيحد من السرقات أن لم يقضِ عليها، وفي المقابل، الظاهرة تتطلب تشديد المتابعة على ورش السيارات ومراكز التشليح لتضييق الخناق عليهم.
أخبار ذات صلة