بعد ان بثت الشمس انفاسها وبدأت تزحف نحو كبد السماء فاحت رائحة الموت بشارع 64 في ضاحية الشرائع بمكة المكرمة حيث استيقظ سكان الحي على صرخة مكتومة اصطدمت بجدران البيوت وارتدت الى عمق الشارع كاشفة جريمة قتل بشعة هزت وجدان القاصي والداني، فالجاني والضحية شقيقان وأداة الجريمة ساطور حاد تلوث بدم المجني عليه الذي سقط مضرجاً بدمائه وسط ذهول المارة.
كان الشقيق الثالث للجاني والمجني عليه قد اخرست الصدمة لسانه ولكن رغم ذلك اتكأ على فجيعته وابلغ بواسطة هاتفه الجوال الجهات المعنية بينما كانت دموعة تهطل، ونبضات قلبه تتسارع، حيث تلقت غرفة العمليات البلاغ عن الجريمة بصوت مشروخ -أخي قتل أخي.
واغلق الخط وانخرط في البكاء بصوت مرتفع.. هكذا كانت بداية الجريمة التي لبست ثوب «الفحولة» في مشهدها الاخير، فما الذي جرى؟ وكيف يقتل شقيق شقيقه؟ وما هي دوافع الجريمة؟
تفاصيل المأساة
بالقرب من مسرح الجريمة لا زالت اصداؤها تتناقلها الألسن حيث يقول الجيلي محمد حسن عم الجاني والقتيل ونبرات الحزن تغلف كلماته: لا زلت حتى الآن غير مصدق لما حدث اشعر انني في كابوس استيقظ منه لأجد نفسي في دنيا الواقع ولكنها الفجيعة الكبرى ان الجريمة تلبس ثوب الدم وتستمطر الدمع من العينين. ويضيف: كل ما اعرفه ان الشقيقين القاتل والقتيل يكن كل منهما الحب للآخر لكأنما هما روحان في جسد واحد، فالقاتل عبدالمحمود الطاهر عمره 25 عاماً والقتيل يدعى محمد وعمره 23 سنة وكان الجاني يقيم في المملكة وله اقامة نظامية ويعمل بأحد محلات الكهرباء والسباكة وقبيل شهر رمضان الماضي وصل القتيل الى المملكة بتأشيرة عمره وجاء للاقامة مع شقيقيه عبدالمحمود والأمين وابن عمهما عباس في غرفة صغيرة داخل حوش خلف محلات الكهرباء التي يعمل بها شقيقاه، واضاف: لم تكن هناك اية خلافات بين القاتل والقتيل حتى وقعت الجريمة التي زلزلت حياتنا واربكت عقولنا لدرجة عدم التصديق بها.
سيناريو الجريمة
يتنهد عم الجاني والضحية مواصلاً سرد تفاصيل الجريمة: حتى الليلة التي سبقت الجريمة كان الود والصفاء يسود بين الشقيقين حيث تناولا وجبة العشاء في طبق واحد ولم يكن احد يدري ما تخبئه الساعات القادمة وعندما انتصف الليل قرر الاشقاء وابن عمهم النوم فتوجه كل منهما الى غرفة واقتسم الجاني والضحية احدى الغرف ومضت ساعات الليل سريعة واشرقت شمس يوم الجريمة وخرج الجاني والمجني عليه متشابكي الأيدي في طريقهما الى محل السباكة والأدوات الكهربائية وفي احدى الزوايا استوقف القاتل شقيقه وبدون مقدمات اخرج من طيات ملابسه ساطوراً وهوى به على عنق القتيل.. الذي تعالت صرخاته فخرج بعض السكان مذعورين من منازلهم فيما سقط الضحية مضرجاً بدمائه واخذ يزحف والدماء تنزف منه حتى وصل الى عتبة المحل التجاري الذي يعمل فيه شقيقه الأمين وابلغه ان شقيقه عبدالمحمود ضربه بالساطور.
فتم ابلاغ الجهات الأمنية التي باشرت مسرح الجريمة فيما تم نقل المصاب الى مستشفى الملك فيصل بالششة الا ان القدر كان اسرع حيث لفظ انفاسه قبيل وصوله الى المستشفى حيث كانت الضربة حادة، أدت الى قطع النخاع الشوكي للضحية.
وقد باشر موقع الحادثة كل من العميد خالد الجهني مدير الأمن الجنائي بشرطة العاصمة المقدسة والعميد مصطفى نحاس مدير التحقيقات الجنائية والعقيد صالح المحياني مدير شرطة المنصور حيث انهار القاتل في مسرح الجريمة باكياً وهو يردد قتلته قضاء وقدرا وتمت احالته الى قسم شرطة الشرائع للتحقيق معه.
تصديق الاعترافات
في بداية التحقيق ظل الجاني يرفض الافصاح عن سر ارتكابه لجريمته غير ان براعة المحققين وحنكتهم في التعامل مع الجرائم جعلت الجاني يعترف، وكان اعترافاً مدوياً حيث اشار الى ان سبب قتله لأخيه يعود الى ان القتيل لجأ الى الشعوذة للقضاء على فحولته -حسب ادعائه- وكان الجاني يردد أنا مجنون أنا مسحور وقد تم تصديق اعترافاته شرعاً بالمحكمة العامة بمكة المكرمة ونقل الى السجن.
ملابسات غامضة
وفي سياق الجريمة رجح مدير ادارة الصحة النفسية بصحة العاصمة المقدسة الدكتور سامي اللحياني ان يكون القاتل مصاباً بحالة ذهانية وقد تكون حالة بدائية قادته الى ارتكاب هذه الجريمة.
واضاف: انه من خلال تتبع تفاصيل الجريمة لم يرصد على الجاني أي تصرفات مشبوهة وذلك على حد قول اقاربه الذين من حوله بمعنى انه كان يبدو شخصاً طبيعياً ولكن ربما يكون القاتل يقوم بتصرفات ولا يعي أو يدرك ما يفعله وهذا نسميه «غير متبصر».
واضاف: ان مثل هذه الجريمة تعتبر غريبة في نوعها وتعطي مؤشرات وابعادا ان هناك ملابسات غير واضحة المعالم لها لذا يمكن احالة الجاني الى اللجنة الطبية الشرعية النفسية وهي لجنة معنية بدراسة مثل هذه الحالات وتقييم وضعها واصدار تقارير طبية تحدد ما اذا كانت شخصية الجاني «سيكوباتية» أو ضلالية أو غيرها من الحالات أو ان المريض يعاني من هلاوس معينة في حالة استقراره تقوده الى تصرفات غير مسؤولة كما حدث حين ارتكابه للجريمة.
متى يتنازل أهل الدم؟
واوضح المحامي الشرعي صالح التويم: ان هذه القضية ينظر اليها من جانبين بما ان القتل جزاؤه القصاص وهو حكم وارد في هذه القضية الا انه على جانبين أولهما ان كان القتل غيلة أي ان ليس هناك قضية أو عداوة مسبقة بينهما واقدم القاتل على جرمه والمقتول في مأمن منه فهذا ينفذ فيه الحد الشرعي «القصاص» حتى وان تنازل ذوو الدم واهله فالقتل الغيلة جزاؤه القصاص.
واما الجانب الآخر منها فان كان بينهما عداوة أو خصام أو سب أو خلافه وحدث القتل فينفذ في القاتل القصاص الا ان يتنازل أهل الدم عن حق القصاص وتساق لهم الدية.
واضاف الشيخ التويم: في مثل هذه الحالة أهل الدم هم الوالدان والزوجة ان وجدت والابناء ولهم حق التنازل من عدمه..
واشار التويم الى ضرورة التأكد من ادعاء القاتل باصابته بالسحر ويثبت ذلك بالدلائل والقرائن وما شابهها وفي حالة اثباته فان الحكم يتغير في الشرع وان كان يحتمل ان ادعاءه بمثل هذا للدفاع فقط عن فعلته الخبيثة لذا لا بد من التأكد من هذا الجانب.
روابط الدم
وعلق عضو هيئة التدريس بكلية العلوم الاجتماعية بجامعة أم القرى الدكتور محمد بن سعيد الزهراني على هذه القضية بقوله: نادراً ما تحدث جرائم من هذا النوع واقصد بها ان يقدم شقيق على قتل شقيقه أو ما شابه ذلك لان روابط الدم من أقوى الروابط وأوثقها ولا يمكن ان يتنازل عنها الشخص السوي لذا فان مثل هذه الجريمة تحتاج الى مزيد من الدراسة في حيثياتها والغوص في اعماقها للكشف عن اسبابها التي أدت اليها لانها بشكل عام تخرج عن الطبيعة البشرية والفطرة السوية التي فطر الله عليها خلقه.
رائحة الموت تفوح في شارع 64 بالشرائع
القاتل والمقتول شقيقان..وبينهما ساحر
8 يونيو 2006 - 20:13
|
آخر تحديث 8 يونيو 2006 - 20:13
القاتل والمقتول شقيقان..وبينهما ساحر
تابع قناة عكاظ على الواتساب
تركي السويهري- علي غرسان (مكة المكرمة)تصوير: حسن القربي