أثناء جلسة عامة، كنت أبدي وجهة نظري من خلال مداخلة أردت أن أجعلها خفيفة على السمع والخاطر، فقررت أن أقحم فيها مثلا من الأمثال المعروفة، كنت أظن أن هذا المثل الذي سوف آتي على ذكره معروف لدى الجميع، ولم ألاحظ أنه من البقايا التي تضيع في العقل الباطني إلى أن تأتي اللحظة التي «يجترها» العقل الواعي ليستفيد منها أو يستخدمها في ما يراه مناسبا. وهذه البقايا بعضها نتاج دراستي المدرسية في القاهرة ( المتوسطة والثانوية). وكان المثل الذي استعنت به هو «لله يا زمري»!! وما إن تفوهت بهاتين الكلمتين حتى انهالت علي الأسئلة والاستفسارات، ماذا تقصد، وماذا تعني بهذا المثل، وهل هو مثل بالفعل، وأين يقال، وفي أي مجال يقال.
ومع أن المثل بسيط جدا، ومعناه واضح، إلا أنني فوجئت بهذه التساؤلات. وكنت أظن أنه مثل معروف لكل الناس، فاتضح لي أنني الوحيد في ذلك الجمع الذي كان يعرفه (طبعا وإلا لما استشهدت به).
أذكر أنني سمعت هذا المثل لأول مرة من أستاذ الرياضيات، الأستاذ رافائيل، الذي كان متمسكا بطربوشه الأحمر منذ أيام الباشوات، يدرسنا الرياضيات في مدرسة الخليفة المأمون الخاصة بمنشية البكري بالقاهرة في المرحلة المتوسطة. وكان هذا هو الأستاذ الذي جعلني أعشق مادة الرياضيات وأتفوق فيها أثناء دراستي الثانوية، حتى أنني تخصصت بها في العامين الأخيرين من دراستي الثانوية، مما سهل لي دراسة الهندسة المعمارية في الجامعة بألمانيا بعد ذلك ثم في أمريكا.
لم يكن الأستاذ رافائيل أستاذا للرياضيات فقط، فقد تعلمت منه أشياء كثيرة، مثل كيفية الحديث أمام الفصل، وتقديم موضوع ما لمجموعة من المستمعين، والرسم فوق السبورة، وطريقة حل المسائل الحسابية ذهنيا، بل وحتى الطريقة الآمنة لعبور شارع مزدحم بالسيارات. باختصار، تعلمنا من ذلك الأستاذ كيف نفكر ونتصرف.
وذات يوم، وبعد أن شرح لنا درسا صعبا في الرياضيات، توقف الأستاذ رافائيل وسألنا سؤالا لم يستطع أحد منا أن يجيب عليه. وكان صعبا ولكنه في صميم الدرس الذي انتهى من شرحه قبل دقائق.
عندها تنهد أستاذنا وقال بصوت يشوبه قدر من العتاب والحزن: لله يا زمري! بالطبع لم نفهم، ونحن لم نتعد الثالثة عشرة من العمر، ماذا كان يقصد أستاذنا بتلك الكلمات. ولكنه عندما رأى علامات عدم الفهم على وجوهنا، ابتسم وقال سأحكي لكم قصة هذا المثل ومعناه.
كان هناك رجل عجوز يعزف أجمل الألحان على مزماره ويتجول بين الأحياء ليعزف ويكتسب رزقه مما يجود به بعض المارة والجالسين على المقاهي. ووقف ذات يوم تحت شرفة كانت تقف فيها سيدة عجوز، أخذت تنصت إليه بكل انتباه، ويبدو عليها شدة التأثر بما كان يعزفه صاحبنا الزمار، مما دفعه إلى المزيد من العزف وبحماس شديد. وبعد فترة طويلة من العزف، كادت خلالها أنفاس الزمار العجوز أن تنقطع، توقف عن العزف (النفخ) ونظر إلى السيدة العجوز المعجبة بزمره، ورفع كفه إليها طالبا مكافأته أو أجره، وهو يمني نفسه بمكافأة مجزية أو وجبة طعام دسمة.
ما إن رفع العازف يده طلبا لإحسان من السيدة المعجبة العجوز، حتى أدارت ظهرها ودخلت منزلها وأغلقت باب الشرفة. هنا تحسر العازف العجوز وصعب عليه جهده الضائع وحماسه لعزفه دون الحصول على أي مكافأة أو أجر، ورفع يديه إلى السماء قائلا: لله يا زمري!
واضح بالطبع أن المقصود من هذا المثل هو كمن يقول «عوضنا على الله» أو «يا خسارة تعبي» أو ما شابه ذلك.
وهكذا كان قصد أستاذ الرياضيات الطيب «رافائيل» أن جهده كله ذهب سدى في شرحه لذلك الدرس الذي لم نستطع الإجابة على سؤال فيه.
حقيقه بعض الأمثال، إن لم يكن جلها، ما هي إلا حكم جميلة مختصرة في بضع كلمات قليلة.
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 129 مسافة ثم الرسالة
أخبار ذات صلة