الأمر أصعب وأغرب من أن نفسره بتعصب البعض لنظرية المؤامرة، فهو يتعلق بنفي ما حدث لإثبات ما يمكن أن يحدث!، أو بعبارة أوضح: إنكار ما تراه العين جهارا نهارا لصالح فكرة مثيرة داعبت الخيال طويلا فلم يعد ثمة مجال للخروج من أجوائها السحرية، هذه هي أشد علة يعاني منها العقل العربي اليوم، فقد أثبتت استطلاعات الرأي التي أجريت بمناسبة الذكرى العاشرة لأحداث سبتمبر أن الغالبية العظمى من العرب لا تصدق بأن تنظيم القاعدة هو من قام بغزوتي نيويورك وواشنطن، رغم أن زعماء تنظيم القاعدة مثل بن لادن والظواهري وابن الشيبة اعترفوا بتنفيذ هذه العملية، بل إنهم عرضوا خطبا مصورة لبعض الانتحاريين الذين نفذوا العملية.. فلماذا يدين تنظيم القاعدة نفسه ويدخل في حرب قصمت رأسه إذا لم يكن قد نفذ هذه العملية فعلا؟!
بالتأكيد هناك أطراف متعددة حاولت استثمار الحدث لصالحها.. وقد تكون هناك أطراف سهلت مرور المنفذين لغاية في نفس يعقوب، كل شيء جائز، ولكن كل ذلك لا يلغي أن تنظيم القاعدة هو من نفذ العملية باعتراف المخططين والمنفذين والاعتراف سيد الأدلة، فلماذا نختطف عقولنا بأنفسنا لنفكر في شيء غير موجود؟، هذا الأمر تكرر بعد إعدام صدام حسين.. ثمة أشخاص كثيرون في عالمنا العربي لا زالوا يعتقدون أنه حي يرزق رغم الصور التلفزيونية ورغم تأكيدات عائلته وحزبه وعشيرته بأنه أعدم شنقا، وكذلك الحال بالنسبة لمقتل أسامة بن لادن فبرغم أن تنظيم القاعدة نعى زعيمه السابق في بيان رسمي إلا أن عددا لا بأس به من الناس لا يصدقون أن بن لادن قتل بالفعل.
مثل هذه الطريقة الغريبة في التفكير ليست جديدة على العقل العربي، فهي مستمرة منذ وصول الإنسان إلى القمر الذي لا زال قسم كبير من الناس يعتقد أن ما حدث مجرد فيلم تم تصويره في استوديوهات هوليود، وخطورة هذا النمط من التفكير أنه لا يساعد الأمم على تجاوز واقعها الصعب، فتبقى أسيرة الخيال، فيمر بها الزمن دون أن تشعر به أو تستفيد من تجاربه.
والضرر من هذا التفكير الخيالي والعاطفي كبير جدا ويعطل حركة التاريخ، فعلى سبيل المثال يؤمن ملايين العرب بأن أحداث الربيع العربي وانتفاضاته هي مجرد مسرحية تم تركيب فصولها في الغرب، وقد يكون ذلك صحيحا.. ولكنه يظل هاجسا لا نراه بالعين المجردة، فما هو ظاهر للعيان أن هناك طغاة خنقوا شعوبهم عشرات السنين وأنظمة عسكرية لم تترك وسيلة لسحق شعوبها إلا وطرقتها، وكان من الطبيعي أن تثور هذه الشعوب في يوم ما، وأن تنتشر عدوى «الحرية» بينها فتخرج إلى الشارع وتقول للظالم: كفاك ظلما، هذا هو الأمر الذي لا يستطيع أحد إنكاره، فلماذا نحاول الهروب من مواجهته بحثا عمن يدير اللعبة في الخفاء؟!
باختصار نحن قوم نعشق خلط الأوراق، نلون الكوابيس السوداء بالألوان الطبيعية كي لا نرى الواقع المرير، نترك من ارتكب الخطأ الظاهر لنفكر في من يمكن أن يستفيد منه في الخفاء، تتزاحم الكوابيس في أدمغتنا حتى يصبح الواقع بلا معنى، لذا يموت حكماؤنا فقرا وتزدهر تجارة مفسري الأحلام!
klfhrbe@gmail.com
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 211 مسافة ثم الرسالة
تبرئة القاعدة: تلوين الكابوس!
12 سبتمبر 2011 - 20:26
|
آخر تحديث 12 سبتمبر 2011 - 20:26
تابع قناة عكاظ على الواتساب

