القراءة قيمة ثمينة في الوجود لا حياة بدونها، كرمها المولى سبحانه بأن جعلها مبتدأ التنزيل وقرنها بالقلم أداة الكتابة ووسيلة التعبير، فضلا عن كونها غذاء الروح ومفتاح العلم والمعرفة والارتقاء بالفكر والسمو به، ترتقي بالعقول وتنمي الأذواق، وتزيد من هيبة الأوطان، وترفع من كرامة الإنسان.
معارض الكتاب السنوية أحد الأسباب الدافعة نحو القراءة وتشجيعها، ومن الوسائل التي ترفع من درجة الوعي والثقافة لدى المجتمعات، وهذه الأيام زاهية بالثقافة والأدب والعلم والمعرفة يشع صداها من أروقة معرض الرياض الدولي للكتاب الذي انطلق الأسبوع الماضي في كرنفال ثقافي سنوي للكتاب والثقافة، يجسد جانبا من الاهتمام بالقراءة وتغذية الروح، وإنه شاهد عصري حضاري مشرق على واقع الثقافة السعودية، وتعبير واضح للوعي والشغف بالقراءة، والحراك الثقافي القوي الذي يعيشه الوطن.
معرض الرياض الدولي للكتاب مقصد رائع ووجهة سنوية مفضلة للمثقفين والقراء بمختلف أطيافهم وتوجهاتهم يتوافدون عليه من مختلف مناطق المملكة ودول الخليج على اختلاف ثقافاتهم واهتماماتهم وأعمارهم وجنسهم، ليجدوا مبتغاهم من غذاء الروح تحت سقف واحد، فقد غدا من أهم المرتكزات لتحقيق تنمية ثقافية وفكرية بين أفراد المجتمع، ولا أخفيكم غبطتي وسعادتي وأنا أشاهد ذلك الإقبال الشديد والتزاحم الفريد الذي أثلج صدري لاقتناء الكتب والنهم على شرائها بعد أن كدت أيقن أن فعل القراءة أصبح غائبا عن مجتمعاتنا، وما انتابني من حزن وأنا اقرأ عن نسب القراءة المتدنية في الأقطار العربية وفقا لما جاء في تقرير التنمية الثقافية الصادر عن مؤسسة الفكر العربي في دورته العاشرة التي عقدت مؤخرا في دبي من أن نصيب الفرد العربي من القراءة ست دقائق سنويا في مقابل الفرد الأوروبي الذي يقرأ نحو 200 ساعة سنويا، والذي يقرأ في كل مكان في البيت، وفي محطات انتظار القطار، وأثناء السفر، وعلى مقاعد الطائرات، أو حين يتشمسون على الشواطئ، أو عند انتظار مواعيدهم في المستشفيات والمصالح الأخرى، بعكس الفرد العربي الذي لا يعير القراءة أي اهتمام الأمر الذي أدى إلى تفشي وارتفاع نسبة الأمية والثقافة في المجتمعات العربية.
إن للعقل حاجة للقراءة والتثقيف تشبه حاجة الجسم للطعام والشراب، فهي من العناصر الأساسية في حياة الإنسان. ولكن هناك ثمة فرقا بين قراءة وقراءة بين قراءة تكشف المعاني وتزيل الغموض وترصد الموجود، وبين قراءة لا تسمن ولا تغني من جوع. ولا شك أن معرض الرياض للكتاب من الظواهر الثقافية المهمة التي تؤسس لحراك ثقافي في بلادنا وتعمل على تنمية معارف المثقفين والقراء وتشجع على القراءة. وسيظل المعرض مقصدا ثقافيا ومعرفيا يساهم بشكل فاعل في صياغة الأفكار وتشكيل الوعي.
إن علاقة الإنسان وحكاية حبه للكتاب حكاية أزلية من كونه أيقونة التقدم والعلم والمعرفة التي يبحث عنها الإنسان في كل زمان ومكان. فالكتاب هو الأنيس الذي نجده كلما احتجنا إليه في كل وقتٍ وبلا عناء أو مشقة.
أعز مكان في الدنا سرج سابح وخير جليس في الزمانِ كتاب.
كما أنه ضرورة من ضرورات الحياة، بل هو الرفيق والصديق الحميم، وصدق أمير الشعراء حين قال:
أنا من بدل بالكتب الصحابا
لم أجد لي وافيا إلا الكتابا
فهو يمنحنا القدرة على الغوص في أفكار الرجال وعقولهم، ناهيك عن أنه النافذة البسيطة للإبداع، والحاضن الأساس والأمين للعلم والمعرفة بشتى صنوفها.
ولأن القراءة من أكثر مصادر العلم والمعرفة وأوسعها فقد حرصت الأمم المتيقظة على تشجيع القراءة وتسهيل أسبابها وسعت إلى نشرها بين فئات المجتمع. وحتى يكون هذا المعرض فرصة سانحة للتزود بالمعارف والعلوم ينبغي على رواده أن تكون زيارتهم وفق أهداف محددة سلفا، ومسارا واضحا للقراءة والتنمية الفكرية ليحصلوا على مبتغاهم من الكتب التي يحتاجونها زادا للعام، وبغير أهداف واضحة لن تكون زيارة المعرض ذات جدوى، وسيقومون باقتناء كتب لن تسهم في سد النهم المعرفي والثقافي المنشود وفق حاجاتهم الفعلية، ناهيك عن إهدار المال وضياع الوقت، وستبقى تلك الكتب كائنات جمادية على الأرفف والخزانات بعيدة عن شغف القراءة. كما ينبغي على وزارة الثقافة والإعلام أن تكثف من الفعاليات الثقافية التي تدعو إلى القراءة وتسهل أسبابها وأن تعمل على افتتاح المزيد من المكتبات والمؤسسات والبيوت الثقافية العامة التي تؤسس لثقافة حقيقية وتوفر كتبا ذات قيمة في شتى صنوف المعرفة في الأحياء السكنية وغيرها حتى لا ينقطع حبل الود بين القارئ والكتاب فيلقاه في كل وقت ومتى أحتاج إليه.. ودمتم سالمين.
mas@ksu.edu.sa
وخير جليس في الزمان كتابُ
10 مارس 2013 - 20:10
|
آخر تحديث 10 مارس 2013 - 20:10
تابع قناة عكاظ على الواتساب