في كتابه المهم «أزمة الوعي الديني» يحدثنا فهمي هويدي عن خبير اقتصادي باكستاني استعرض في رحلته للحج السلع التي تباع في أسواق جدة ومكة والمدينة فلم يجد من مصنوعات البلاد الاسلامية سوى الطواقي (أغطية الرأس) النيجرية!.ومع ما في هذا الخبر من طرافة الا انه يحمل بين طياته حقيقة الضمور الاقتصادي الكبير الذي تتسم به علاقاتنا الاسلامية- الاسلامية، الأمر الذي يجعلنا متوجسين جدا من مآلات السطوة الرأسمالية وما يقابلها الكثير من دول العالم الاسلامي لهيمنتها وهو ما نوه اليه عبر دراسة موضوعية رئيس وزراء تركيا الأسبق نجم الدين أربكان، الداعي الى ايجاد تحالف اقتصادي اسلامي مبكر أسفر عما عرف في حينها بتحالف الدول الثماني الذي سرعان ما أجهض واحكمت القبضة الرأسمالية على مفاصله الحيوية، ولا زالت الذاكرة محتفظة بأحداث الانهيار السريع لسوق النمور الآسيوية كدليل قاطع على غياب العقلية الاسلامية من مسرح التدافع الحضاري الاقتصادي سواء أكان بفعلنا وهو الأعم الأغلب أم بفعل غيرنا المتمثل بصندوق النقد الدولي، في هذا السياق المعتم وفي ظل هذا التحدي الكبير نفاجأ بانصراف عدد ليس بالقليل من أولي الفكر والرأي العربي والاسلامي الى قضايا ثانوية هامشية فضلا عن كونها غير مستساغة علميا ومعرفيا، بكل أسف أقولها ان عددا مهولا من المشاريع الاسلامية المتعالية ضجيجا هي في جذرها الأول مبنية على أخيلة متوهمة من أبرزها نداءات أسلمة المجتمعات.. أسلمة المعرفة.. أسلمة النظم الحاكمة.. أسلمة البنية التحتية.. أسلمة الفن والموسيقى (هل سمعتم برابطة الأدب الاسلامي ورابطة النشيد الاسلامي ورابطة الفن الاسلامي؟)!! الى ما هنالك من أسلمات تضفي على المشروع الاسلامي صبغة التهافت اللفظي على حساب التوافق والدفق الحركي الواقعي المنسجم.
وبصورة مبدئية فإن العوائد المجتمعية تقول ان الأزمات الحضارية تقود العقل المأزوم الى سبيل طويل نهاية مطافه الوصول الى وضوح الوعي المعرفي لا الى ضبابيته، والحال المترائي لي على الأقل ان النخب الاسلامية قادت كوادرها الحركية والشعبية الى طريق مسدود وهاوية محتمة لا مفر من النكوص عنها الى الخلف عوضا عن الاتكاء المعرفي المتخيل والادعاءات المزيفة.
واليوم تفاجئنا دعوة «أسلمة المعرفة» بحضورها الجاثم على ثقافتنا الاسلامية، بل وتكلسها المختمر في عدد من البنى المعرفية الاكاديمية وغير الاكاديمية، فالجامعة الماليزية الاسلامية العالمية و «جامعة العلوم الاسلامية والاجتماعية» وجامعة الزرقاء الأردنية، كلها تضع في أعلى سلم أولوياتها قضية «أسلمة المعرفة» وتجييش العقل المسلم في كهوف معرفية تعزله عن السياقات المعرفية العامة، وتؤطره في خندق المدافعة والممانعة أبد المسير، ولا غرو ان علمنا بوجود وصاية معرفية واحيانا مادية على الجامعات آنفة الذكر، يتزعم تلك الوصاية في جل الأحيان المعهد العالمي للفكر الاسلامي القابع في واشنطن والممتد عبر فروعه المتعددة في عالمنا العربي والاسلامي، هذا المعهد الذي لا أجد غضاضة البتة في وصمه ضمن حدود نتاجه المعرفي بأنه مسيء أكثر من كونه محسنا، بل انه قد أنفق الأموال الطائلة فيما لا طائل غالبا من ورائه فضلا عن كونه متمحورا بالأساس حول شخصية الدكتور طه جابر العلواني التي نحترمها كثيرا كما أنننا نختلف كغيرنا معها كثيرا.
ان المعهد العالمي للفكر الاسلامي بتأسيسه في بدايات القرن الخامس عشر الهجري كان وما زال عرّاب مسألة «أسلمة المعرفة» التي لم تكن ذات بال قبل تبنيه لها. وهذا باعتراف العلواني نفسه في كتابه «اصلاح الفكر الاسلامي» الصادر في عام 1998م، والمبشر فيه بأن المعهد في المرحلة التي كان فيها انذاك قد تجاوز مرحلة الاشخاص وتجاوز مرحلة المؤسسة المحصورة في أطر ضيقة وافاق محدودة في قدرتها، وبلغ مرحلة صار فيها مدرسة فكرية متشعبة، منتشرة في كل البقاع شرقا وغربا، لا يمكن التحكم فيها أو ايقاف مدها، فضلا عن استئصالها، وكأنه بذلك ينذر ويحذر من يقف في وجه السيل العرمرم القادم من واشنطن! كيف تلقف العلواني هذه الدعوة وكيف سوق لها لا سيما انه ليس هو الناحت الأول للفكرة المجردة؟، والجواب عن هذا السؤال يقودنا الى ادراك ما هية الخطأ المعرفي المتأصل في جذر الفكرة، اذ ان البروفيسور ضياء الدين سردار كان من أوائل من جزم بعدم امكانية فصل الإبستومولوجيا عن الظرف العقدي وانه يستحيل على المرء أيا كان تلقي المعرفة دونما تعلق بشوائب حامليها ومروجيها وهو كلام لا غبار عليه من حيث المبدأ، لكن المعضلة تكمن فيما وراء ذلك عبر الزام ما لا يلزم وممارسة دور الوصي على مجموع الأمة وآحادها، بزعمهم انها عرضة لشوائب المعرفة الالحادية والكهنوتية، خذ على سبيل المثال لا الحصر كلام الدكتور اسماعيل الفاروقي المدافع فيه عن نظرية أسلمة المعرفة اذ يقول: «وهذا التصور الاسلامي مطلوب لحماية الناس جميعا من المبادئ والافكار الزائفة المشؤومة التي تغزو عقولهم، وما لم تتهيأ لكل فرد الحصانة من هذه الأمراض فستكون الأمة كلها هي الضحية» هكذا اذن تحت ذريعة الحصانة تفرض الوصاية، ونتجاهل بحجة الحذر من الآخر ما في تراثنا من مواد أغلقت على العقل الاسلامي أيما إغلاق، وأحد أكبر أساقفة نظرية المعرفة قد قال في معرض الشرح لها: «هي فك الارتباط بين الانجاز العلمي الحضاري البشري، والاحالات الفلسفية الوضعية بأشكالها المختلفة، واعادة توظيف هذه العلوم ضمن ناظم منهجي ومعرفي ديني، غير وضعي، أي أسلمة العلم التطبيقي» ما معناه ان العلوم جميعها لا بد ان ينتظمها دين غير وضعي!! أي تلاعب هذا؟ أليست هي السرقة بأم عينها وان تلبست بلبوس نخبوي؟
انها بلا ريب نظرية عدمية تحيل الموجود الى شيء آخر مزيف ليس له وجود تحت دعاوى الخوف من التحيز أو التبعية، الدعاوى التي تتطورت فيما بعد على يدي الدكتور عبدالوهاب المسيري لتغدو ذات مصطلح خاص أسماه بـ «إشكالية التحيز» استكتب من أجل احيائها عددا من الباحثين الذين داروا حول الحمى ولم يقعوا فيه كوقوع المسيري، والعجيب فعلا هو ان الدكتور محمد عمارة كان من جملة المستكتبين، وهو الذي روج لفكرة «معركة المصطلحات»، تلك الفكرة التي دلل على وجودها من خلال ضربه احد عشر مثالا، تطورت فيما بعد لتصبح كتابا طبع على نفقة المعهد العالمي كصنوه الأصيل كتاب «إشكالية التحيز»، أما عن الأمثلة الموردة فاعتقد ان الصواب لم يكن حليفه فيها، فمصطلحات من مثل: الشارع، السنة، الزارع، الآبق، عقلاني، التوحيد.. كلها تتداخل من حيث المدلولات من وجه وتفترق من أوجه عدة، خصوصا اذا اخذنا بعين الاعتبار ان الكثير منها هو ذا خصيصة دينية في العرف اللغوي العربي على العكس منه في العرف اللغوي الغربي، وهنا يقع الالتباس بين المفردة الدينية وغير الدينية، اللتان تستعصيان على المقارنة في اطار البحث الأيدلوجي، ذاك ما نبه له الفيلسوف المعاصر جاك دريدا في علاقة الدال بمدلوله وان الدلالة يجب ان لا تخضع قط للعامل الأيدلوجي في اطار التبادل الحضاري، ومن نقب في تراثنا يجد شبيها لهذا القول عند بعض الأشاعرة أو من سموا بالواقفة، الجدير بالذكر هنا ان المسيري وهو بدوره كمستشار للمعهد العالمي للفكر الاسلامي منذ عام 1992م وحتى الآن قد أقنع أرباب المعهد بفكرته ترويجا لها، وتأثيرا على عدد من الكتابات الصادرة عن المعهد فيما بعد، والعجيب ايضا ان الدكتور المسيري الذي ما فتئ يحذر من المناهج الاختزالية في التعامل مع الثقافة اصبح هو من الاختزاليين في التناول الابستمولوجي، اضف الى ذلك دور كل من الدكتور الفاروقي والدكتور جعفر شيخ ادريس، والأول بادر بشكل ملفت في امداد فكرة الأسلمة بعدد من البحوث «التهجينية»، أخص بالذكر منها: «صياغة العلوم الاجتماعية صياغة اسلامية» وهو البحث الذي اريد له ان يتجاوز القنطرة فلا هو تجاوزها ولا هو تمكن من الرجوع عنها وانما علق في الوسط، قس عليه كتاب: نظرية المعرفة بين القرآن والفلسفة للدكتور راجح الكردي، وكتاب العلواني: ابن تيمية واسلامية المعرفة، ومن يقرأ الاخير لا بد ان يلمس بوضوح كيف تم حشر ابن تيمية حشرا لصالح النظرية تلك، ينسحب ذلك على كافة تقعيدات استاذنا الدكتور عماد الدين خليل في التفسير الاسلامي للتاريخ، وخلقه منهجا تفسيريا يعتمد على بعض نصوص قرآنية وحديثية ما جاءت قط لمثل هذا، ولعلي أتناول تبيين ذلك في مقالات لاحقة.
ان نظرية معرفية مبناها تلخيص المعرفة الغربية في مجال العلوم الاجتماعية والانسانية، ثم اعطاؤها لعدد من العلماء الاجتماعيين المسلمين لأسلمتها هي في الحقيقة نظرية هشة تستدعي بذل الجهد العقلي والمالي في سبيل لا شيء، ومن اراد ان يختبر صدق قولي فدونه اصدارات المعهد التي ربت عن المائة ولينظر هل يعبّ الباحث الجاد بالعشر منها؟
انك ان اتيت لشخص ما بكوب من عصير التفاح وآخر من عصير البرتقال ثم رجوته ان يصنع لك شبيه احدهما دون ان يملك الفاكهة والآلة اللازمة لذلك فحتما لا محالة سوف يعجز، بيد انك ان طلبت منه ان يصنع لك عصيرا «مخلوطا» من التفاح والبرتقال فلن يبذل وسعا سوى ان يسكب احد الكوبين في الآخر، ومع سذاجة هذا المثال الا انني أراه هو الأقرب لواقع المشتغلين بتأصيل نظرية أسلمة المعرفة، ولعل مثالا صارخا يعد أكثر التصاقا بالواقع الحياتي نذكره هنا، الا وهو اشكال الشورى أم الديمقراطية؟ ففي الوقت الذي نجد فيه كاتبا اسلاميا مرموقا كالاستاذ فهمي هويدي يعتقد بأن الاسلام يُظلم مرتين، مرة عندما يقارن بالديقمراطية، ومرة عندما يقال انه ضدها، اذ المقارنة في نظره متعذرة جدا من الناحية المنهجية والمعرفية، في الوقت ذاته ومقارنة مع مثل هذا الطرح الواعي نجد طابورا طويلا من الاسلاميين يعانون من دوران التفكير واستنساخ الآخر عبر مفاهيم مفرغة من مضمونها، أو مصطلحات هجينة ليس لها مضمون أصلا، كالذي ركب بين مصطلح «الشورى» و «الديمقراطية» فاخرج لنا مصطلحا جديدا هو: «الشوراقراطية»، انها معضلة تشابه معضلة ذاك السياسي الذي هداه عقله الى مشروع دولة «إسراطين» المضحك، فلا هو قابل للتنفيذ على أرض الواقع، ولا هو قابل للمدرك العقلي قبل هذا وذاك، انما هو واقع صارخ للمثل القائل: شر البلية ما يضحك!.
بقي ان اقول شيئا مهما: ان المعرفة أعم وأشمل من ان يحوطها دين واحد فهي امتداد للانسانية جمعاء، مشاعة لمن تملك زمامها أيا كانت مرتكزاته العقدية، وعليه فان الزمان الذي نحياه الآن يحتفي بحقول معرفية مهمة هي الألح مطلبا والأكثر حضورا في التفاعلات الاجتماعية الحضارية، تلك الحقول هي: الفلسفة السياسية، علم الاجتماع، والانثروبولوجيا بعمومها، وللأسف فهذه الحقول برمتها قد انبرى لها الغرب وأذكى روحها، بينما ظل البعض من المسلمين يحاول ترقيع تخلفنا باستيراد ما هو مشاع أصلا ومن ثم نسبه الى تراثه دونما أدنى محاولة للاستزادة من التراكم المعرفي الانساني الهائل، الأمر الذي تنبه له السلفي بحق الشيخ رشيد رضا، فأجاب من اعترض على طرحه قضايا الاصلاح بقوله: «لا تقل أيها المسلم ان هذا الحكم المقيد بالشورى هو أصل من أصول الدين ونحن قد استفدناه من الكتاب المبين ومن سيرة الخلفاء الراشدين لا من معاش الاوروبيين والوقوف على حال الغربيين، انه لولا الاعتبار بحال هؤلاء الناس لما فكرت أنت وأمثالك بأن هذا من الاسلام، وان كان صريحا جليا في القرآن الكريم»، هذا النص الموضوعي جدا يشرفني كخاتمة لمقالة يأمل صاحبها أفولا لاطروحات ظلت تقتات طويلا على اقصاء العقل المسلم لا ابحاره، والله المستعان.
waleed_99@hotmail.com
من الثنائيات التي أقصت العقل المسلم:
أسلمة المعرفة أم تغريبها؟
5 أكتوبر 2006 - 02:16
|
آخر تحديث 5 أكتوبر 2006 - 02:16
تابع قناة عكاظ على الواتساب
وليد سامي أبو الخير