خالد الجابري (المدينة المنورة)
عين الأزرق، قناة مائية تجري تحت الأرض، أنشأها مروان بن الحكم عندما كان أميرا على المدينة المنورة بأمر الخليفة معاوية بن أبي سفيان وكان مروان أزرق العينين فنسبت القناة إليه، وأصلها من بئر الأزرق، وهي بئر واسعة الأرجاء عذبة الماء في بستان قرب مسجد قباء وتسير القناة شمالا نحو المدينة بمجرى مغطى، له فتحات يسقى منها تسمى الديول.

يقول المهندس صالح بن عبدالعزيز جبلاوي مدير عام المياه في منطقة المدينة المنورة إن أول من فكر في تخصيص الماء لساكني المدينة المنورة كعمل متكامل وتحت مسؤولية الدولة، في عهد الخليفة (معاوية بن أبي سفيان) مؤسس الدولة الأموية وذلك في عام 51 هـ، حيث جرى حفر عين مياه في منطقة تقع جنوب غرب مسجد قباء سميت بالعين الزرقاء، نسبة إلى زرقة عيني مروان بن الحكم، وشق من موقع هذه العين قناة تخترق المدينة المنورة من جنوبها إلى شمالها، وقد بنيت هذه القناة بناء محكما وذلك للمحافظة على نظافة المياه وعدم تلوثها، ومن ثم لم تتعرض المدينة المنورة لما تعرضت إليه باقي المدن الأخرى مثل مكة وجدة وينبع ومنى من تلوث مياه الشرب والإصابة بالأوبئة والأمراض وكانت تصب في هذه القناة مجموعة من العيون (وبهذا أصبحت نهرا متدفقا يروى المدينة المنورة من جنوبها إلى شمالها، وقد خدمت هذه العين ساكني المدينة المنورة قرابة 1300 سنة وكانت تستخدم هذه المياه لأغراض الشرب فقط، أما باقي الاستخدامات الأخرى فكان يتم تأمينها عن طريق حفر آبار خاصة داخل المنازل، وكانت هذه القناة توزع مياهها إلى عدة خزانات متواجدة حول منطقة الحرم النبوي الشريف سميت بـ (المناهل) وهذه المناهل كانت تصرف مياه الشرب عن طريق كباسات.. جانب منها مخصص للرجال والآخر مخصص للنساء، وكانت مياه العين الزرقاء تستخدم للشرب فقط أما بقية الاستخدامات من غسل وتنظيف وخلافه فهي تأتي من آبار خاصة تحفر داخل المنازل ففي كل منزل بئر خاصة به وبأهله.
مسار الجريان
يذكر جبلاوي أن مروان بن الحكم أجرى هذه العين من تحت الأرض بعمق يتراوح ما بين 4 أمتار إلى 6 أمتار وشق من موقع العين قناة مبنية بناء محكما وذلك للمحافظة على نظافة المياه وعدم تلوثها تخترق المدينة من جنوبها إلى شمالها وكانت تصب في هذه القناة عيون أريس، الرباط، الشلالين، بويرة، الغربال، السدارة، القليجة، والسقاف.
وأضاف، هذه القناة عبارة عن نهر متدفق يروي سكان المدينة وهي تجري للمدينة عبر هذه القناة وتوزع مياهها إلى عدة نقاط أو خزانات تسمى (مناهل)، وكان يقوم على خدمة العين الزرقاء مجموعة من سكان المدينة المنورة وغالبا تكون عائلات تتوارث خدمة العين الزرقاء من حيث تنظيف الدبول والمجاري وعلى الرغم من مشاق المهمة ووقوع أخطار من أفاع وعقارب منتشرة في تلك المجاري مع قلة الأجر إلا أنهم كان يعملون في ذلك ابتغاء الأجر والثواب من الله تعالى لخدمة أهالي المدينة المنورة وزوار المسجد النبوي الشريف.
تطوير العين
وأشار المهندس صالح جبلاوي إلى أن العين الزرقاء كانت تابعة لبلدية المدينة المنورة في العهود السابقة حتى توحدت البلاد على يد صقر الجزيرة جلالة الملك عبدالعزيز آل سعود (رحمه الله)، مضيفا أنه منذ بداية العهد السعودي الميمون بدأ الاهتمام بتطوير خدمات المياه بالمدينة المنورة لسقيا المواطنين وحجاج بيت الله الحرام، حيث تم تشكيل هيئة إدارية فخرية خاصة مستقلة وقائمة بنفسها بكاتبها وأمين صندوقها بموجب الأمر رقم (113) وتاريخ ذي الحجة سنة 1344هـ الصادر من سعادة وكيل إمارة المدينة المنورة.
وذكر المهندس الجبلاوي أنه في عام 1378هـ أنشئت إدارة العين الزرقاء وربطت بالشؤون البلدية والقروية التي كانت وكالة تابعة لوزارة الداخلية، لتقوم بتقديم الخدمات اللازمة والعمل على تنفيذ ما يأمر به جلالة الملك لسقيا المواطنين وحجاج بيت الله الحرام وتوفير المياه اللازمة لهم، حيث حفرت عدة آبار للسقيا سميت (مناهل سعود) كما بدأ في تنفيذ أعمال المرحلة الأولى للمياه بحفر ثماني آبار في منطقة قباء والعاقول كما تم إنشاء شبكة مواسير مياه وكذلك خزانين للمياه دائرية الشكل بجوار موقع العين الزرقاء سعة كل منها 750 مترا مكعبا.
ويقول الأديب والمؤرخ المعروف وعضو هيئة التدريس بجامعة طيبة الدكتور سليمان الرحيلي أن المسلمين عنوا عناية فائقة بالمياه وجلبها ولاسيما للمدينتين المقدستين مكة والمدينة المنورة وأوصلوا إليها المياه من مختلف الأودية والشعاب القريبة الواقعة حول هذه المدينتين.
وأضاف أن في العصر الأموي كانت للمسلمين عناية خاصة بالمدينة المنورة فأنشأوا حولها عددا من السدود وعلى رأسها سد معاوية الواقع شرق المدينة المنورة والذي مازال معروفا باسمه حتى اليوم، إضافة إلى عدد من السدود التي تقع شمال المدينة المنورة مثل سد الشعب الواقع في ذي خشب بقرية المندسه شمال المدينة.