تظل أمنية الثراء السريع حلما يراود كلا منا، إلا أن وسيلة تحقيق هذه الأمنية تختلف من شخص لآخر، فهناك من يستثمر تحويشة العمر في مشاريع موثقة ومعروفة تتبناها جهات رسمية لا تعمل في الخفاء ولا بعيدا عن أعين الرقابة، وهناك من يلجأ إلى مشاريع يديرها أشخاص مجهولون لا يحملون في المجتمع أية صفة رسمية لإدارة مثل هذه المشاريع سواء كانت صغيرة أو كبيرة، وذلك بهدف تنمية أموالهم، والحصول على أكبر قدر من العائدات دون النظر إلى مشروعية أو نظامية المشروع.
وكم هي القصص التي شهدها مجتمعنا في الآونة الأخيرة، وذهب ضحيتها الكثير من المواطنين الذين يحدوهم الأمل في أن يصبحوا من الأغنياء، ولعل موضوع بطاقات سوا ومستثمر البورصة العالمية وهامور المساهمات الوهمية وأخيرا قضية الزئبق الأحمر في مكائن الخياطة القديمة من النماذج والقضايا الإنسانية التي شغلت المجتمع، لاسيما أن المساهمين فيها وقعوا ضحايا، وما زالوا يطرقون الأبواب بحثا عن مخرج لاسترداد أموالهم.

«عكاظ» ترصد أبعاد قضية وهم الثراء السريع مع المتخصصين في مجال الطب والوراثة؛ للتعرف على طبيعة الجين البشري المرتبط بـ «الوهم»، وكذلك مع المعنيين في المجال النفسي والاجتماعي؛ للغوص في أسباب الظاهرة، وتكريس الوعي الفكري، وتوجيه أفراد المجتمع بعدم الاندفاع نحو المشاريع الوهمية التي يستغل أصحابها الثغرات الموجودة لدى البسطاء ويلوذون بالفرار عندما يكتمل نصابهم المادي.
جينات الوهم
التشخيص الصحيح للحالة يقود إلى العلاج الناجح، من هنا اتجهت «عكاظ» إلى الدكتور خالد عبد العزيز استشاري الوراثة، للاستفسار عما إذا كانت هناك علاقة مابين وهم الثراء السريع والجينات البشرية، انطلاقا من وجود اختلاف واضح في سلوكيات الناس مابين تردد واندفاع وتورط في فخ الصفقات الوهمية. وجاءت إجابة الدكتور خالد لتفتح الباب أمام الباحثين للتعمق في دراسة الجين البشري المعني بهذه الجزئية، حيث كشف أن الجينات تتحكم في الإنسان، حيث تعتبر هذه الجينات أكوادا وراثية موجودة على الحمض النووي في خلايا الجسم، ويحتوي كل نوع منها على صفات تتحكم في نشاط الخلية وفي تنمية سلوك الفرد وتصرفاته.
وللعلماء اجتهادات بحثية كثيرة في هذا الشأن، منها ما يتعلق بتفسير بعض تصرفات الإنسان، وبعض الصفات السلبية التي يتصف بها البعض، بمعنى آخر أن الجينات هي وحدات افتراضية تحمل (الكروموسومات) وتنتقل من الآباء إلى الأبناء، وهي مسؤولة عن تكوين صفات معينة في أفراد ينتمون إلى بيئة معينة.
ويضيف الدكتور عبد العزيز : إن الجينات تتحكم في شخصية الإنسان، وبالتالي تتحمل الجينات جزءا كبيرا من مسؤولية وهم الثراء السريع، وهو ما يدعو الباحثين إلى دراسة المزيد من الجينات التي تعمل داخل الجسد البشري، وبالطبع هناك أمور مكتسبة أخرى لها علاقة بوهم الثراء السريع وهي عوامل بيئية مكتسبة وتربوية واجتماعية، وهذا ما يجعل بعض الناس يتشابهون في تفكيرهم عند الاندفاع وراء الأوهام، بينما يدرك الآخرون خطورة الإقدام على هذه الخطوة بغض النظر عن آلية الجينات التي تتحكم في شخصية الإنسان.
أسباب المشكلة
ويلفت الدكتور محمد الحامد استشاري الطب النفسي، إلى أن هناك عدة جوانب في مثل هذه القضية التي تظهر في المجتمع بأشكال متعددة، فما أن تنتهي قصة حتى تبدا قصة بسيناريو جديد، وتدور أحداث جميع السيناريوهات حول محور واحد وهو الثراء السريع أو الانتفاع المادي بدون جهد أو تعب، لافتا إلى أن مثل هذه القضايا أصبحت تشكل ظاهرة في مجتمعنا وهو ما يتطلب ضرورة التطرق لأسباب انتشار مثل هذه الظواهر.
ويشير الدكتور الحامد إلى أن هناك عدة أسباب لمثل هذه المشاكل، يأتي في مقدمتها سذاجة بعض أفراد المجتمع الذين يقعون فريسة أو في كمين من يود الاصطياد في مثل هذه الظروف، لاسيما أن عددا من أفراد المجتمع قد تضرر سابقا بشكل أو آخر في إحدى عمليات النصب السابقة فينشأ بالتالي لدى الفرد رغبة في تعويض الخسائر السابقة من خلال العيش في وهم تحقيق أرباح سريعة من خلال السيناريو الجديد. ويشبه حال من يقع في مثل هذه الأمور بحال لاعب القمار الذي يعلم مسبقا أن نسبة الخسارة تفوق بمراحل نسبة الربح، وعلى الرغم من هذا نجد أن لاعب القمار يستمر في اللعب لأن تفكيره منصب على الاحتمال البسيط للربح متناسيا الاحتمالات الأكبر للخسارة، وهذا الأمر في المنظور الطبي يعد من الاضطرابات النفسية وهو ما يعرف باضطرابات عدم السيطرة على الرغبات.
ويواصل الدكتور الحامد حديثه، قائلا: ومن الأسباب أيضا موجة يعاني منها المجتمع على المستوى الفكري وتعاني منها كافة المجتمعات العالمية، وهي تأثير الفكر الرأسمالي على كافة الأفراد صغارا أو كبارا، حيث إنه في السابق كان فكر الرأسمالي يؤثر على أصحاب رؤوس الأموال فقط، أما في وقتنا الحالي فأصبح فكر الرأسمالي يؤثر حتى فيمن لا يملكون رأسمال مما نتج عنه تدهور في المستوى الأخلاقي على مستوى المجتمع، وأصبحت الغاية تبرر الوسيلة حسب مقولة المفكر الإيطالي «مكيافللي»، وبذلك تركت الأخلاق جانبا، وتم التركيز على الحصول أولا على رأس المال ومن ثم تنميته بشكل فاحش بغض النظر عن القيم والمعايير السائدة في المجتمع.
ثقافة الوهم
ويعتبر الدكتور الحامد ثقافة الوهم التي يعاني منها مجتمعنا بشكل لافت للنظر من الأسباب أيضا، وذلك لإيمان هذه الفئة بمعتقدات بالية تدور حول مفاهيم غير علمية، حيث نلمس أن كثيرا من أفراد المجتمع يتأثرون بمثل هذه المعتقدات، ويؤمنون بها إيمانا راسخا مثل قضايا المس والعين والسحر والشعوذة واللجوء إلى حل مشاكلهم الخاصة بطرق غير علمية أو مدروسة، وبعض هذه الطرق قد تكون بدأت منذ العصر الحجري وما زالوا متمسكين بها إلى الآن نابذين العقلية العلمية جانبا وبدأ المجتمع يركن إلى ثقافة الوهم التي أصبحت متجذرة حتى في عقلية المتعلمين ناهيك عن العامة.
ويؤكد الدكتور الحامد على أهمية تكريس التوعية من خلال الجهد الإعلامي لمحاربة ثقافة الوهم، وتطوير العقلية العلمية في أذهان أفراد المجتمع؛ لمعرفة الطرق الصحيحة والآمنة في إدارة أمور الحياة، والسيطرة على الموارد الاقتصادية والمالية والفكرية والبشرية تجنبا للوقوع المتكرر في مثل هذه المأزق والسيناريوهات.
سذاجة وعفوية
ويتفق الدكتور سامي أحمد الحميدة استشاري الطب النفسي مع رأي الدكتور محمد الحامد، ويقول: بجانب كل الأسباب التي تؤدي إلى وقوع بعض أفراد المجتمع ضحايا لوهم الثراء السريع يظل هناك جانب مهم في هذه القضية، وهو أن كل عمليات النصب والاحتيال التي تتم في المجتمع من قبل أشخاص امتهنوا إيقاع البسطاء فريسة لممارساتهم هي ممارسات غير شرعية أو رسمية وإنما تدار من قبل شبكة تضم خلفها أناسا لا يتم الكشف عنهم إلا بعد وقوع الفأس على الرأس، وهذا ما يجعل البعض وبكل سذاجة وعفوية أن يقع ضحية ومن ثم يبدأ مرحلة البحث عن كيفية استرجاع نقوده أو تحويشة العمر وخير مثال على ذلك قضية سوا وغيرها.
ويضيف الدكتور الحميدة: إن المجتمع يضم طبقات وشرائح مختلفة من الأفراد، فهناك المتعلمون، وهناك غير المتعلمين ورغم ذلك قد يشتركون معا في ثقافة الوهم والثراء السريع؛ لحاجتهم في مواجهة متطلبات الحياة والتزاماتهم الأسرية بغض النظر عن الطريقة التي تمكنهم من الحصول على المال من خلال مشاريع معروفة أو مجهولة وهو مايجعلهم يقعون فريسة على أيدي هؤلاء العمالقة الذين يستغلون بساطة هذه الفئة من الناس في ظل غياب الوعي الفكري.
ويرى الدكتور الحميدة ضرورة محاربة مثل هذه الممارسات غير النظامية منذ بداية ظهورها، قبل أن تتسع دائرتها ويزداد عدد ضحاياها ومن ثم يختفي مصدرها عن الأعين، ويتحسر الأفراد على خطوتهم المجهولة.
بيئة خصبة
ويرى الباحث الاجتماعي والنفسي مسفر يحيى القحطاني، أن هاجس الثراء يظل مسيطرا على كيان الفرد فكرا ومشاعر وسلوكا، وحين يغيب العقل تجد الإشاعة صداها والبيئة الخصبة لنموها، فهي ككرة الجليد كلما تدحرجت كبرت، فحين شاع موضوع الزئبق الأحمر وتناقله البعض وكان مجرد السؤال عنه زاد من انتشار الشائعة وتصديقها.
ويلفت القحطاني إلى أن طبقة من المجتمع تعاني من العوز والفقر في معظم الأحوال، والعاطلون عن العمل يتسارعون في المشاريع الوهمية على أمل في أن يحققوا ولو القدر البسيط من الثراء، وأن مروجي الإشاعة والوهم الكاذب كما هو الحال في قضية الزئبق الأحمر في مكائن الخياطة القديمة هم من أولئك الذين يسخرون ذكاءهم في جلب أموال بغير وجه حق، لا يفرقون في ذلك بين الكسب المشروع وغير المشروع فيقبلون على كسبه غير المشروع بالنصب والاحتيال والغش والخداع.
تصديق الشائعة
ويمضي القحطاني قائلا: سؤال واحد يتبادر في أذهاننا، ما الذي يجعل شائعة الثراء السريع تنجح ؟، والإجابة يمكن حصرها وربطها تحديدا بموضوع الزئبق الأحمر في النقاط التالية:
أولا : عنصر التقبل ويقصد به الميل نحو التصديق للشائعة، كونها تحقق الحلم وتجلب المنفعة، وهذا ما حدث لدى معظم مصدقي شائعة الزئبق فرغبتهم المرضية في الثراء السريع تجعلهم أكثر تقبلا وتصديقا لها.
ثانيا : عنصر الترديد فطبيعة المجتمعات تناقل الأخبار السارة وغير السارة خلال الشبكات الاجتماعية، وهذا ما حدث بالضبط، فلقد انتشرت الشائعة على نطاق واحد فما حدث هناك حدث هنا وربما بنفس الدرجة.
ثالثا : عنصر الظروف ويقصد به الأحوال التي تزدهر فيها الشائعات، فوجود نسبة من أفراد مجتمع تعاني من العوز والفقر التي تجعلهم يتعلقون بأي بارقة أمل ولو كان وهما رأيناهم يركضون هنا وهناك بيعا وشراء لتلك المكينات الزئبقية؛ لتحقيق المكاسب المادية التي تعينهم على تسيير حياتهم والبعض منهم سعى لدعم حاجته والتجاوز بها درجة الكفاف.
رابعا: الخصائص النفسية والاجتماعية لمروجي الشائعات ولمصدقيها تربط وبدرجة كبيرة على أنماط الشخصيات وما تحتويه من صفات، فهم في الغالب ممن لم يحصلوا على القدر الكافي من التعليم وممن عرف عنهم ألا مبالاة بحقوق الآخرين ومسؤولياتهم الاجتماعية وغيرها من الصفات التي تعبر عن وجود خلل في الشخصية يستحق العلاج وإلى درجة كبيرة من تقديم العون والتبصير بحقائق الأمور.
وعن الدور المطلوب يؤكد القحطاني، أن الدور المطلوب هو الإسهام في دراسة مثل تلك الظواهر من العلماء والباحثين، ويأتي في مقدمة ذلك مؤسسات البحث العلمي والجامعات وكما هو معروف فإن من الأدوار الأساسية للجامعة في المجتمع هو البحث العلمي وخدمة المجتمع، فرصد الظاهرة وتقديم النتائج والتوصيات التي منها توعية المجتمع بخطورة المعلومات المبنية على أسس غير واقعية، وتحصين الأفراد ضد ما يشاع ويذاع، وتقديم النصائح والتوجيهات الإجرائية التي تعلم الأفراد كيفية التعامل، والتثبت من حقيقة المعلومة والحكم عليها بوعي ودراية، كذلك هناك دور على أئمة المساجد حول توعية المجتمع بأهمية الكسب الحلال وعدم الانقياد لأوجه كسبه غير المشروعة وإيقاظ ضمايرهم، وكيف أن الله هو الرزاق الكريم هو مقسم الأرزاق وحده، كما أن سبل الكسب الحلال وأن ضاقت فهي الأسلم، كما ينتظر من أئمة المساجد حث الناس على ضرورة تحقيق التكافل الاجتماعي من خلال مساعدة المحتاج حتى لا يجد نفسه لقمة سائغة للكسب الحرام أو صيدا سهلا للأحلام والأوهام.
استعادة الأموال
ويرى الباحث الاجتماعي طلال الناشري، أن هذه القضية تحمل بعدين مهمين، وهما البعد الإنساني والمتمثل في حلم البسطاء أو غيرهم في كسب الأموال بأسرع الطرق دون النظر إلى مشروعيته من عدمه، والبعد الآخر يتركز على جانب كيفية استعادة الأموال التي ساهم فيها الفرد وأصبحت بعيدة المنال، وإذا تطرقنا إلى الجانب الاجتماعي نجد أن غياب الوعي الفكري لدى بعض الأفراد واندفاعهم في الكسب السريع أوجد مثل هذه الإشكاليات في مجتمعنا، وشجع النصابين على ابتكار وإيجاد طرق جديدة في الاحتيال عليهم، وللأسف ورغم الكثير من القصص التي تنشرها الوسائل الإعلامية، إلا أن العديد من الأفراد لا يعتبرون ويتعظون، بل يسعون مجددا في خوض تجربة جديدة ويقعون فيها ضحية مرة أخرى، ومن هذا المنطلق نحن في حاجة ماسة إلى بث التوعية لأفراد المجتمع في مثل هذه الأمور تجنبا لوقوع ضحايا في قصص يكون أبطالها مستثمرين وهميين يستفيدون من غياب الرقابة، وهذا مايدعو إلى وضع أقصى العقوبات في حق من يتلاعب بمشاعر أفراد المجتمع الذين يندفعون بحسن النية في استثمار أموالهم.
عقوبات صارمة
ويعتبر الدكتور خالد عبيد باواكد استشاري طب الأسرة والمجتمع في الرعاية الصحية في جدة، أن وهم الثراء السريع هو هاجس يشغل بال وفكر شريحة كبيرة من المجتمع، خاصة البسطاء أصحاب الدخل المحدود، وللأسف الشديد نجد أن الفئة غير المتعلمة أو صاحبة الفكر المتواضع قد تندفع إلى المشاريع الوهمية التي ينصبها البعض لإيقاع البسطاء فريسة للاستيلاء على تحويشة العمر.
ويضيف الدكتور باواكد: إن التوعية الإعلامية في مثل هذه الأمور مطلب ضروري وركيزة مهمة للارتقاء بمستوى ثقافة الفكر، ولكنها لن تكون مجدية إذا ما وضعت عقوبات صارمة ضد كل من يحاول استغلال النفوس الضعيفة وأحلامهم في أن يحسنوا أوضاعهم في مواجهة متطلبات الحياة، خاصة أن البعض من البسطاء تتعامل مع النصابين بكل عفوية، وقد لا تأخذ أية وثائق أو مسوغات رسمية منهم مسبوقين بحسن النية والثقة العمياء.
ويؤكد الدكتور باواكد، أن بعض النصابين الذين ينصبون الفخ يتعاملون بحرفية عالية ويتميزون بذكاء شديد بمعنى يتعاملون مع الفرد بأوراق رسمية ومكتب فخم وعندما يجدون أن الغلة أصبحت ممتلئة يختفون عن الأنظار، ومن هنا تبدأ معاناة المساهمين في البحث عن النصاب وتقديم الشكوى الرسمية للجهات الأمنية، ومنهم من يتعرض لأزمات قلبية لأنه وضع كل أمواله في أيد غير أمينة بحثا عن الثراء السريع، لذا فإنه يجب على كل فرد أن لا يندفع إلى هؤلاء، ويفكر ألف مرة قبل الإقدام على أية خطوة قد لايحمد عقباها.