يعـز على نفسي وأجزم، على نفس كل عربي ومسلم حريص على مصلحة الأمتين العربية والإسلامية بكل أوطانهما، أن يأتي ويتقدم شهر رمضان المبارك ويقترب عيد الفطر وبلاد الكنانة تعيش في فتنة كبرى لا نرى لها حلا في الأفق المنظور ولكننا ندعو ألا تطول. لا أدعي معرفة متعمقة بالمشهد السياسي المصري أو بالوضع المتأزم في مصر بين الفريقين المتواجهين واللذين من الواضح أن كلاهما يحظى بدعم جماهيـري كبير، ولكني لا أرى أن أسباب هذا الوضع، مهما كانت وجاهتها، تبـرر تقسيم الشعب المصري إلى فريقين متخاصمين يقفان على استعداد لمحاربة بعضهما وقد كانا بالأمس فريقا واحدا متآزرا، ويكفي ما سال من الدماء خلال الأسبوعين الماضيين، وهي دماء زكية غالية يحرم هدرها وفقا لأي تعاليم دينية أو مفاهيم إنسانية. إنها الفتنة بكل معنى الكلمة. تختلط المفاهيم وتكثر التساؤلات: لماذا يحدث كل هذا في بلد كبير مثل مصر عاصر التعددية السياسية والحزبية قبل سنوات طويلة. هل يفتقد الشعب المصري العريـق القدرة على إنجاح تجربـة ديموقراطية حقيقية؟، هل يعتبر ما حدث أخيرا انقلابا عسكريا من نوع ما يحدث باستمرار في دول العالم الثالث أم أن الزخم الشعبي الكبير الذي صاحبه يعطيه الشرعية الكافية لجعله وسيلة ديموقراطية لتعديل مسار الثورة التي أطاحت بالحكم العسكري السابق؟، هل مارس حزب الحريـة والعدالة (الإخوان المسلمون) بعد توليه الحكم نوعا من الفاشستية أو استغلال الدين لخدمة أهداف سياسية لمصلحة فئة من الشعب دون فئات أخرى، وهل هذا هو ما رفضته أغلبية الشعب المصري؟، أم أن ما حدث هو فشل سياسي في تحقيق مستوى من الحرية الحقيقية التي حلم بتحقيقها المواطن الذي ثار على النظام السابق إضافة إلى فشل اقتصادي في تأمين لقمة العيش للمواطن وتحقيق الحد الأدنى من استتباب الأمن؟، هل هو تخوف، له أو ليس له ما يبرره، من التعنت الديني ومن الإقصاء والتكفير؟، يؤلمنا أن نرى التجربة الأخيرة للديموقراطية في مصر تتحول إلى مواجهة وطنية خطيرة وغير مبررة.. نقول من معرفتنا الوثيقة بإخواننا من أبناء الشعب المصري الشقيق أن مصـر بإذن الله قادرة على تخطي هذه الغمة وعلى تحقيق المصالحة الوطنية في أقرب فرصة، لأن مصر أمة عريقة ومتماسكة وواعية. كل ما هو مطلوب هو النية الصادقة والتضحية من طرفي النزاع لإنهاء هذه الفتنة بالحكمة. مصر لا تعاني من طائفية بغيضة يسهل تأجيجها مثلما حدث للأسف في العراق، بل كانت دوما ملتقى للثقافات والأديان المختلفة، وتتمتع غالبية شعبها المسلمة بتجانس كبيـر في الفكر. وهي لا تعاني من انقسام في التركيبة السكانية بين أجناس وألوان مختلفة مثلما هي الحال في دولة مثل جنوب افريقيا. وإذا كان يمكن لجنوب افريقيا بأجناسها المتباينة وتاريخها الطويل من العنصرية البغيضة أن تتجاوز خلافاتها وأن تبني الثقة بين أبنائها فلن نقبل من الإخوة المصريين أقل من ذلك. ما هي التضحيات التي تبدو لنا، نحن الواقفين على خط الحياد، مطلوبة ومبررة من كلا الفريقين المتصارعين؟، بالنسبة لمعارضي الرئيس المخلوع محمد مرسي الممسكين بالسلطة حاليا المطلوب أن يكون القـرار فعلا من الآن للسلطة المدنية الانتقالية وليس بيد الجيش لكي لا يصبح منطق القوة هو الوسيلة الأساسية لفرض الحلول. وأن يتم الالتزام بالمسار الديموقراطي الذي يستوجب الانتقال إلى حكومة مدنية جديدة منتخبة في أسرع وقت ممكن. أن يتم تمكين القضاء بكل دقة وعدالة بحيث يتساوى أمامه كل المصريين بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية. أن لا يكون هناك أي محاولات للتضييق على أنصار الرئيس محمد مرسي ومضايقتهم أو إقصائهم ، بل ينبغي إخلاء سبيل الرئيس مرسي وزملائه المعتقلين إلا من كان منهم متهما بتهم جنائية واضحة فيحال إلى المحاكم لمحاكمته بصورة علنية عادلة. لا نريد محاكمات ذات طابع عسكري.. أما بالنسبة لأنصار الرئيس مرسي فنقول إن عليهم إعمال صوت العقل والمنطق وعدم تهويل الأمور أو تحميلها أكثر مما تحتمل. الخلاف الدائر في مصر ليس حربا دينية تبـرر ارتكاب العنف وإهدار الدماء وحاشا لها أن تكون كذلك. كما أنه ليس من حق أحد أن يستغل الدين وكأنه حكر عليه. الحكم مسؤولية وتكليف من الشعب لتحمل الأمانة هدفها تأمين لقمة العيش للمواطنين والعمل على ازدهار البلاد وليس قتالا على الكراسي. وعلى الحكومات المنتخبة أن تصغي لصوت الشعب فهو الذي يعطيها الشرعية وهو الذي يملك الحق في سحبها منها. هناك وسائل ديموقراطية متبعة في كثير من الدول تسمح بإسقاط الحكومات قبل انتهاء الفترة المقررة لحكمها بواسطة الاستفتاء العام، ومن الواضح أن نسبة كبيرة من الشعب المصري لم تكن راضية عن أدائكم خلال السنة الماضية التي ملكتم فيها زمام الأمور. على الحكومات المنتخبة الاستماع إلى أصوات الجماهير من كافة الفئات. الوسائل السلمية هي الأمثل لاستعادة الشرعية التي وصلتم بها إلى السلطة.. ختاما، أملنا أن تنتهي معركة كسر العظم بين طرفي النزاع في مصر بسرعة. أن يتوقف استغلال الدين لأغراض سياسية. وأن تجد تجربة مصر الديموقراطية، غير منطق العنف والقوة حلا للفتنة التي شوهت مسارها.
التضحيـات التي تحتاجـها مصـر
17 يوليو 2013 - 19:40
|
آخر تحديث 17 يوليو 2013 - 19:40
تابع قناة عكاظ على الواتساب
