ذات مرة مضى عليها زمن طويل قرأت للمرة الأولى خطاباً رسمياً موجهاً لأحد الوزراء من مسؤول يرتبط به، أعدت قراءة الخطاب وعددت كلماته فوجدت كلمة (معاليكم) تكاد تطغى على الموضوع المراد شرحه بشكل لا يحتمل، حاولت أن أشير لكاتب الخطاب بالتقليل من المبالغة في استخدامها فما كان منه إلا أن قال:- ألا تدرك بأننا نخاطب الوزير؟ ألا تعرف ماذا يعني الوزير؟؟
وذات مرة بعيدة أيضاً، حضرت للمرة الأولى اجتماعاً مع أحد الوزراء فهالني ذلك الطقس المجاملاتي المزعج من وكلائه ومستشاريه وكبار موظفي وزارته، إذ لو أراد أحدهم أن يبدي رأياً أو تعليقاً قصيراً فلا بد أن يطول بسبب:- لو رأى معاليكم، لو استحسن معاليكم، بتوجيهكم طال عمرك، بدعمكم الله يحفظكم، انتهى الاجتماع بعد إصابتي بالحموضة والغثيان وخرجت متسائلا كيف يستطيع هؤلاء الصبر على أنفسهم وكيف يصبر عليهم وزيرهم..
أقدر كل الوزراء، وأقدر هذا المنصب ومكانته وأهمية من يشغله، لكن لا أدري لماذا لا يزال المسؤولون والمجتمع يكرسون هذه الهالة الكبيرة من ألقاب التفخيم بمناسبة ودون مناسبة، ويبالغون في استخدامها كما لا يوجد في أي مجتمع آخر. وللحق فقد عرفت بعض الوزراء عن كثب وتأكدت من امتعاضهم وانزعاجهم من المبالغة في مخاطبتهم بـ(معاليكم) بين كلمة وأخرى، لكنهم يشعرون أن الموضوع أصبح طقساً لا يستطيعون تغييره ببساطة، بينما بعض آخر تبدو عليه علامات الانشراح والرضا كلما سمعها تتكرر في مخاطبته.
الوزير مسؤول على درجة كبيرة من الأهمية، له تقديره لكنه يظل مسؤولا أمام قيادته وأمام المجتمع عما يقدمه. وإذا كان موقعه يقتضي مخاطبته بمنصبه فليكن ذلك في حدود المعقول والمقبول. في وقتنا الحاضر يندر أن نجد في وسائل إعلام أي مجتمع آخر أو في مخاطباته جملة (معالي الوزير) في كل سطر أو كل مقطع حديث. الوزير في بلدان العالم يحسب ألف حساب لمواجهة الجمهور أو عند استدعائه للبرلمان لأنه يعرف جيداً أن سلطة المجتمع أكبر من سلطته، ولذلك فهو يطمح إلى أقل القليل من الرضا وليس إلى التصفيق والمباخر والقصائد وتزلف المسؤولين في وزارته والمنتفعين والمضللين في المجتمع.
مثل هذه الثقافة السائدة لدينا يمكن اعتبارها عاملا مهماً من عوامل الخلل في أداء الوزارات لأنها لا تتيح المكاشفة والوضوح والبساطة في عرض المشاكل دون تردد، فهل يبادر الوزراء والمجتمع المحيط إلى تغييرها؟؟