عندما أكون في «كانسس» أذهب لصلاة الجمعة في مسجد يؤمه إمام اسمه بلال، ولبلال والمسجد قصة يرويها لي بلال وهو أمريكي من أصول أفريقية مسلم كان يحدثني بصوته المليء بغبار العمر ودموع تتلألأ في عينيه كيف كانت حياته قبل الإسلام، يقول كنت أعيش إمبراطورية من الضياع وشقاء لاحدود له أينما كنت أصوب وجهي أرى الشقاء ينمو كالفطر السام وتحجر قلبي ومارست الرذيلة بكل أنواعها ودخلت السجن ثم خرجت منه وانخرطت في الجيش وذهبت مع الذاهبين لحرب الخليج «وشاهدت أناساً يموتون في تلك الحرب دون أن يصلي عليهم أحد أو يغمض عيونهم إنسان» ثم أصبت بمرض تم نقلي على إثره من قلب الصحراء إلى الكويت.. كان المستشفى يمتلئ هوائه برائحة موت قوية وصمت.. ظهرت بعد ذلك امراة بسيطة لفرط بساطتها لاتلفت نظرك لو مرت في شارع غير مكتظ، اقتربت مني مرحبة: أنا «زينب» المشرفة على رعايتك، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأجبت السلام بعربيتي التي تجعل المذكر مؤنثاً والمؤنث مذكراً.. كانت حالتي تتردى واستمرت «زينب» تشرف على علاجي ورعايتي لم يبد عليها الضجر أبداً من خدمتي، كانت تحاول أن تعلمني العربية وبدأت أسترد طاقتي وأنتظر قدوم «زينب» كل يوم مثل شحاذ على باب مسجد كانت كل شيء تقوله أو تفعله تسنده إلى «الإسلام» وتتلمذت على يدها كنت مثل النبتة العطشانة نهماً أمتص كل شيء تحضره أو تقوله لي عن الإسلام مترجماً حتى تمنيت «لو كان الإسلام قرصاً لبلعته» وكانت كل شيء تقوله لي أو تعطيني إياه عن الإسلام يعلق في ذهني مثل غراء كانت متمرسة تتقن فن تدريب الإنسان على التعايش مع نفسه.. أنستني الوحش القابع في أعماقي ورسمت لي معالم حياة جديدة تنأى النأي كله عن الشر والقتل والسوء وعرفت من خلالها» أن كل ما يقدم عليه الرجال من شرور هو نتيجة نقص في بنيتهم العاطفية» وخرجت من المستشفى وإلى المحكمة لأشهر إسلامي واخترت اسم «بلال» وأصبح تمسكي «بزينب» مثل تمسك خروف بضرع أمه وتزوجت «بزينب» وذهبنا للعمرة والحج ورحلت معي حيث طاب لنا الرحيل إلى مسقط رأسي في «كانسس ستي» أحضرتها للمنزل الذي ولدت فيه والذي أصبحت حديقته الخلفية تعج بالركام والأغراض المهملة العتيقة، كانت زينب تنظر إلى كل ذلك ساهمة!! تبسمت بعد ذلك ونظرت في عيني مباشرة وتساءلت باستسلام وعتاب: هل هذا المكان سيكون سكننا!! وأجابت «زينب» بصوت خافت: بل سيكون موقعا لمسجد وتحملت أكثر مايستطيع أي مخلوق تحمله حتى أكملت هذا المشروع كنت مدفوعاً بشيء نبيل أملكه في داخلي أن يكون هذا المسجد في هذه المنطقة وفي هذا الحي.
كنت أقرأ في عينيه سعادة من جنى مازرع، أدخلت يدي في جيبي وأخرجت منه أوراقاً نقدية، ما إن شعر بلال بذلك حتى أمسك بيدي بقوة وهو يقول لي: يوجد لدي ما يكفي من النقود وليس عندي ما أشتكي منه، إنني مقتنع بما وضع الله في صحني حامداً إياه على المولود الجديد الذي رزقنا به، ثم مد بلال ذراعه يودعني وهز كفي بين كفيه بحرارة، كان صوت أحد المقرئين يتلو في الخلف «وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير». صدق الله العظيم.


للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي تبدأ بالرمز 134 مسافة ثم الرسالة