لم تشهد قضية طبية وشرعية جدلا كبيرا كما شهدته ولم تزل تشهده قضية نقل الأعضاء البشرية من شخص إلى آخر، حيث زاد من رقعة الجدل والخلاف عدم وجود رؤية موحدة قائمة على أسس واضحة تجاه هذه القضية، على الرغم من اتجاه العديد من الدول العربية والإسلامية إلى هذا المنحى الحيوي والهام.
وتباينت آراء العلماء حول قضية نقل الأعضاء من إنسان لآخر ، واختلفوا من حيث جوازه وعدم ذلك، ومن أثره في تغيير صفات المنقول إليه، سواء كان ذلك في روحه أو أخلاقه، وإلى ما هنالك من تغيرات، حيث أشار بعضهم إلى أن القلب سمي قلبا لتقلبه في الأمور، فهو أمير البدن، لأن صلاحه صلاح للبدن وفساده فساد له، يقول تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها) ويقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: (ألا وأن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهو القلب).
قصص وغرائب
والمتابع للموضوع المطروح، يجد كثيرا من الأمثلة التي تتناول ذلك من وقت إلى آخر، فقد نقلت الصحافة الغربية والأطباء الغربيين قصة امرأة أصيبت بارتفاع ضغط دم الرئة وشارفت على الموت، وتصادف ذلك إصابة شاب في حادث ومات فأخذ قلبه ورئتيه وزرعا للمصابة، وبعد أن تماثلت للشفاء، أشارت إلى أنها أصبحت تشتهي بعض المأكولات التي كانت لا تحبها من قبل، بل إنها أصبحت تتصرف مثل الرجال، مما أدى ذلك إلى استغراب أهلها فقاموا بالبحث طويلا عن الأسرة المتبرعة حتى التقوا بهم، حيث كانت المفاجأة حينما وجدوا أن سلوكها أصبح يشابه ابن العائلة بالقلب والرئتين.
ومن القصص التي وثقها أحد الأطباء في الغرب، حالة غريبة لامرأة 29 عاما كانت شاذة جنسيا تحب الوجبات السريعة، قد أصيبت بفشل في قلبها، وتم زرع قلب لها مأخوذ من فتاة نباتية لا تأكل اللحوم عمرها 19 عاما، وبعد الزراعة مباشرة أصبحت طبيعية وزال عنها شذوذها وباتت تكره الوجبات السريعة تماما، مثل صاحبة القلب الأصلي، إلى غير ذلك من القصص والحوادث التي سجلها علماء الغرب.
إلا أن مركز الفتوى كان قد تناول هذه القضية، مشيرا إلى أن الجسد لا يتغير وإنما الذي يتغير القلب، كما هو معلوم، أن ظلام قلب الكافر أو المنافق إنما يكون ضالا، بسبب المواد التي تمده وتؤثر فيه، فهو مثل ماكينة السيارة التي تتعطل بسبب ما يدخل فيها من مواد فاسدة، فإذا غيرت تلك بمواد سليمة تصبح الماكينة صالحة وكذلك القلب.
ملحق (الدين والحياة) طرح القضية على عدد من الشرعيين والأطباء، فكانت الحصيلة التالية:
ضرورة وحاجة
بداية تحدث أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة بجامعة الملك خالد الدكتور عبد الرحمن الجرعي قائلا: إن التقدم الطبي وصل فعليا إلى مرحلة نقل الأعضاء بالكامل، ولم يكن هناك حل لبعض المرضى سوى ذلك، فإن كان المنقول منه ميتا - متوفى دماغيا- فلا أرى مانعا من ذلك للضرورة والحاجة، حتى وإن كان المنقول منه كافرا. وأضاف: هناك من يقول إن نقل قلب الكافر إلى المؤمن يؤثر في سلوكياته، وحتى الآن ليس هناك ما يؤيد ذلك من أبحاث، ولا علم لي بما قد يحدث من تغيير كلي للمنقول إليه.
مبينا أن الأفكار والمعتقدات ليس محلها القلب حتى تنتقل معه، وإنما نقل الأحاسيس وغيرها لها أعضاء خاصة، وهذا خلاف لما قاله رئيس تحرير مجلة الأزهر السابق الدكتور علي الخطيب إن طبيبا مشهورا للقلب قد اعتزل مهنته، وهي جراحة القلب، لأن هناك أشخاصا نقل إليهم قلوب من آخرين تغيرت بعض صفاتهم، وطرأت عليهم أشياء لم يكونوا يفعلونها من قبل.
عمل إنساني
إلى ذلك أكد استشاري جراحة زراعة الأعضاء بمستشفى الملك فيصل التخصصي بجدة الدكتور عبد الله بن حسين عوض: أن نقل الأعضاء من إنسان لآخر لا يغير أي شيء من سلوكيات المنقول إليه، من حيث أخلاقه أو التزامه، سواء من فكر أو جنس أو دونه، فالمسألة مجرد نقل عضو وليست نقل أفكار أو أحاسيس. وأضاف قائلا: إننا ننقل من ذكر إلى أنثى أو العكس، ولم نر أي ملاحظات أو تغيرات تجاه المنقول إليه، كتغيرات في فحولة الرجل أو في تصرفاته وأخلاقياته، مبينا أن هذا العمل إنساني كريم، وهو إحياء للنفس، كما يعتبر التبرع بالأعضاء للأقارب من صلة الأرحام، لافتا إلى أن المملكة بحاجة إلى هذه التبرعات، لأن هناك أعدادا هائلة في قائمة الانتظار، فمثلا هناك أكثر من عشرة آلاف مريض، بحاجة إلى زراعة الكلى، وما يقارب من ألفين وخمسمائة شخص بحاجة إلى زراعة كبد.
لا أصل له
استشاري الطب النفسي بمستشفى جدة الوطني الجديد الدكتور ماهر مصطفى المغربي قال: إن نقل الأعضاء لا يعد عائقا نفسيا، كما يتصور البعض، بل إنها ترفع من معنويات المريض، فمريض الكلى مثلا يعيش ضغوطا نفسية لا يعيشها ولا يتخيلها الشخص السليم، والسبب أن لديه كل أسبوع ما يقارب من جلستين إلى ثلاث جلسات، فماذا تتخيل من إنسان يمكث تحت جهاز عدة ساعات، فالمريض هنا قد ترد في ذهنه عدة أفكار منها: أن الجهاز ربما قد يتوقف وأن الحياة عنده ربما تكون معلقة بين الحياة والموت، لذا يكون المريض في حالة نفسية وقلق كبير، لكنه إذا تخلص من ذلك بزراعة العضو، فإنه حتما سيتحسن ويتخلص من وسواسه الذي أرقه أيام مرضه، وحتما سيتخلص من قلقه وستصبح حياته مثل الشخص المتبرع منه، مبينا أن ما يشاع من كلام حول تأثر المنقول إليه بصفات المنقول منه كلام لا أصل له من الصحة، فزراعة القلب لا تؤثر في حياة أي شخص قد تبرع له، لأن القلب ما هو إلا مضخة لنقل الدم إلى سائر أنحاء الجسد. موضحا أن القلب لا يشعر ولا يحس، وإنما الإحساس والشعور لا يكون إلا من المخ. وأشار إلى أن أكثر ما يؤثر في المريض، هي الأشياء الظاهرة، مثل نقل عضو إلى الوجه كالجلد إلى غير ذلك، لكن المريض يكون بذلك قد تخلص من عقدة كبيرة كانت تراوده طويلا.
جواز التبرع
من جانبه أوضح المفكر والباحث الإسلامي الشيخ الدكتور عوض القرني أن نقل الأعضاء جائز ولا حرج فيه، مؤكدا أن المجامع الفقهية قد بحثت هذا الأمر منذ ثلاثة عقود حتى توصلوا إلى القول بجواز التبرع بالأعضاء، بشرط ألا يكون هناك ضرر على من تنقل منه وأن يغلب على الإنسان المنقول إليه النفع، مبينا أن هذا العمل من أعظم القربات إلى الله تعالى، لأن نقل أي عضو قد تتوقف عليه حياة إنسان وتقوم عليه.
يذكر أن الشيخ ابن عثيمين - يرحمه الله- قد بين أن مسألة نقل الأعضاء فيها خلاف، وأن الأعضاء ليست كلها على درجة واحدة، فقد أوضح - يرحمه الله- أن العضو المتبرع به إذا كانت الحياة متوقفة عليه كالقلب، فلا يجوز التبرع به بإجماع العلماء، لأنه قتل للنفس، وأما إن كان العضو لا تتوقف عليه الحياة كالكلية والشرايين، فقد اختلف العلماء المعاصرون على قولين:
الأول: لا يجوز نقل الأعضاء الآدمية
الثاني: يجوز نقل الأعضاء الآدمية.
عقب تداول قصص في الصحافة الغربية تؤكدها
نقل أعضاء الإنسان هل يغير الأفكار والسلوكيات؟
21 يناير 2009 - 21:05
|
آخر تحديث 21 يناير 2009 - 21:05
نقل أعضاء الإنسان هل يغير الأفكار والسلوكيات؟
تابع قناة عكاظ على الواتساب
محمد المصباحي - جدة