هل الآثار وزيارة المواقع التاريخية والاهتمام بها حلال أم حرام؟ حول إجابة هذا السؤال أضعنا جزءا كبيرا من أعمارنا وهي ذات الأعمار التي أضعناها في البحث عن مشروعية قيادة المرأة للسيارة ومشاهدة السينما والاختلاط في الأماكن العامة وغيرها من القضايا الجدلية الخاصة بمجتمعنا فقط والتي لا ينتهي الجدل حولها ولم تحسم عبر السنين. والعالم من حولنا تجاوز هذه القضايا لما هو أهم وأنفع.
قبل أيام زار الشيخان الجليلان عبدالله المنيع وعبدالله المطلق مدائن صالح التي حرمنا من زيارتها سنوات طويلة بحجة أن زيارتها حرام ولا تجوز وأن زيارة الأماكن التي كانت مسرحا لعذابات الأقوام السابقة البائدة لا تجوز. وهكذا عشنا نحن السعوديين محرومين من رؤية أهم آثار بلادنا والتي تتفوق في جمالياتها على «مدائن البتراء» التي تم انتخابها من عجائب الدنيا السبع الجديدة بعد أن دعمتها الأردن حكومة وشعبا وأنشأت بالقرب منها فنادق ومنتجعات عالمية. وبقيت «مدائن صالح» يتيمة الأب والأم حائرة بين الحلال والحرام.
وبعد انتهاء زيارة الشيخين المنيع والمطلق قال الشيخ المنيع في تصريح له عقب الزيارة التاريخية التي أثلجت صدور محبي الآثار في المملكة: «إن تلك المواقع والكنوز الأثرية هي في الواقع محط حضارات سابقة، وفي الوقت نفسه هي محل عبرة وعظة وزيارتها تعطي الكثير من التأثر، وكذلك التعلق وتقوية الإيمان بالله».
ودعا ابن منيع زوار المواقع الأثرية إلى تقدير هذه الثروة الأثرية التي هي لهم ولبلادهم ولأهليهم ولأخلافهم، وقال: «على إخواننا أن يعرفوا أن الآثار الآن في العالم أجمع تعتبر من أعظم الكنوز التي تفخر وتعتز بها الشعوب، فالآثار في أي بلد تدل على حضارته». وطبعا العبارة الأخيرة بلا شك هي الأهم والأبرز: (الآثار في أي بلد تدل على حضارته) ولا نملك سوى أن نقول «جزاك الله خيرا يا شيخ» فهذا ما كان الأدباء والمثقفون والكتاب في المملكة يقولونه منذ زمن ولكن دون جدوى تذكر فالسائد في المجتمع تجنب الآثار وتحريم الاقتراب منها ونبذها.
ولكن بطبيعة الحال زيارة العالمين الكبيرين عضوي هيئة كبار العلماء المطلق والمنيع لم تمر هكذا مرور الكرام فقد عاد عدد من المشايخ والعلماء والأكاديميين وشددوا على تحريم زيارة المواقع الأثرية خاصة مدائن صالح والأخدود وأكد الدكتور صالح السدلان في تصريحات صحافية على تحريم زيارة آثار القوم المعذبين. كما أشار الباحث في التاريخ الإسلامي خالد الصقعبي أن زيارة مدائن صالح محرم إذا كان بغرض السياحة.
وبين الحلال والحرام نظل نحن أبناء السعودية محرومين من مدائن صالح والأخدود ودومة الجندل وبقية الآثار التي لا تجد في بلادنا اهتماما بسبب الجدل القائم على حرمانيتها. وفي النهاية أود أن أذكر معلومة وهي أن أكبر جامع آثار إسلامية في العالم هو تاجر يهودي تمكن من جمع آثار وتحف من العالم الإسلامي بثلاثة مليار دولار وعندما سألوه عن تمكنه من جمع هذه الكمية الهائلة قال إن المسلمين لا يهتمون بآثارهم ويعتبرونها حراما وأمرا لا يجوز....!.

hishamk32@gmail.com