كل شيء في سوق السمك في جدة، له قيمة وثمن واعتبار، ماعدا قوائم تعليمات وأنظمة وشروط وقرارات الأمانة، التي استحالت بما فيها من بنود استراتيجية مهمة تتعلق بقرارات السعودة، إلى نصائح غير ملزمة كتلك المدونة على علب السجائر. ولم يصمد من جملة القرارات والأنظمة المعلقة على مواقع بارزة في مدخل السوق سوى قرار «منع التصوير»، الذي أصبح أمر تطبيقه ونفاذه هاجسا حقيقيا يؤرق مراقبي الأمانة داخل السوق وحراس الأمن هناك، لدرجة أنه تم استيقاف ومساءلة زميلي المصور ثلاث مرات خلال أقل من ثلاثين دقيقة هي مدة جولتنا في السوق. وبعيدا عن المبررات التي اتكأت عليها أمانة جدة لمنع التصوير في سوق لا يعرض فيه سوى خيرات البحر، فإن كثيرين يتساءلون: وماذا عن القرارات الأخرى؟ ولماذا لا يتم تطبيقها بالجدية والحماس والكفاءة نفسها؟
لعبة اصطياد المستورد
في أحد الممرات الجانبية للسوق، كان الصياد علي الجهني منهمكا في إعادة ترتيب بضع «شكات من السمك» هي حصيلة رحلته الشاقة إلى البحر في ذلك اليوم..
اقتربت منه بعد أن فرغ للتو من جدال مع أحد الزبائن حول سعر شكة هامور، سألته: أنت بهذه الطريقة تنفر الزبائن، وتجبرهم على الشراء من محل آخر والسمك -كما تعلم- سلعة لا تنتظر؟
رد بسؤال دون أن يلتفت: ومن قال إن السمك لا ينتظر؟ ونظر إلي وهيبة البحر تكسو ملامحه الوقورة وقال: السوق مليء بالأسماك «البايتة» المستوردة من دول أخرى، وتباع على أنها طازجة من البحر وبسعر منافس، يضر بنا نحن الصيادون الذين نعرض حصيلتنا من رحلة الصيد يوميا، والزبون يتجاهل النوعية ويتهمنا برفع الأسعار مقارنة بما يعرض في مكان آخر من السوق.
قاطعته: ولكن الزبون يميز بين الطازج والمستورد ولا يمكن خداعه بسهولة؟
أجاب: نسبة قليلة من الزبائن فقط يملكون الخبرة الكافية، حتى هؤلاء يبلعون الطعم في كثير من الأحيان، فالعاملون هنا يملكون الكثير من الحيلة والدهاء وفنون الغش.
من تقصد بالعاملين -سألته-؟ وعن أي دهاء تتحدث؟
اقترب مني وكأنه يستسرني وأجاب بصوت خافت لفت انتباهي: تمارس معظم العمالة المسيطرة على السوق، كل فنون الغش لدرجة أنهم يقومون فجرا برحلات صيد وهمية لا تستغرق أكثر من نصف ساعة يقومون خلالها بتغطيس السمك المستورد «البايت» في مياه البحر والعودة إلى السوق لعرضه في الحراج بعد شكه وكأنهم عائدون من رحلة صيد شاقة.. مع أن التعليمات تقضي بأن يباع المستورد بالكيلو وليس في شكات التي يفترض أنها علامة تميز البلدي من المستورد.
وفي إشارة إلى أنه اكتفى بما ذكره، نهض الرجل من مكانه «المؤقت» واتجه ببطء إلى ناحية أخرى من السوق وهو يردد «خليها على الله يا ولدي».
الهوامير و الصيجان
ورغم صعوبة استجلاء الأمر بسبب القيود المفروضة من قبل الأمانة على تحركاتنا داخل السوق، وبسبب تحفظ معظم الصيادين السعوديين على الحديث، وتوجسهم «الغريب» من البوح بهمومهم ومشاكلهم، أو الإشارة إليها، أو التلميح بها، إلا أنني نجحت في إقناع شخصين أحدهما شاب لم يبلغ العشرين من عمره رأيته يقف إلى جوار «بسطة» صغيرة في إحدى الساحات الجانبية في السوق، وسألته إن كان له دور هنا، فقال نعم وبحماس واضح: هذه بسطة أبي، يعرض فيها حصيلته من الصيد يوميا، وأنا هنا لمساعدته أنا وشقيقي الذي يصغرني سنا.
واستطرد أحمد في الحديث وكأنه يود أن يكفيني مؤونة السؤال: فضلت أنا وشقيقي الوقوف الى جانب الوالد على الدراسة، خصوصا أنه تقدم في السن، وازدادت حاجته الى المساعدة، إضافة إلى قناعتنا أن مستقبلنا هنا في البحر وفي صيد السمك.
قطعت حديثه بسؤال: وهل ترسخت لديكم هذه القناعة أم تراجعت بعد أن أصبحتم جزءا من السوق والمهنة؟
صمت قليلا وبدأ يعبث في عين سمكة قبل أن يجيب على السؤال الذي وصفه بـ «الصدمة» وقال: لو أتيحت لنا فرصة العودة لمقاعد الدراسة لما ترددنا، فالوضع هنا صعب ومعقد، وما كنا نطمح في تحقيقه تحول إلى مجرد حلم «سخيف» قادنا إلى «كابوس» مخيف لا نملك إلا القبول بنتائجه، فنحن من قرر، فضلا عن أننا لا نملك خيارات أخرى.
وعندما أبديت له رفضي لهذه النظرة التشاؤمية وذكرته بقدرته كشاب في مقتبل العمر يملك ما يكفي من النشاط والحيوية لتحقيق طموحاته وآماله، بادرني على الفور:
نحن نشبه سمك «الصيجان» بحجمه الصغير في سوق مليء بـ «الهوامير» من السمك، والبشر -قالها وهو يبتسم- ولا مجال لتحقيق الآمال والطموحات، السوق هنا يذكرني بالبحر، الكبير يأكل الصغير، وقد رضينا بما قسمه الله لنا من فتات الرزق الذي ذهب بمعظمه فئة متنفذة داخل السوق بالتعاون مع العمالة البنقالية.
وكان لدى السماك الصغير نية لسرد رواية تحكى، عن «شادر السمك» لولا أن تدخل شقيقه الأصغر بنظرة حادة عطلت الكلام وأنهت الحوار.
أين الشباب؟
الشخص الآخر الذي التقيناه هو عيد الفايدي، وكنا حريصين على لقائه وإقناعه بالحديث معنا كونه أحد أقدم الصيادين والتجار في السوق، إلا أن موقفا سابقا مع الصحيفة كاد يمنعه عن الحديث والمشاركة برأيه، لولا اعتذارنا له عن الخطأ غير المقصود الذي ورد في اسمه خلال لقاء سابق أجراه معه أحد الزملاء.
الفايدي عبر عن رأيه بطريقته، وانطلاقا كما يقول من خبرة ودراية بواقع السوق والمهنة بشكل عام، وكانت له وجهة نظر أخرى حيال ما يجري داخل «البنقلة» حيث أشار إلى أن البحر واسع، والسمك كثير، والسوق موجودة، والغائب الوحيد عن المعادلة هم الشباب العازفون عن مهنة الصيد وتجارة الأسماك.
وفيما عيناه تراقبان حركة السوق، وترصدان تفاعل عماله مع الزبائن واصل العم عيد -ذو الصوت الجهوري- حديثه قائلا:
أربعون عاما أمضيتها من عمري داخل البحر صيادا، وفي السوق تاجرا، وأتمنى أن يخوض الشباب التجربة التي خضناها، وأنا على ثقة أنهم سيجنون الكثير من العوائد المادية والمعنوية، فمهنة الصيد تصقل الرجال حالها حال كل مهنة شريفة، والبحر إلى جانب ما فيه من جمال وسحر وروعة فهو بحاجة أيضا إلى سواعد الشباب وهممهم لسبر أغواره واستثمار خيراته، وأبناء الوطن فيهم خير كثير وهم بحاجة إلى التشجيع والمؤازرة والتدريب والتأهيل ليستفيدوا من خيرات وطنهم ويملأوا الفراغ الذي ملأته العمالة وبشكل أساء للمهنة وأصولها وأضر كثيرا بسمعة الصيادين والتجار الحقيقيين للسمك. ويضيف: أملنا كبير في جهود الأمير خالد الفيصل لإحياء مهنة الصيد، التي أثمرت حتى الآن -كما سمعت- عن افتتاح معهد للصيد لتدريب الشباب، وهذه خطوة مهمة على طريق توطين مهنة صيد الأسماك وتجارتها، فليس من المعقول أن نستمر في الاستيراد وبحورنا مليئة بالخيرات، وليس من المعقول ايضا أن تدار ملايين الريالات في هذا السوق وغيره من أسواق السمك في المملكة بواسطة العمالة وشبابنا يبحثون عن فرصة عمل هنا وهناك.
تركني الفايدي، بعد أن أكد على ضرورة أن أتوخى الدقة عند كتابة اسمه هذه المرة، ثم غادر إلى أسماكه التي وصفها لأحد زبائنه بـ «البلدي.. البلدي» في إشارة -فيما يبدو- إلى ما يميزها عن أكوام المستورد المعروضة من قبل العمالة التي تباع على أنها طازجة من البحر يوميا، وأنغمس في أداء مهمته التي عشقها منذ نصف قرن، تاركا وراءه سؤالا ضخما بحجم البحر: من المسؤول عن سقوط سوق السمك في يد العمالة؟
السعودة تنهار.. والعمالة تصطاد في الماء العكر.. ومنع التصوير يكرِّس الغموض
في جدة.. البنقلة تتكلم بنقالي
20 مايو 2009 - 21:57
|
آخر تحديث 20 مايو 2009 - 21:57
في جدة.. البنقلة تتكلم بنقالي
تابع قناة عكاظ على الواتساب
عبدالله دراج ـ جدة
