«مواء قط» يعلو في جلسة رقية.. يقترب المعالج محمد المالكي شيئا فشيئا من جسد المريض ومصدر الصوت ويواصل قراءته.. يختفي المواء ثم يعود. يرتفع الصوت من جديد وينقض المعالج على المريض ويحكم قبضته عليه مرددا بعض الآيات بصوت عال.. المريض يقاوم ويحاول الخلاص من قبضة المعالج ويزداد مواء القط في دواخله. استمرت الحالة لدقائق ويستفرغ المريض كل ما في جوفه من قطع الحديد والقماش!
الحالة حدثت لمريض يدعى «يحيى العسيري».. ورواها بنفسه ليخلص الى انه لم يشعر بالراحة والطمأنينة في حياته الا بعد ان تخلص مما كان في دواخله.
عسيري يروي تجربته
يقول عسيري: كنت كمن غاب عقله، رغم ان عمري تجاوز الاربعين لم احقق شيئا مما ظللت احلم به عشرين عاما وانا اعمل ولم اجمع خلال كل هذه المدة ريالا واحدا يمكنني من بناء دار لاسرتي.. وانعكست حالتي هذه على افراد اسرتي، اهمل طلباتهم واحتياجاتهم ولا اقوم بواجباتي تجاههم فضلا عن خلافات ومشاحنات اسرية لأتفه الاسباب.
يستطرد المريض المتعافي.. قطعت عهدا على نفسي بتغيير منهجي في الحياة، وقد تعافيت مما كنت عليه.
السحر من اول جلسة
سألنا المعالج المالكي عن حالة العسيري فقال انه تعرض الى عملية سحر منذ فترة طويلة.. وظهرت علامات اصابته من اول جلسة، حيث كانت تصدر منه اصوات غريبة عند القراءة عليه والمعالجون بالقرآن في مقدورهم تحديد نوع الاصابة التي يعاني منها المراجع من خلال ردة فعله اثناء الرقية.
.. المتحدث ينكر اقواله
ليس تقليد اصوات الحيوانات هي اغرب ما يقوم به المريض في جلسات الرقية فما تروى من قصص وحكايات على ألسنتهم لا تصدق ولكنها تبقى واقعا لا مناص من الاعتراف به لان الاغلبية يسمعون .. ويصدقون ويذهب الاعتقاد ان المريض ليس مسؤولا عن كلامه اثناء الرقية لانه لا يعي ما يقول ولا يعلم شيئا عن القصص التي يسردها فان انتهت الرقية وسئل عما رواه انكر اقواله.
ويمضي الجميع الى الاعتقاد بأن كل ما يقوله المريض اثناء الرقية لم يصدر عنه لان هناك من يتحدث بلسانه ويقصد به الجان.
حكايات معقدة ومآس وطرائف نسمعها من المرضى ومرافقيهم ولا نملك معها إلا إلانصات ونقلها كما هي.
يقول فهد الشهراني: تعودت على مرافقة قريب لي إلى المعالجين وكلما ذاع صيت أحدهم ذهبنا إليه فتنقلنا من منطقة إلى أخرى ولم نلاحظ خلال جولاتنا فروقا بين أساليب الرقاة إلا من بعض الاختلافات البسيطة كإضافة آيات أو تقديم بعض المعالجين خلطات للمرضى بالإضافة إلى اختلاف مواعيد وطريقة استخدام الزيت والماء.
جني يتحدث الانجليزية
ومن الحكايات التي لا تزال عالقة في ذهنه يقول إن رجلا كبيرا في السن فاجأ الحاضرين في إحدى جلسات الرقية فأخذ يصرخ في وجه الراقي ويجادله باللغة الانجليزية وبطلاقة فما كان من الراقي إلا أن بادله الحديث بنفس اللغة تارة ثم يدعوه تارة أخرى بالعربية ليتحدث بلغة القرآن.
ويتابع الشهراني: الغريب الذي اكتشفته بعد انتهاء الجلسة ما أخبرني به بعض الحاضرين من أن المريض أمي لا يقرأ ولا يكتب ولم يطرق أبواب المدارس نهائيا.
أما عن حالته المرضية وأسبابها فذكروا أنه كان يعمل سائقا لدى إحدى الشركات العاملة في سفلتة الطرق فكان ينقل العاملين من مقر إقامتهم إلى مكان العمل وفي إحدى المرات تعرض لحادث مروري فأصيب بحالة هستيرية فسرها المعالجون بأنها مس من الجن.
ويروي فائز العمري قصة لا تقل في طرافتها عن القصة السابقة ورغم أنه لا يعاني من أي مرض إلا أنه كان يحرص على حضور جلسة الرقية في منزل أحد جيرانه المعالجين فالرقية من وجهة نظره إن لم تنفع فإنها لاتضر.
ويقول العمري: كنت أتابع حكايات المرضى التي يروونها أثناء الرقية بشغف كبير ولكني توقفت كثيرا عند قصة تاجر في الخمسين من عمره لم يتزوج أبدا رغم أنه ميسور ماديا ولم أكن أنا الوحيد الذي لفتت القصة انتباهه فكل الحاضرين كانوا مثلي خاصة أن هندام الرجل واناقته تثير الانتباه وتزيد من حرص الحاضرين لمعرفة سبب مجيئه، ومما زاد من فضولنا أن حالة الرجل تنقلب رأسا على عقب فما أن يبدأ المعالج في القراءة حتى يذهب الاتزان الذي كان عليه وتختفي أناقته وهو يتقلب ذات اليمين وذات الشمال.
ميمونة تغازل الثري
ويتابع: بمجرد أن يمسك به المعالج ويبدأ في مخاطبته يتحول صوته المجلجل إلى همس أنثوي فيدخل الراقي معه أو معها في حوار طويل، يسألها من هي وماذا تريد فتجيب بأن اسمها ميمونة وأنها جنية عاشقة فيرد الراقي بأن الرجل لا يريدها ويرغب في خروجها من جسده ويهددها الراقي بالحرق إن لم تفعل فترد بإصرار وعناد بأنه عشيقها وملك لها فقط ولن تسمح لأخرى أن تختطفه منها مهما حدث.ويشير العمري إلى أن التاجر الأنيق لا يزال حتى الآن بلا زوجة.
الاستنطاق النفسي
الدكتور احمد مهران استشاري الامراض النفسية يقول ان احاديث المرضى في جلسة الرقية يمكن ان تكون مجرد هلاوس نفسية وفي اغلب الاحوال عندما يتحدث المريض بهذه الطريقة يكون بين حالتي الوعي واللاوعي تماماً مثل النائم الذي يعيش حلماً أو كابوساً وما يحدث في جلسات الرقية يشبه الى حد بعيد ما يجري في جلسات العلاج النفسي رغم اختلاف طرق الاستنطاق.
وعن الفرق الذي يراه الدكتور مهران بين ما يقوم به الطبيب النفسي والراقي يقول: يستطيع الراقي استنطاق المريض النفسي بشكل أسرع وقد يبوح له بما يدور في نفسه من أول جلسة بغض النظر عن صفة البوح حقيقة كان أو وهما وفي المقابل فإن الطبيب النفسي قد لا ينجح في استنطاق مريضه إلا بعد أكثر من جلسة والسبب يعود إلى علاقة المريض الذهنية بثقافة مجتمعه التي ارتبط بها منذ نشأته والثقة التي يحظى بها المعالج بالقرآن، فارتباط وسيلة العلاج بعقيدة المريض يزيد من ثقته في المعالج فيستجيب بشكل أسرع ولكن لا ينجح في علاجه في أغلب الأحوال أما الطبيب النفسي فأقدر على التشخيص السليم ومعرفة سبب المعاناة وبالتالي الوصول إلى النتيجة المطلوبة لاعتماده على أساليب علمية طوال مراحل العلاج وهو ما يفتقده الراقي.
20 سنة علاج!
ويتابع: حتى لو نجح الراقي في علاج مريض نفسيا فإن ذلك لا يتم إلا بعد سنوات عدة قد تتجاوز 20 عاما بينما لا يحتاج الطبيب لكل هذا الوقت علما أن نجاح الراقي لا يعني انتهاء المعاناة والقضاء على أسبابها لأن تخلص المريض من المعاناة مرتبط بالخلفية الثقافية أيضا فاستفراغ المريض عدة مرات يعني له زوال السبب وخروجه من جسمه كما هو متعارف عليه في مجتمع الرقية وحينها سيشعر براحة مؤقتة ولكنها لا تستمر طويلا فقد يعود في الدوامة نفسها ويتم تفسير الأمر على أن السحر جدد له أو أن عينا أصابته مرة أخرى.
مرضى.. ولكن مبدعون
ويتفق الاخصائي النفسي زهير الحسن مع ما ذهب إليه الدكتور مهران ويستشهد باستعانة بعض مستشفيات الطب النفسي بالرقاة مشيرا إلى أن ذلك يأتي بدافع الإسراع في استنطاق المريض للإمساك بأول خيوط العلاج.
ويؤكد الحسن أن تحدث المريض أثناء الرقية لا يعني في الغالب أنه بفعل الجان فمن المرضى نفسيا من يملك خيالا واسعا وفكرا خلاقا في نسج القصص وتطويع أحداثها وفقا لرغباته ومنهم من يتمتع بمواهب كثيرة وقدرة على التقليد والاستيعاب ولكن لم يحسن استغلال إمكانياته الفطرية أو لم يسمح له باستخدامها بسب الضوابط التي تحكم تصرفاته فقتل الإبداع في داخله كالتزام اجتماعي وسواء كان هذا الالتزام ذاتيا أو بضغط أسري أو خوفا من انتقاد من يتعامل معهم فإن الرغبة في استثمار قدراته تظل تلح عليه وترتفع حدتها عندما يجد أقرانه أفضل حالا رغم قدراتهم المحدودة لمجرد أنهم استثمروها فيحبط نفسيا ولا يجد وسيلة للتعبير عن إمكاناته إلا من خلال الرقية فكل ما يفعله فيها مباح لا ينكره من حوله.
ويضيف: ولا يعني هذا القول أن كل المرضى نفسيا يملكون ذكاء خارقا فهناك من تكون معاناته بسبب ضعف قدراته فيستسلم ويقارن نجاحاته مع الآخرين محاولا تحقيق جزء منها بالدخول في عالم احلام اليقظة ولكنه عندما يخرج يجد واقعه البائس لم يتغير وسهام النقد موجهة إليه من كل حدب وصوب فيلوذ إلى حصن الرقية الآمن ليجد فيه تبريرا لتعاسته وسط شفقة الجميع فتتغير نظرتهم عنه بإيهامهم أن لا يد له في سوء أوضاعه وانما عوامل خارجية هم يدركونها جيدا.
ويشير د. الحسن إلى أن هذا النوع من المرضى أصعب علاجا لأنه لم يكن صريحا مع نفسه ولا يرغب أن يصارحه الآخرون.
الطب النفسي يربط بين «الاستنطاق» وكلام الممسوسين
«ميمونة» العاشقة تتحدى التاجر الثري.. و«جن انجليزي» يسكن دواخل أمي!
5 سبتمبر 2006 - 01:59
|
آخر تحديث 5 سبتمبر 2006 - 01:59
«ميمونة» العاشقة تتحدى التاجر الثري.. و«جن انجليزي» يسكن دواخل أمي!
تابع قناة عكاظ على الواتساب
سعيد الزهراني (عسير)تصوير: يحيى الفيفي
