استمتعت كثيرا على مدى ثلاثة أيام وأنا أقرأ مذكرات أو سيرة حياة الدكتور عبد الله مناع (بعض الأيام.. بعض الليالي, أطراف من قصة حياتي) في طبعتها الأولى 1429هـ - 2008م, دار المرسى. جدة. كنت أهاتفه بعد قراءتي لخبر صدورها في نهاية الشهر الماضي, واستغرب عدم وصولها لي.. وأخيرا وقد وصل الكتاب بالسلامة ضحى يوم الأربعاء 26/12/1429هـ, 24/12/2008م, وقد كتب الإهداء بتاريخ 7/11/1429هـ الموافق 5/11/2008م, ولست أدري هل التأخير من المرسل أو من الناقل (البريد) وقد يكون الأخير هو الأقرب إذ وجدت المغلف قد فتح وألصق بزاويته ما يفيد ذلك بملصق يحمل اسم (بريد منطقة الرياض), على أي حال, الحمد لله على السلامة وقيل قديما (تعست العجلة). أقول إنني قد التقيت الدكتور عبد الله مناع ثلاث مرات أول مرة أرى فيها الدكتور عبد الله مناع بطوله الفارع وبالخيط الأسود الذي يعلقه حول رقبته وينتهي بجيبه العلوي وقد ربط في نهايته الساعة.. وقد نسف غترته فوق رأسه, وكان ذلك في ملعب الصايغ بالرياض ليحضر مع مجموعة من الاتحاديين من جدة مباراة ناديه المفضل الاتحاد وأعتقد أن المباراة على كأس جلالة الملك فيصل عام 1386هـ وهي تجمع الاتحاد مع الهلال.. وكان سمو الأمير خالد الفيصل حديث عهد بالعمل كمدير لرعاية الشباب.. وأذكر أننا – موظفي رعاية الشباب الذين لا نتجاوز أصابع اليدين- قد حضرنا من الصباح الباكر للإشراف على النظام واستقبال الحكام والفرق وتنظيم بيع التذاكر وتوزيع رجال الشرطة.. إلخ وكان أبو عبد الله – محمد الصايغ- صاحب الملعب بجثته الضخمة ومرحه الدائم هو المضيف إذ تحضر صواني الأرز واللحم بعد صلاة الجمعة للعاملين بالملعب.. وأذكر أن الأمير خالد قد حضر وبرفقته ابنه بندر الذي لم يكن يتجاوز الخامسة من عمره لتفقد الملعب بعد صلاة الجمعة مباشرة, وكان بعد توزيع الجنود وفرش وصف الكراسي في المكان المخصص لراعي المباراة الملك فيصل والمدعوين, أذكر أن أحدهم وأعتقد أنه – عبد الله – والد اللاعب ماجد عبد الله قد ذهب لتفقد الشباك وأخذ ينبش في جوانب المرمى.. وقد أحضر ورقة مطوية وملفوفا حولها خيوط كثيرة.. وقد كتب بها بعض الخربشات.. عرفت أنها التي كان يطلق عليها وقتها (الدنبوشي) والتي توحي للبعض بأنها نوع من أنواع السحر والذي يضعه بعضهم في مرمى الخصم لتكون نتيجة المباراة لصالحه.. انتهت المباراة لصالح الاتحاد.. وعاد بالكأس إلى جدة.. كنت معجبا – من بعد- بالدكتور المناع, والذي كان هو وزميله الدكتور عصام خوقير يتبادلان المواقع في الكتابة بيوميات جريدة المدينة فيما سبق أيام الخميس.. ولأول مرة كانت العناوين بالألوان الجذابة فكانت جريدة المدينة بما تضمه من كتاب وكتابات جريئة مما يكتبه المناع ومحمد الطيار والذي أذكر زاويته الشهيرة (بالفأس) والتي تذكرني بها زاوية (نثار) للأستاذ عابد خزندار الآن بجريدة الرياض بحجمها وبجرأتها.
وثاني لقاء أنني قد زرته بمكتبه بمطابع الأصفهاني عام 1396هـ عندما كان يرأس تحرير مجلة (إقرأ) وكان يقاسمه الغرفة الصغيرة عبد الغني قستي.. وكان يرافقني الفنان التشكيلي أحمد المغلوث.. وكنا ضمن إداريي السباق الدولي للدراجات والذي سيبدأ من جدة إلى أبها مرورا بالطائف والباحة وكان المغلوث وقتها طالبا منتسبا في جامعة الملك عبد العزيز, وكانت زيارة المناع لشكره على نشره بعض أخبار مكتب الرئاسة العامة لرعاية الشباب بالأحساء – إذ كنت وقتها أعمل به- وكان قد نشر خبرا موسعا بما فيه صور لمسرحية أقامها نادي (الجيل) بالصالحية بالهفوف وأذكر أنها تمثل صورا لأشباح يلبسون الأسود وكأنهم خفافيش أو الشياطين وقد ذكر المناع أنه قد أعجب بالصورة ونشرها إلى جانب الخبر, وكان فعلا معجبا بالموضوع.
ثالث مرة ألتقي فيها بالدكتور المناع كانت بمكتبه بجريدة البلاد أو على الأصح مؤسسة البلاد إذ كان مديرها قبل عشر سنوات أو تزيد قليلا إذ كنت منتدبا من مكتبة الملك فهد الوطنية للتسجيل مع بعض الشخصيات الثقافية ضمن برنامج (التاريخ الشفهي للمملكة) والذي بدأت المكتبة في رصده وتكليفي به.
وكان موعدنا ضحى أحد أيام الأسبوع وكنت ليلتها في ضيافة الصديق المبدع عبده خال والذي طلب مرافقتي عند زيارتي للدكتور المناع كمستمع وفعلا بعد أن رحب بنا قال لمدير مكتبه امنع عنا الزوار والهاتف لمدة نصف ساعة وخفت أن يكتفي فعلا بهذا الوقت.. ولكنه كان كريما إذ بدأنا التسجيل قبل أذان الظهر ولم ننته منه إلا بعد أذان العصر.. أي لأكثر من ثلاث ساعات استعرض فيها أهم المحطات في حياته من طفولته ويتمه ودراسته وتجربته الصحفية والرياضية.. إلخ.
أعود للكتاب الجميل والذي يزين غلافه صورته وقد نسف غترته فوق رأسه كما كنت أراه قبل 45عاما.
توج الكتاب بعبارات إهداء جميلة وصفني فيها بالوراق الوطني الكبير, وقال إنني قد جعلت من (الوراقة) مهنة وشهادة وحافزا على كتابة بعض ما لم يكتب بصدق وأمانة.
في الوقت الذي أشكره فيه على إهدائه وعلى عباراته الجميلة التي أعتز بها وأفتخر, رغم أنني لا أستحقها فهي أكبر مني.. ولكن كرم وسخاء أبي عمر أو أبي سجى وسندس قبله وبعده هشام أبى إلا أن يغدق علي من فيض كرمه. .
لقد استمتعت بحق وأنا أقرأ الكتاب بدءا من رحلة – بالقطار- أخذتني بصحبة الأستاذ الفاضل والرائد الصحفي الشاعر سعد البواردي من الرياض إلى المنطقة الشرقية حيث دعينا لحضور احتفال مجلة (القافلة) بمرور خمس وخمسين سنة على صدورها وبتوديع مدير شركة (أرامكو السعودية) الأستاذ عبد الله بن صالح جمعة والترحيب بالرئيس الجديد المهندس خالد بن عبد العزيز الفالح.. وكان البواردي يحاول قطع الطريق بالحديث, وأنا أحاول أن استرق شيئا من الوقت للقراءة, وبالذات في قصة حياة المناع بعد تصفح سريع للصحف التي تركتها لأبي عبد الرحمن عله ينشغل بها عني لمواصلة القراءة.. كنت أسير مع المناع عندما كان طفلا هو ووالدته (بديعة حامد نحاس) - رحمها الله - وهي تأخذه من الحارة الشعبية (حارة البحر) إلى خالته خديجه في (حارة الشام) الذي لا يسكنها إلا علية القوم حيث يجد الألعاب (الكبت) و(الكيرم) وغيرها.. كما كنت معه عندما أصبح طالبا في المتوسطة والثانوية وهو يتجول في حارات جدة ومقاهيها وبدايته مع الرياضة بدءا بعجلة الدراجة عندما كان صغيرا فكان يجردها من (اللستك) ويدفعها أمامه بعصا أو (سيخ) وكانت هذه اللعبة شائعة في أزقة الرياض وشوارعها وقتها, وكانت تسمى (دنانة), فأصبح يلعب مع أقرانه الكرة بالشراب فالبلاستيك فنادي الشبيبة فملعب الصبخة فالمباريات الحاسمة بين الاتحاد والهلال البحري.
فتأتي بعد ذلك مشكلة (البريمي) التي تريد بريطانيا أن تقتطعها من المملكة وإضافتها لعمان وقتها, وقيام الطلاب بمظاهرة حاشدة ،ورفع زملائه له فوق أعناقهم ليهتف لهم بالشعارات المختارة مثل (البريمي سعودية).
فقراره المبكر في الكتابه وبدء نشر (خربشاتي) كما يصفها في جريدة (البلاد السعودية) بدءا بـ(لا حياة.. مع اليأس) والذي دفعته هذه الخربشات إلى إصدار أول كتاب له وهو طالب بالإسكندرية – فيما بعد- باسم (لمسات) مجموعة خواطر قصصية. وعن أول محاكمة تجرى له بسبب مقاله (الحج جهاد)
أقول لقد استمعت بسرده الجميل عن جدة ومقاهيها وحاراتها وألعابها الشعبية, وكنت أتمنى لو استرسل وتوسع وهو يصف هذه الأماكن قبل إزالة السور المحيط بجدة وقبل أن تتسع ويزول كثير من معالمها القديمة ومقاهيها الكثيرة والمتوزعة بين كل أصحاب المهن وفئات المجتمع.
والحديث الجميل عن موسم الحج وعن (الخليف) و(القيس) والنساء ينشدن: «يا قيس.. يا قيس.. الناس حجوا.. وأنت ليش ؟» كم كنت وغيري مشتاقا لتفصيل هذه الحكاية وغيرها مما سفت عليها الرمال وأصبحت نسيا منسيا, فهي تاريخ جميل يستحق الذكر.
ذكر الأستاذ المناع بأن وقعة المحمل المصري كانت في حج عام 1364هـ وهذا غير دقيق والصحيح أنها كانت في موسم حج عام 1344هـ فلعل هذا خطأ مطبعي.
على أي حال يظل أبو عمر مشاكسا معاندا لا يرضى بنصف الكأس.. بل يحب أن يقفز على الحواجز وتخطي العقبات.. وكأن إشارات المرور كلها خضراء وطريقها سالك ومفتوح له باستمرار.. فنرى مثلا مجلة إقرأ وكيف بدأت عندما تولى قيادتها وكم مرة يوقف عن الكتابة ويعزل عن رئاسة تحريرها.. وعن ندوة المرأة وما سببته له بعد إذاعتها وللمشاركين معه.. وكذا رغبته بمشاركة آل حافظ في مؤسسة المدينة الصحفية ولكن الموافقة تأتي بعضويته لمؤسسة البلاد دون طلب منه, إضافة لعضويته لمجلس إدارة نادي (الاتحاد) ثم تخلي الأعضاء عنه وبقائه يقوده بمفرده رغم علاقته الوثيقة بالأمير عبد الله الفيصل وعلاقة الأمير الوثيقة بالنادي المنافس (الأهلي) وعن توسطه لإنهاء الخلاف الذي نشب بين الفريقين إثر هزيمة الاتحاد من منافسه بسبب انحياز الحكم التركي (بدري قايا) [وهذا الحكم كنت أتذكره عندما كنت موظفا صغيرا في رعاية الشباب عندما تعاقد معه أول مدير لرعاية الشباب الأستاذ عبد الله حسن العبادي - رحمه الله - فكان هذا الحكم. وزميله (جزمي باشار) ومجموعة مدربين رياضيين قدموا من تونس وعددهم سبعة أذكر منهم (علي الشواش) الذي تعاقد فيما بعد مع نادي هجر بالأحساء وقبله نادي الشباب بالرياض, الحكمان التركيان والمدربون التوانسة السبعة كانوا أكثر من عدد موظفي الإدارة.. كنت أتذكر هذا العام 1385هـ /1965م, كانت إعانات الأندية عبارة عن عدد من الكرات وطقم ملابس, يتفق مع محمد الفالح صاحب دكان صغير بالبطحاء يجلب الكرات والملابس من الكويت وقد تطور هذا الدكان الصغير ليصبح فيما بعد (الفالح للرياضة) والذي عرفنا عن طريقه – فيما بعد- أشهر الماركات العالمية (أديداس) وغيرها. .]
وأخيرا قصته مع الرائد فقد ذكر كل أسماء العاملين بها والمراسلين حتى أنه كرر اسم بعضهم مثل عبد العزيز فرشوطي.. إلا أن صــفــة رئيس التحرير «عبد الفتاح أبو مدين» يمر مجردا من اسمه, إضافة لقصة خروجه من مؤسسة البلاد الصحفية كمدير عام لها فقد أشار للبعض بالأحرف الأولى من أسمائهم.. فلا بد أن يكون هناك سبب أو أسباب لم يرغب في ذكرها ! ! فهل ما زال في الفم ماء؟!.