في التاريخ السياسي يكون للاغتيالات والتصفيات مبرر معقول وإن كان غير مقبول. فالدخول في اللعبة السياسية وتحديدا في العصور القديمة كان ضربا من المغامرة.. لذا فقد اعتاد المؤرخون السياسيون على اعتبار «الاغتيال السياسي» مجرد فعل سياسي لا يختلف عن غيره من الأفعال إلا في الغاية التي يحققها. لكن في عالم الفلسفة والأدب والعلم يكون الاغتيال جريمة إنسانية. من هنا كان إعدام الفيلسوف اليوناني الشهير سقراط جريمة لا تغتفر حسب معايير التحضر البشري. كثيرون من الفلاسفة والأدباء والعلماء قتلوا على مدى تاريخ البشرية الطويل.. بعضهم قتل بسبب أفكاره وبعضهم لأسباب أخرى: كأن ينخرط مثلا في العملية السياسية فيصيبه ما يصيب غيره. في هذه الحالة يكون مقتله أقل فاجعة من أولئك الذين قتلوا بسبب أفكارهم. خذ مثلا الفيلسوف والخطيب الروماني الشهير شيشرون. لقد قتل بأمر من الطاغية نيرون، ولكن سبب مقتله كان لنشاطه السياسي حيث اتهم بالتآمر لإسقاط الطاغية. من هنا كان اغتيال شيشرون أقل تراجيدية من سقراط.
من الفلاسفة القدماء الذين اغتيلوا الفيلسوفة هيباتيا «أول فيلسوفة في التاريخ» ، وموتها كان تراجيديا ويقال إنها قتلت على يد متطرفين مسيحيين في مصر. وكذلك بوثيوس صاحب كتاب «عزاء الفلسفة» وقد كتبه في السجن قبل إعدامه بأمر من الملك القوطي ثيودور الكبير. وكان بوثيوس موظفا لديه وربما قتل لأسباب سياسية ولكنه اشتهر بسبب كتابه آنف الذكر. في عصر سيطرة المسيحية قتل كثيرون من الفلاسفة والعلماء بسبب آرائهم.. مثل جوديا هالفي وجون هاس والفيلسوف الإسباني إبراهام بن داود. أما في العصور المسيحية المتأخرة فأشهر المقتولين سيجر البرابوني وهو فيلسوف فرنسي، قتل على يد المتشددين لأنه من أتباع الفيلسوف العربي ابن رشد. وقد كان ابن رشد وقتها رمزا للإلحاد في أوروبا الدينية. أما الجريمة التي تشابه ما حدث لسقراط فهي إعدام الفيلسوف الإيطالي غوردانو برونو حرقا وهو حي. وقد كان برونو شبه معاصر لغاليليو وديكارت. وقد حوكم غاليليو لآرائه الفلكية والتي قال بها قبله برونو وكوبرنيكوس. وخشي ديكارت على نفسه أن يلقى نفس المصير فلم ينشر كتابه «العالم» في حياته، بل نشر لاحقا ؛ لأنه يقرر نفس الآراء التي قتل من أجلها برونو وسجن غاليليو. في القرن السادس عشر أيضا قتل الفيلسوف توماس مور صاحب المدينة الفاضلة «يوتوبيا» وذلك بأمر من الملك الإنجليزي هنري الثامن، حيث رفض مور الاعتراف بالأول رئيسا للكنيسة الكاثوليكية الرومانية في إنجلترا. كما قتل ألغورنون سيدني أيضا بتهمة التآمر ضد الملك الإنجليزي. ومع الثورة الفرنسية وخصوصا في عهد الإرهاب قتل بالمقصلة الفيلسوف ومؤسس علم الكيمياء لافوازيه على يد قادة الثوار لأنه كان وزيرا للضرائب إبان الحكم الملكي.
أما في القرن العشرين فأغلب مقاتِـل الفلاسفة جاءت نتيجة لمواقفهم السياسية. فليون تروتسكي قتلته المخابرات السوفياتية بأمر من ستالين، وجيوفاني جنتيله الإيطالي قتله شيوعيون متطرفون. وهناك من قتله النازيون لأنه في الغالب يهودي أو معادٍ للنازية، مثل: غريلنغوبونوفور. أما الاغتيال الغريب نوعا ما فهو ما حصل لأحد فلاسفة الوضعية المنطقية موريس شليك الذي قتل أمام الجامعة التي يدرس بها على يد طالب مجنون..
هذا ما لدينا الآن، وقد يكون لنا مقال لاحق عن مقاتِـل الفلاسفة والمفكرين في ثقافتنا العربية قديما وحديثا.
أخبار ذات صلة
