أكد شرعيون أن زواج الفتاة الصحيحة من مريض بالإيدز لا يجوز مهما كان الأمر أو الدافع، مستدلين بالقاعدة الشرعية التي تنص على أنه لا ضرر ولا ضرار وأن الضرر يزال، معتبرين ذلك الزواج إلقاء بالنفس للتهلكة، وتفاوتت آراء العلماء على صحة العقد من عدمه، مشيرين إلى أن هذا المرض يعتبر عيبا من العيوب التي يجوز فيها لأحد الطرفين فسخ العقد، وقد أثارت الصحف المحلية خبرا لست فتيات رضين بالزواج من أبناء عمومتهن المصابين بمرض الإيدز، على رغم علمهن بالإصابة، وذلك بدافع صلة القرابة بينهم.
مرض معد
بداية علق عضو هيئة كبار العلماء الدكتور قيس آل الشيخ مبارك على هذا النوع من الزواج، قائلا: لا شك أن مرض الإيدز مرض معد ويعود على الغير بالضرر الكبير، ولذا فلا يجوز القبول بالزواج من مصاب بهذا المرض، ففي ذلك تعريض النفس للهلاك وإلحاق الأذى بالنسل.
أهل الطب
أما مفتي موريتانيا د. أحمد المرابط فقال: إذا كان المرض متحققا ومعديا، فإنه لا يجوز للمرأة أن تتزوج المريض بالإيدز أصلا، لافتا إلى أن القرار يرجع إلى أهل الطب، مشيرا إلى أن المتعارف عليه أن هذا المرض معد ومتحقق فيه ذلك إلا بإذن الله، وبالتالي فالضرر يزال رفعا ودفعا.
دفع الضرر
ويؤكد عضو هيئة التدريس في المعهد العالي للقضاء التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الدكتور إبراهيم الحمود، أنه إذا تبين وتأكد أن الزوج أو الزوجة مصابة بمرض معد سواء الإيدز أو غيره، فينبغي عدم إمضاء الزواج، مشيرا إلى أن هذا لا صلة له فيما يتعلق بالعقد وإنما من باب دفع الضرر والقاعدة الشرعية التي تنص على أنه لا ضرر ولا ضرار.
وأضاف: الذي ينبغي سلامة الزوج والزوجة وهذا أمر مطلوب، فإجراءات الفحص قبل الزواج سببه اكتشاف وجود مثل هذه الأمراض، لافتا إلى أن الأمراض المعدية خطرها ظاهر وإن من باب دفع الضرر وحفظ النفس عدم الإقدام على مثل هذا الزواج، ولا يرى الدكتور الحمود جواز الزواج إذا كان الزوجان مصابان بنفس المرض، لأن المرض سينتقل إلى الذرية وأن هذا لا يحقق قاعدة حفظ النفس ودفع الضرر فالسلامة مطلوبة.
تدخل الولي
أما نائب مدير مركز التميز البحثي في فقه القضايا المعاصرة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الدكتور إبراهيم الميمن، فقال: إن المسألة مبنية على إرادة المرأة وتدخل الولي في أمر زواجها، فإن جمهور العلماء يقولون بذلك ومنهم الحنابلة، أي الحق للولي بالتدخل في منعها.
وقال: إذا رضيت المرأة بالزواج من شخص فيه تقصير في دينه أو عيب يخشى تضرر المرأة منه أو انتقاله إلى النسل والذرية، فبالتالي يحق للولي منع هذا الزواج لما ذكره العلماء، وقالوا إن ذلك عائد إلى سببين أولهما خشية أن يلحق أهلها العار بسبب ذلك، وثانيهما أن يتعدى الضرر إلى المرأة أو نسلها.
المسألة اجتهادية
وأبان الدكتور الميمن أن المسألة اجتهادية لعلماء سابقين أفتوا بناء على بيئة معينة، لكن الاتفاق على أنه إذا وجد المرض وخيف من انتقاله فإن المرأة تمنع من هذا الزواج، لافتا إلى أن هذا يرجع أيضا إلى تقرير أهل الطب في ذلك بأن يروا أنه لا بأس في العشرة بينهما وألا معاناة في حياتهما وثبوت انتقال المرض من عدمه، مشيرا إلى أن الأمر يتعلق بشكل كبير في تقرير الطب أولا وأخيرا.
الضرر يزال
عضو هيئة التدريس في المعهد العلمي التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في جدة الشيخ حسن بن أبكر الأزيبي، أكد على أن الأحاديث النبوية الشريفة نصت على عدم جواز ورود المرض على المصح إذا كان على نطاق البلدان وأن الأمر يتحقق إذا كان على مستوى الأفراد، لاسيما أن الزوج سيعاشر المرأة ويكون ملاصقا لها في بيتها، فإنه من باب أولى أن ينتقل المرض إلى الأولاد وأنه لا يوجد هناك دواء لهذا المرض.
وأوضح أنه إذا تأكد طبيا انتقال المرض، فلا يجوز حينها أن تتزوج بالمريض والقاعدة التي تنص على أنه لا ضرر ولا ضرار تؤيد ذلك.
وعما إذا أثبت الأطباء عدم انتقال المرض، قال الأزيبي: اتفق العلماء والعقلاء والأطباء على أن المرض منتقل لا محالة، فالشرع يشدد على المحافظة على النفس والأعراض ودفع الضرر، وهناك قاعدة شرعية تنص على أن الضرر يزال.
وعن مسألة إذا كان الزوجان مصابان بالمرض نفسه، قال: ينبغي أولا أن يراعى تقرير الطب، هل ينتقل المرض إلى الأبناء أم لا، وأن الفقيه يصدر حكمه بناء على تقرير الطبيب، وفي كل الأحوال يحق للطرف الصحيح أن يفسخ العقد من المريض.
وعن صحة العقد، قال إن ذلك ليس متعلقا به وإنما كون الإثم والمعصية متحققان في الزواج في حال تأكيد الأطباء وقوع الضرر فتكون الزوجة أو الزوج قد ارتكب أمرا محرما، كما ينبغي للولي أن يتدخل ويفسخ العقد.
مشروع وممنوع
بيد أن الدكتور عياض بن نامي السلمي مدير مركز التميز البحثي في فقه القضايا المعاصرة في جامعة الإمام محمد بن سعود الاسلامية ذهب إلى أن زواج المريض بالإيدز من المريضة بالمرض نفسه ينبغي أن يشجع، لئلا يحتاج المريض لقضاء شهوته مع الصحيح؛ ولأن ذلك يحقق مقاصد النكاح أو أكثرها، لكن ينبغي أن ينصح الزوجان بعدم الإنجاب لئلا ينتشر المرض في المجتمع. أما زواج المريض بهذا المرض من الصحيحة فيجب على ولي المرأة أن يمنعها منه ولا يعقد لها على المصاب بهذا المرض؛ لأنها ربما لا تعرف حجم الضرر الناتج عنه، وأما زواج السليم بالمرأة المصابة بهذا الداء فيجوز لولي الأمر وهو الإمام أو نائبه أن يمنع منه سياسة ولكن لو تزوج الصحيح بمريضة الإيدز أو العكس فالعقد صحيح ولا يمكن أن يجعل كنكاح المعتدة مثلا، ولو مات أحدهما بعد العقد ورثه الآخر ولو طالبت الزوجة السليمة بالفسخ فسخ النكاح، لأن هذا المرض أشد من الجذام والجذام من العيوب التي يفسخ لها النكاح.
هذا ما ظهر لي من خلال النصوص، وأقوال أهل العلم في نكاح المريض تفيد الجواز مطلقا، ولكن ينبغي التفصيل في ذلك على الوجه الذي ذكرته.
المصالح والمفاسد
أستاذ الفقه في جامعة أم القرى الدكتورة محمد بن سعد العصيمي، قال: إن الناظر المتأمل في حكم زواج الفتاة بمن يحمل مرض الإيدز بعد ثبوته فيه قبل أن يتم العقد بين الزوجين يجد مع اكتمال شروط العقد، إلا أن الشيء لا يتم إلا بوجود شروطه وانتفاء موانعه وعندئذ يعلم بأن من ثبت كونه يحمل هذا المرض (الإيدز) أو نحوه من الأمراض المعدية والخطيرة والمضرة بصحة الإنسان، فإنه لا يجوز للفتاة أن تقبل به زوجا للأمور التالية:
أولا: لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (فر من المجذوم فرارك من الأسد) وهذا لا يعارض قوله صلى الله عليه وسلم (لا عدوى ولا طيرة) إذ معنى ذلك أن العدوى لا تنتقل بنفسها كما كان يعتقد أهل الجاهلية بذلك، والتي نفاها الشرع بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا عدوى ولا طيرة).
ثانيا: مما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) ولا شك أن قبول المرأة الزوج الذي يحمل هذا المرض مضر بها فيدخل ذلك في الحديث السابق ذكره.
ثالثا: ومما يدل على ذلك أيضا قول الله تبارك وتعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) وأن تعريض المرأة نفسها لهذا المرض وفقد المناعة سبب لهلاك النفس وعدم مقاومتها للأمراض، وبهذا يتبين لنا تحريم ذلك.
أحد العيوب
أستاذ الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض الدكتور يوسف بن عبد الله الأحمد، أكد أن مرض الإيدز يعتبر عيبا من عيوب النكاح في الرجل أو المرأة، فيشترط بيانه للطرف الآخر قبل العقد. هذا إذا قرر الأطباء إمكانية استمرار الحياة الزوجية دون انتقال المرض مع بذل أسباب الوقاية من انتقال المرض، ففي هذه الحالة يجوز للمرأة أن تقبل به، وللرجل أن يتزوج بها مع الأخذ بأسباب عدم انتقال العدوى.
أما إذا قرر الأطباء عدم إمكانية الوقاية من انتقال العدوى بين الزوجين غالبا، فحينها لا ينبغي لها أن تتزوجه وكذلك الحال بالنسبة للزوج، وإنما يتزوج المريض بمريضة مثله.
وأضاف: من خلال بعض ما اطلعت عليه سابقا، فإنه يمكن لمريض الإيدز أن يعيش حياته الزوجية دون أن ينتقل المرض إلى زوجته والعكس كذلك عند أخذ الحيطة، لكن لابد من التأكد طبيا من هذه المعلومة. والأمر ليس مختصا بمرض الإيدز فقط، بل بالأمراض الخطيرة الأخرى المعدية التي تنتقل من خلال الاتصال الجنسي.