استطاع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، بما يملكه من بصيرة وحنكة سياسية نافذة أن يضع يده عبر كلمته الجمعة الماضية على لب الأزمة في مصر. وتكمن هذه الأزمة في أن مصر تواجه حربا ضروسا شنتها جهات أجنبية يتصدرها التنظيم الدولي للإخوان وتتزعمها دول غربية وأجنبية.
وقد خلص خادم الحرمين الشريفين من متابعته وتحليله الصائب لمجريات الأوضاع في مصر منذ أن ظهرت جماعة الإخوان وتنظيمهم الدولي على المشهد المصري حتى اعتلوا صدارته إلى هذه الحقيقة القاسية وهي إن مصر تواجه عدوا خارجيا ولا تواجه عدوا داخليا بعد أن ثبت - بما لا يدع مجالا للشك - أن قيادات الإخوان هم عملاء للخارج، وأن أنصارهم من المضحوك عليهم، ولما كان لزاما على الدول العربية الشريفة أن تقف مع مصر في هذه الحرب سارعت المملكة بإعلان دعمها السياسي لمساعدة مصر ضد هذه الحرب الإرهابية.
وكعادة المملكة في اتخاذ المبادرات الفاعلة في المنطقة للدفاع عن العروبة والإسلام والعمل على استقرار الأمن والسلام في المنطقة العربية والشرق الأوسط، جاء موقف المملكة الحاسم عبر الكلمة المضيئة لخادم الحرمين الشريفين ليكرس دفاع المملكة بثقلها العربي والإسلامي والدولي عن مصر كبلد عربي وإسلامي يواجه عدوا خارجيا دوليا متعدد الجنسيات.
وقد مارست المملكة بمجرد أن نطق الملك عبدالله برسالته الجمعة أعلى درجات الضغط على الرأي العام العالمي أولا عبر كشف إرهاب الإخوان وثانيا تكريس حق الشعب المصري في حماية أرضه واستقراره وسيادته، وثالثا إعلان المملكة عن دعمها لمصر فيما تتخذه من إجراءات لحماية شعبها وحدودها ومنشآتها.
وهذا الموقف السعودي يؤكد أن المملكة قد دخلت هي الأخرى الحرب مع مصر ضد العدو الخارجي الذي يحاول تدمير المنطقة بأسرها لصالح المخططات الإسرائيلية، وهو نفس الموقف الذي اتخذه -المغفور له- الملك فيصل في حرب اكتوبر عام 1973 مؤازرا لها وداعما بوسائل الضغط ومنها سلاح البترول عن الدول المعادية لمصر.
أعتقد أن رسالة خادم الحرمين الشريفين كانت رسالة ليس فقط لمصر لمؤازرتها في هذه الحرب على الإرهاب الدولي لتنظيم جماعة الإخوان، بل كانت رسالة للمجتمع الدولي نفسه الذي يدعم هذا التنظيم، بوصفها رسالة تحذير قوية لكل من يدعم الإرهاب.
ويكفي للتدليل على قوة تأثير موقف المملكة عبر كلمة الملك عبدالله عربيا ودوليا، أن سارعت الإمارات والأردن بتأييد الموقف السعودي تجاه مصر، ويتوقع أن تحذو باقي الدول العربية حذو المملكة في نصرة مصر في حربها ضد الإرهاب الدولي، وهو ما يعني استعادة وحدة الصف العربي كله ضد الإرهاب.
ومما لا شك فيه أن التكاتف العربي في مكافحة الإرهاب واستعادة العالم العربي لعناصر وحدته وقوته سيجعل العالم الغربي يعيد حساباته أمام قوة العرب مجددا ويدرك أن العرب صاروا قوة بشرية فاعلة عظيمة يجب أن يحسب لها العالم ألف حساب في تفاعلاته الإقليمية والدولية، ومن ثم يراجع سياسته المتعجرفة في المنطقة ويتخلى عن التدخل في شؤونه الداخلية.
ومن المؤكد أن استعادة العالم العربي لقوته وتوحيد مواقفه سيؤثر بشكل كبير على حجم الدعم الأمريكي للإرهاب في منطقتنا العربية وسيعمل على إفشال مخطط الشرق الأوسط الجديد.
وأعتقد أن أولى أوراق الضغط التي يمكن استثمارها في الدعم السعودي لتحصين مصر من الإرهاب الدولي، هو سلاح الاستثمارات، ويمكن تهديد المصالح الأجنبية في مصر بهذه الورقة شديدة التأثير، خاصة أن هذه القوى الغربية تعاني من أزمات اقتصادية طاحنة ولا تتحمل سحب الاستثمارات العربية من بلادها وإلا دمرت اقتصاديا. فهذه الورقة يمكن توظيفها سياسيا بما يدفعها إلى مراجعة مواقفها من دعم التنظيم الدولي للإخوان، وبما يسمح بشل حركته في مصر حتى تتفرغ مصر لإعادة البناء على أسس ديمقراطية سلمية.
ورغم ذلك، فإنني أتصور أن تحصين الدولة المصرية من آفة الإرهاب سيأخذ وقتا طويلا نسبيا، لأن مصر تحتاج إلى إعادة نظر في كل أشكال الحياة الاجتماعية وعلى رأسها التعليم، كما تحتاج لتكريس قيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية لتصبح مجتمعا مدنيا متحضرا، خاصة أن علاج الإرهاب يبدأ بالسلاح وينتهي بالديمقراطية حتى لا يعود مرة أخرى.
رسائل الملك عبد الله في دعم مصر
17 أغسطس 2013 - 19:55
|
آخر تحديث 17 أغسطس 2013 - 19:55
تابع قناة عكاظ على الواتساب