يحل رمضان والوسط الثقافي خاصة في القصيم يشعر باليُتم لرحيل المفكر والروائي الاديب عبدالرحمن بن ابراهيم البطحي -يرحمه الله- عن عمر يناهز الثانية والسبعين ليصلى عليه في الخامس والعشرين من شهر جمادى الآخرة من عام 1427هـ في الجامع الكبير بعنيزة وسط تشييع مئات المصلين ويحل رمضان و«مطلة» صالونه الفكري يخيم عليه الحزن ولكنه لم يفتقد زواره ورواده.

ولد عبدالرحمن البطحي في الخامس من شهر شوال عام 1357 بمدينة عنيزة لاسرة لها مكانتها في المنطقة وكان والده من تجار عنيزة، إلا أن التجارة لم تجذبه الى عالمها فلم يعطها اهتماما يذكر بل توجه للدراسة وغادر الى بيروت لينهل من ثقافتها اذ كانت لبنان في ذلك الوقت مقصد الثقافة والفكر العربي وهناك تشكلت شخصيته الفكرية والثقافية وشارك في الملتقيات والصوالين الادبية والثقافية.

صالونه الفكري
يعد صالون عبدالرحمن البطحي من اعرق الصوالين الفكرية بالمملكة، وهو الصالون الاشهر بالمنطقة.
وكان يعقد في حي المسهرية بعد صلاة مغرب كل يوم وعلى مدار ايام السنة باستثناء شهر رمضان المبارك ثم انتقل الصالون الى مزرعته في «مطلة» ومنها اكتسب الصالون اسمه وشهرته وبعد رحيل البطحي تكفل ابن شقيقه ابراهيم بن عبدالله البطحي باستمرارية هذا الصالون والذي ما زال يعقد في توقيته وما زال رواده يتهافتون عليه من كل مكان.

مرضه ووفاته
كان البطحي قد تعرض قبل مايزيد عن العام لوعكة صحية نقل على اثرها للعلاج في مدينة الملك عبدالعزيز الطبية بالرياض، وبعد اشهر من العلاج وبعد تحسن حالته الصحية عاد الى عنيزة ولم تمض سوى اشهر قليلة حتى ازدادت حالته الصحية سوءاً ليبقى للعلاج في مستشفى الملك سعود بعنيزة ونقل منه الى الرياض وهناك توفي ثم نقل الى عنيزة حيث اديت الصلاة عليه ودفن.

روحانية رمضان
يمثل رمضان لدى البطحي روحانية خاصة فخلال هذا الشهر الكريم يتفرغ تماماً للعبادة ويحرص على اداء صلاة التراويح والقيام، حتى ان صالونه الفكري «مطله» يتوقف نشاطه خلال رمضان ليعود مع اول ايام عيد الفطر.
وفي رمضان تزداد قراءة البطحي للمصحف الشريف ويعكف على التأمل في خلق الله.. وبعد صلاة العصر في رمضان كان يذهب الى مزرعته للقراءة ولاستقبال بعض الضيوف حتى قبيل اذان المغرب اذ يغادرها استعدادا للافطار.

عطفه واحسانه
الذي لا يعرفه الكثيرون عن البطحي هو ذلك الجانب الانساني فيه: فهم يعرفون البطحي المثقف والأديب ولكنهم يجهلون البطحي الانسان نظرا لأنه كان كتوما جدا من هذه الناحية، ولهذا لا يعرف هؤلاء مدى ما كان يقدمه من مساعدات مالية وعينية للمحتاجين رغم كونه ليس من الاثرياء ولا يملك سوى مرتبه. ولم يكن يبيع شيئا من تمور مزرعته بل كانت توزع على الفقراء والمحتاجين وعلى رواد مجلسه.
وهناك الكثير من الجوانب المضيئة والنقية في حياة هذا الاديب الكبير ولكنه أخفاها عن اقرب المقربين اليه.

الالتفاف حول الوطن
يذكر محمد بن عبدالله السيف رئيس القسم الثقافي بجريدة الاقتصادية ان البطحي حاول ان يحقق في الوسط المدرسي بث روح الوطنية عن طريق نشر الثقافة والوعي.. لم تقدر جهوده في ذلك الوقت.. والآن وبعد مرور خمسين عاما تسعى مختلف الجهات الى بث روح الوطنية بكل الوسائل والامكانيات.
وامتدادا لعطاءات البطحي الوطنية فقد كان موجها لرواد مجلسه وخاصة الشباب منهم الى التوجيه السليم وعدم الانقياد خلف من يرفعون الشعارات الدينية ويسعون لتحقيق اهداف سياسية ففي فترات المحن الكبرى التي مرت بها الأمة كفترة الغزو العراقي للكويت عام 1990م وما أعقب احداث سبتمبر من تبعات على المملكة وخلال الأحداث الارهابية كان أبو ابراهيم يدعو للالتفاف حول الوطن ويؤكد ان هذه الاوقات هي أوقات تكاتف الأيدي لتكون يدا واحدة من أجل الوطن الذي هو ملك لجميع ابنائه دون استثناء.

شمولية الثقافة

يتحدث الموجه الثقافي ابراهيم الشوشان أحد المقربين اليه ورواد مجلسه قائلا: في مجال الرواية كان البطحي أشهر راوٍ في حاضرنا عن أخبار البادية والحاضرة وما كان من حروب ونزاعات وما دار بينهم من شعر النقائض وفي وسوم الابل. وفي علم الانساب لاشك بأنه اشهر من ان يعرف في علم الانساب والقبائل وكثيرا ما جاءته خطابات ومكالمات للاستفسار في هذا المجال.
وفي الادب فهو الاديب المطلع على شؤونه شعراً ونثراً ابداعاً ونقداً، العارف بمدارسه المميز لاجناسه كان يطلعنا احيانا على نصوص شعريه كتبها كانت غاية بالابداع تتوافر فيها جماليات التصوير وعمق الفكرة ذات نهج حديث.. منها المقفى وشعر التفعيلة.. لكنه يضن به فلا أعتقد ان احداً حصل على مثل هذه النصوص.
وفي العلوم كان يتميز بتفكير علمي رصين فهو مهتم بالعلوم مما يعكس استشرافه للمستقبل، فكما يتحدث بالفكر والادب يتناول أبواب العلوم الأخرى تناول العالم المطلع كالتقنية بالطب وانواع الامراض وتقنية الفضاء، كما يتطرق الى شرح النظريات العلمية كنظرية النسبية ونظرية تطور الكائنات وعلم الجينات الوراثية.