في أوج اشتعال الحرب الأهلية في لبنان وبينما كانت مجموعة من المواطنين بينهم امرأة يعبرون إحدى المناطق الواقعة تحت الخطر غلب عليهم الصمت الذي يسبق الموت، فما إن وصلوا إلى المنطقة الآمنة وتجاوزوا الخطر حتى بدأوا يتنفسون الصعداء وعادت الأحاديث والأصوات الصغيرة تدب في سيارة الأجرة العمومية التي كانت تقلهم وأصبح شبح الموت الذي مر قبل قليل مادة للتندر والتعليقات كما لو أنه ذكرى. السخرية ميكانيزما دفاعية تنشط كثيرا حتى تتحول إلى مهنة يتقنها الجميع حين تصبح حياتهم مسافة صغيرة بين قذيفتين وهذا ما حدث مع هؤلاء الركاب لكن المرأة وحدها بقيت ساهمة وغارقة في صمتها حتى فطن لها الجالس إلى جوارها وظن أنها ما تزال أسيرة القلق أو أنها لم تستوعب بعد لذة الشعور بهذه الطمأنينة الصغيرة وأراد مواساتها وإخراجها من حالتها بقوله: إن الناس لا حول لهم ولا قوة أمام ما يجري وإن سوء الحظ هو ما جعل لبنان لعبة للكبار، لكن المفاجأة التي جاءت أشبه بقذيفة لم يتوقعها أي منهم عندما أفاقت المرأة قائلة إنها اضطرت للخروج من بيتها بسرعة ونسيت ست بيضات على نار الفرن وعبرت عن سخطها بهذه الجملة الموغلة في بساطتها:
(الله يضيعلن عقلاتن ضيعوا لي عقلاتي).
الأمر الذي جعل الجميع يصابون بنوبة ضحك تعبيرا عن استهجانهم من سذاجتها.
التقطت هذه الحكاية من كتاب (الأرض الحرام) للكاتب اللبناني عماد العبدالله لأقدح شرارة السؤال التالي:ترى أين الإنسان السوي هل هو في الجزء المفقود في شخصية المرأة الذي ترجم بعفوية عن موقف نظيف لم تسمح للشعارات أن تلوثه أم في بقية الركاب الذين كانوا أسرى في حرب شعارات ودعايات حزبية وأكاذيب لا طائل لهم من ورائها ؟
أيهما الذي يستحق الاستهجان: امرأة تعتقد أنها معنية بمنزلها ومطبخها وطعام أولادها وعندما تتعرض هذه المملكة للخطر فإن عقلها يطير أم الشخص الذي بالكاد يملك ثمن ركوب السيارة العمومية، وربما يشحذ السجائر من جاره في المقعد، ويتسكع تاركا أطفاله يتضورون من الجوع بحثا عن جرعة حليب أو وجبة طعام أو قرص دواء، وعلى الرغم من ذلك ينسحب من همومه الصغيرة ويقفز على ما يتواطأ الكثيرون على تفاهته في سبيل الانصياع إلى تبعية لن توفر له إلا مقعدا للتصفيق وترديد الجمل الرثة: بالروح بالدم نفديك يا كايدهم !!
لا أطرح السؤال بقصد إجراء اختبار للقراء بقدر ما أريده مدخلا للوقوف على مسألتين في غاية الأهمية الأولى: هي في قراءة تلك العلاقة الحميمة التي تربط الإنسان ببيته رغم أنها لا تخص الإنسان وحده وقد شاهدنا كيف تدفق الآلاف من أبناء القرى الجنوبية في لبنان حالما وضعت الحرب أوزارها. ليس سهلا أن تصف ما يعتريك وأنت تشاهد عمارة مكونة من عدة طوابق وقد تحولت إلى حطام ولم يعد للمفاتيح معنى سوى أنها تجعلك على قيد الألم والحزن والموت الرخيص. لم أحتمل مشاهدة أحد العائدين وهو يتنقل بين الأنقاض ويحكي: هنا كان عبود هذه بقايا سريره. وهنا غرفة صهري المشلول. هذا الكتاب الممزق هو كل ما تبقى من ابنتي ريما... وعندما هم أن يكمل سيرة البيت الذي أصبح في غضون ثوان في خبر كان نزفت عيناه وحينها أحسست أن العمارة تنهض من جديد وتهوي على رأسي وتساءلت أيهما أكثر حظا الموتى الذين لم يجدوا وقتا ليسألوا عما حدث أم الناجون الذين سيموتون عشرات المرات ؟
وقفز إلى ذاكرتي حوار دار بين صديقي قبل سنوات:
- ما شعورك لو أن صاروخا اخترق جدار المكتب في طريقه إلى صدرك ؟
- كان يجب أن تسألني فيما لو أنه مر على مسافة عشرة سنتيمترات مني وبقيت على قيد الحياة يا صديقي ؟
المسألة الأخرى تختصرها إجابة للمفكر علي حرب إذا لم تخني الذاكرة على سؤال لا أتذكره: (التوتر، الحروب والإرهاب و الإرهاب المضاد وكل سيول الأخبار التي لا تجلب سوى الهم لدرجة يصاب بها المتلقي بداء عضال هو انفصاله عن حياته الخاصة وهمومه اليومية ثمنا لشعوره بأنه شريك في كل قضية وأنه معني بكل ما يحدث على الكرة الأرضية والنتيجة انسحاق الفرد تحت وطأة القوى الكبرى).
إن المرأة التي أثارت سخرية الركاب هي الوحيدة التي بقيت في حقيقة الأمر محتفظة بعقلها لأن انتماءها إلى أشياء منزلها يعبر عن انتمائها إلى الذات الإنسانية التي لم تشوهها آلة الحرب ولم تفترسها شعارات التجار الذين أججوا نار الحرب بينما الركاب هم الذين فقدوا صوابهم بالفعل ولما لم يكونوا يرغبون في الإعلان عن حالة الهلع التي منوا بها فإنهم يتواطأون بشكل ماكر على السخرية من موقف المرأة التي عكست لا وعيهم.
أخيرا أسألكم بعد أن فقدت الثقة بالأخبار: هل انتهت الحرب ؟
- لم تنته بعد.
- بلى انتهت الحرب من وجهة نظر الذين يعتقدون أنها لعبة كرة قدم فقط ولكن الجولات القادمة سوف يخوضها من بقي من هؤلاء الأطفال الذين يقتادهم القتلة ويهدون إليهم الأكفان الملفوفة بالرايات وألقاب الشهادة التي لا تستوعبها أعمارهم. دعوا الأطفال يكملون غبطتهم بالحياة قليلا فلم تهدأ صيحات ميلادهم بعد. دعوا الطفولة ولا تحولوا الأطفال إلى ألغام قابلة للانفجار غدا أو بعد قليل. ودعوا الأطفال يلعبون على ضفاف التأتأة ولا تمسخوا قاموسهم بلغة البنادق أيها القتلة دعوا الأطفال لكي تبقى الحياة وتشرئب أعناق الأعشاب الصغيرة وتستعيد الأغنيات أسماءها من غيمة شاهقة فما زال في الأرض ما يكفي من الهواء.
وسواء توقفت الحرب أو انتهت فإن الإنسان المتحضر في أعماق اللبنانيين الذين هبوا يمتصون أنين بعضهم بعضا من خلال المؤسسات التطوعية هو الذي سوف يبقى عصيا على كل المحن والحروب.
أمانا عليك يا شجر الأرز
ثم أمانا عليك
أمانا.. أمانا

Abdsmile@hotmail.com