في عالمنا الثالث بصفة عامة يكون للوظيفة رونق وعز وعليها ذل وصغار، ولذلك تجد من يتولاها يحاول الاستفادة من عزها وإن دفع ثمن ذلها من كرامته وأمانته ودينه أحيانا، وكلما زاد حجم الوظيفة زاد حجم عزها وذلها معا؛ لأن صاحب الوظيفة المرموقة يجد نفسه بين عشية وضحاها وقد أصبح يستطيع بإشارة واحدة من أصبعه الأصغر قضاء جميع احتياجاته، فإذا أشر وجد بين يديه عشرات المستعدين لخدمته وحمله على رؤوسهم إن هو أمر بذلك، وإن سافر وجد التسهيلات أمامه من المطار إلى المطار، ويكون تحت الأضواء الباهرة وحديث الناس ما دام في وظيفته. هذا بالنسبة للفوائد المعنوية، أما الفوائد المادية فحدث عنها ولا حرج، وفي مقابل هذا العز الوظيفي نجد بعض أصحاب الوظائف والمراكز لا يتورعون عن إذلال أنفسهم من أجل البقاء فيها أطول مدة ممكنة، وقد يصل الواحد منهم مرحلة من الذل تجعله لا يتردد في اكتساب غضب خالقه من أجل إرضاء مخلوق مثله هو رئيسه الذي بيده أمر استمراره في الوظيفة المرموقة التي ذاق عسلها ولا يريد مفارقة مكتبها الوثير وكرسيها الفخم ومزاياها الكبيرة. وكمثال بسيط على ما ذكر، فإن من ذل الوظيفة أن يكون لرئيس ذلك الموظف قريب بليد يعمل معه في الإدارة التي يرأسها، يكون واحدا من عشرات أو مئات الموظفين الأكثر كفاءة من ذلك البليد، ولكنه مع ذلك يقدمه على بقية الموظفين ويسمح له بالتلاعب بساعات الدوام الرسمي واستغلال وقته في اللهو وتبادل أطراف الحديث بالهاتف مع أمثاله من الهاملين في الإدارات، فإذا جاء موعد الترقيات والعلاوات تقدم ذلك الهامل بسبب قرابته للمسؤول الرئيس على جميع زملائه العاملين الذين يشعرون بالظلم الفادح الجاري ضدهم، بينما الذي قدم الهامل وأذل نفسه بتمسكه بالكرسي وأغضب خالقه ليرضي مخلوقا مثله، يحاول تقديم المبررات الواهية على أن قراره سليم وأن «المرشح» يستحق الترقية بجدارة!
مثل هذا الموظف التعيس، على الرغم من تمتعه المؤقت بعز الوظيفة ودفعه الكثير من كرامته ذلا لها، إذا ما فقد منصبه أصيب بالاكتئاب الحاد وأخذ يشكو لمن حوله كيف أن الناس تخلوا عنه ولو كان عاقلا وموضوعيا لسأل نفسه: هل كان يتمتع بعز الوظيفة قبل استلامه لها أم أن العز جاء معها، فلماذا إذن يتعجب من فقده لما كان فيه من عز بعد تركها؟، أما ما ارتكبه من إثم بسببها فسوف يظل قائما على رأسه حتى بعد قيام الساعة ليحاسب عليه «يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم»!
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 162 مسافة ثم الرسالة