يكثر في الثقافة العربية تردد ذكر صفة التجلد، سواء في الأدب أو في الخطاب الثقافي العام، وهي صفة تنال التقدير والاحترام من الناس حيث تعد فضيلة خلقية مثلها مثل الكرم والشجاعة والوفاء والتسامح والحلم وما شابهها من فضائل الأخلاق، وتأتي في مقابل رذيلة الجزع وقت التعرض للضر.
والضر الذي يورث الإنسان الحزن والأسى، تتعدد أنواعه وأشكاله، فقد يتجسد في فقد عزيز، أو هجر حبيب، أو إصابة بمرض، أو ابتلاء بإعاقة، أو تهمة باطلة، أو خسارة مادية، أو غير ذلك من المصائب التي تحل بالإنسان فتزرع في صدره الألم والتوجع. لكن الناس في تفاعلهم مع ما يقع عليهم من ضر وأذى يتفاوتون، فمنهم من فطر على الجلد وقوة التحمل فيتمكن من ضبط انفعالاته وكبت جزعه والصمت أمام الألم فلا تسمع له أنيناً ولا شكوى، ومنهم من فطر على عكس ذلك، فما أن تصيبه شوكة إلا ويعلم بخبرها القاصي والداني من فرط الصراخ والجزع وإظهار التوجع والأنين.
ولأن الناس يرون في صفة التجلد فضيلة خلقية تدل على القوة والصلابة والرزانة، فإن كثيراً منهم يتباهون بامتلاكهم الجلد أمام وقائع الدهر، وفي نصوص الأدب العربي، شعراً ونثراً شواهد عديدة تدل على الفخر والاعتزاز بالاتصاف بتلك الصفة مثل:
«تجلدت، حتى قيل: لم يعرُ قلبه
من الوجد شيء، قلت: بل أعظم الوجد»
«ولربما ابتسم الكريم على الأذى
وفؤاده من حره يتأوه»
«وأبدي للشامتين تجلدي».. وغير ذلك كثير.
ما الذي يجعل التجلد في عيون الناس فضيلة يطلبونها وكان الأولى أن يهربوا منه لما فيه من زيادة الأذى عليهم عند قمع مشاعر الألم وحبسها في باطن الصدر بدلاً من التخلص منها بنفثها خارجه؟ أهو الهرب من شماتة الأعداء «إياك والشكوى إلى غير الله، فإنه لا يخلو من تشكو إليه أن يكون صديقاً أو عدواً، فأما الصديق فتحزنه ولا ينفعك، وأما العدو فيشمت بك»، أم أن إظهار الألم وإبداء الجزع يعني الاعتراف بالضعف والعجز الذي يفر من الاتصاف به كثيرون؟ أم أن التجلد يعين على مقاومة المصاعب والتغلب عليها، فالتجلد يجمد المشاعر ويترك المجال خالياً للعقل وحده فيتجه التفكير إلى البحث عن سبل تقبل واقع الحال والعمل على التكيف معه؟
وإذا كان التجلد يعني، حسب تعريف لسان العرب، القوة والشدة والصلابة، فهل هذا يعني أن هناك فرقاً بين النساء والرجال في القدرة على التجلد؟ وهنا أرجو أن لا يسارع القارئ الكريم إلى قول: «نعم، فالرجال أقوى من النساء»، لأن التجلد يتعلق بالناحية الخلقية وليس العضلية، ومن ثم ينبغي أن يُقاس بشيء آخر غير التفاوت العضلي بين الاثنين!
فاكس 4555382



للتواصل ارسل رسالة نصية sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 160 مسافة ثم الرسالة