في الصيف تنطلق مناسبات الزواج في مختلف المناطق ومعها تعود للظهور عادة الرفد او الطرح او الموجب وهو ما يقدم للعريس وأهله من مبالغ مادية ومساعدات عينية تعينهم على تحمل تكاليف الزواج. ورغم ما تحمله هذه العادة من معان انسانية تكافلية نبيلة الا ان البعض شوهها وحولها الى حسابات بينية غير مباشرة أثقلت وأرهقت كواهل الكثيرين حيث تحولت هذه العادة التكافلية من مجرد هدية الى متاجرة بالفرحة مما جعل الكثيرين يطالبون بإحداث ثقافة اجتماعية جديدة تسهم في الحفاظ على هذا الموروث الاجتماعي الذي يعتبر بمثابة قروض بدون فوائد بعيدا عن التأثر بملوثات عصر المادة والاستقلال وحمايته من العادات والتقاليد الدخيلة التي تفرغه من محتواه الانساني عندما يصبح دينا في رقبة الابناء والاحفاد ولا يسقط إلا بالموت فقط.
صالح الشهري وغرمان العمري قالا: ان الرفدة كانت من العادات الملازمة للاعراس وهي جزء هام لمساعدة العريس في اكمال فرحته.
وأضافا ان انشغال الناس وعدم الاهتمام بهذه العادة ربما يجعلها من العادات المنقرضة رغم انها تمثل نمطا من انماط العلاقات الاجتماعية بين افراد المجتمع.
وقال يحيى العلكمي "مشرف لغة عربية" ان عادة «الرفد والمعونة» مأخوذة في الأصل من الرفد (بكسر الراء) وهو العطاء والإعانة وكل ما يضاف إلى غيره. وبفتح الراء هو القدح المقدم للضيف وعادة الرفد أو المعونة المبلغ المقدم من الجيران وأهل الخير في المجتمع لمن تزوج وأقام وليمة عرس حتى يحصل بذلك التكاتف والتعاون الاجتماعي وما زالت هذه العادة موجودة إلى الآن وهي على سبيل الهبة والعطية وليست واجبة.
محمود محمد أبو زحلة ألمح إلى انه من الأساليب التي شوهت هذه العادة من موروثنا الاجتماعي ان البعض حولها من مجرد هدية تساعد من يتزوج في توفير تكاليف الزواج إلى أشبه بالمتاجرة ومن ذلك ان بعضهم يعمد تزويج أبنائه كل واحد على حدة وان كان بمقدوره لتزويج اثنين منهم في ليلة واحدة لذا تجده يرهق ميزانيات (ربعه) بإقامة ولائم زواج متعددة.
ويرى أبو زحلة ان الزواج الجماعي الذي يجمع أربعة أو ثلاثة شباب في ليلة واحدة سوف يسهم في بقاء هذه العادة واستمرارها..
ومن المواقف الطريفة التي مرت أثناء تأدية الرفد يقول محمد بن عبدالله آل حمود انه تقدم لدخول قاعة لحضور حفل زواج قريب له في الوقت الذي أعد فيه (الرفد) في ظرف وهو عبارة عن مبلغ مالي قدره (1000) ريال لتقديمه لأهل (النوب) وهم أهل العرس لكنه بدلا من ان يقدم الظرف قدم رسالة خادمته التي استلمها من مكتب البريد الأمر الذي أوقعه في حرج وذلك ما دعاه إلى استبدال رسالة الخادمة بظرف الرفد.
أما الدكتور: مسفر الخثعمي (جامعة الملك خالد) فيؤكد ان الرفد أو (الطرح) أو (الموجب) كلها مسميات لمعنى واحد اصبح دينا إلا أن يموت يقوم بسداده نظرا لزيادة التعداد السكاني ولزيادة المعارف.. صحيح أنها أصبحت عرفا ولكنها أتعبت الناس من ذوي الطبقة المتوسطة.
معونة البيت
ويرى الدكتور محمد المدخلي (جامعة الملك خالد) ان "معونة البيت" قريبة من الرفد وهي عادة قديمة يقدمها جيران الشخص وأهله وخاصة عندما يقوم ببناء منزل حتى انهم يقدمون له ما تجود به انفسهم عند بداية البناء من مواد تقليدية وقد يساعدونه في البناء بأنفسهم ويتبادلون الاشعار الشعبية والطرافة والمزاح بحيث يدخلون على صاحب البيت الراحة والاطمئنان ويحببونه في السكن بجانبهم وحتى ينطبق عليهم المثل السائر "اسأل عن الجار قبل الدار".
وهذا في القديم حيث يساعدونه في تقديم طعام بعد الانتهاء أو تقديم الخشب أو الطين "الخلب" أو الحجر او العمل باليد عند البناء اما في العصر الحاضر فقد يكتفون بالزيارة بعد بناء البيت والدعاء له بالبركة.
ويعود مريع ناصر آل غريس الى التكافل في الماضي قائلا: عندما كانت المناسبات تقام في المنازل جرت العادة بأن يفتح الجيران بيوتهم لصاحب الحفل خاصة اذا كانت هذه البيوت كبيرة.
يقدم الأهل والمعارف والأصدقاء (الرفد) وهو هدايا تتنوع منها الخرفان، السمن، والسكر والارز... الخ.
ويقدم الأهل والجيران مجوهراتهم لأصحاب المناسبة على سبيل الاعارة.
لأن حفلات الزفاف كانت تستمر لأكثر من يوم فقد كانت الولائم تقام على مدار اليوم ، وردا من أصحاب الحفل لجميل من قدموا لهم الرفد، فقد كانوا يرسلون إليهم تلك الوجبات في منازلهم في صوانٍ تسمى «معاشر».
وبمرور الوقت استحدثت أشكال أخرى من «الرفد» وخاصة من الأهل والمقربين الذين كانوا يخبرون المهدى اليه مسبقا بنوع الهدية التي هي في حقيقة الأمر مساهمة منهم في تكاليف الزواج وذلك حتى لا يحدث تكرار في نوع الهدايا والتي كانت تشمل السجاد وبعض المفروشات والأدوات والأجهزة الكهربائية المختلفة وغير ذلك.
متاجرة
أما من يخرج هذه العادة من نطاق أنها عادة اجتماعية تحث على التكافل ومساعدة العريس لدخول بيت الزوجية فقد يحولها إلى متاجرة..
وهو ما لاحظه سعيد مريع القحطاني حيث أغاظته عبارة دونت أسفل بطاقة الدعوة (ملاحظة الرفد نقدا) مطالبا بمنع هذه العبارة احتراما للداعين والعادة نفسها.
وفي حسابات الرفد هناك من يشتكي من هذه العادة وهم فئة الذين لم يرزقوا بذرية أو ممن لم يتزوجوا ويصور الموقف: عبدالله عائض القحطاني قائلا:
هناك فئة ظلمت من هذه العادة واعرف اشخاصا ليس لديهم أولاد ورواتبهم متواضعة واصبحوا امام خيارين اما ان يدفعوا كي يواصلوا الناس بلا أمل في عودة ما قدموه من مساعدة أو ان يختصروا المسافة ويتجاهلوا الدعوات.
وأضاف:
ان أناسا عزفوا عن مناسبات الزفاف بسبب الرفد مطالبا تغيير النظرة نحو هذه الفئة وان تستثنى وان ترد لهم مساعداتهم في قالب هدايا عينية اذا ما حدث له عارض أو قدم من سفر لا سيما من أقرب الناس اليه.
ولا حل في رأي عبدالعزيز محمد الشهري لرفع العبء على أرباب الأسر إلا من خلال تزويج اثنين أو ثلاثة من أفراد العائلة أو أبناء العم حتى لا تتحول هذه العادة إلى وسيلة لإرهاق المدعوين أو ان تكون كسبا لأهل الزواج.
ومن واقع تجربة شخصية يرى عبدالله بن حزمي:
ان مما يزيد من التشويه الذي اعترى هذه العادة ان يقدم مجيب الدعوة مبالغ كبيرة ترهق العريس في فترة ما بعد الزواج.
مشيرا إلى انه وجد صعوبة كبيرة في توفير (الرفد) ستة من أصدقائه قدموا له ليلة زفافه (6000) ريال بواقع ألف ريال لكل واحد منهم في حين ان راتبه لا يتجاوز (4000) ريال.
ويتذكر: (فهد عبدالله الشهري).. يوم زفافه وكيف كان يحسب مبالغ الرفد التي وصلت له ، مشيراً إلى أن هذا المبلغ مكنه من السفر لقضاء شهر العسل خارج المملكة خاصة بعد أن صرف كل ما يملك في تجهيزات المنزل..
أما محمد علي الشهراني وزوجته فكانا على ثقة أن مصاريف الزفاف سيتم تغطيتها بشكل كامل من خلال الرفد وقال:
إنني كنت مجاملا مع أصدقائي وكنت حريصا على دفع الرفدة في كل مناسبة لذلك يوم عرسي كان الجميع يسعي لرد الجميل والحمد لله لقد سددنا كل الديون التي تراكمت علينا من أول شهر للزواج و البركة في الرفدة.
أما محمد علي العمري فيقول:
اعتزلت الحضور للزواجات وذلك لان مرتبي لا يسمح لي بالحضور فأنا استلم حوالى (2000) ريال شهريا واتفاجأ بأن الدعوات قد انهالت على وأصحاب الدعوات قد طرحوا لي مبالغ تجاوزت الـ (4000) ريال فكيف أقوم بسدادهم وأضاف قائلاً:
أصبحت كالقسط أسددها وقت ما تتيسر معي.
أما عبدالخالق محمد الغامدي فله رأي آخر فيقول:
الرفد.. عرف اجتماعي ساعد الكثير من الشباب على الزواج فالشاب لا يستطيع الزواج بمفرده إلا بمساعدة مالية.
تزوجت قبل أكثر من 30 سنة وكانت المساعدات آن ذاك لا تتعدى مبلغ 2000 ريال وكنا نرى أنها ثقيلة أيضا.
اقترضنا للسداد
صالح الشمراني يضيف:
أنا مندهش من هذه العادة ولعلي اذكر لكم موقفا حصل لي أنا و والدي في أحد الأشهر وبالتحديد في العطلة الصيفية وصلتنا أكثر من (30) دعوة والمطلوب اكثر من (15000) ريال ماذا نفعل فقمنا بالاقتراض أنا ووالدي كي نسدد حق الناس والحقيقة أن كثيرا من الناس ينظرون للرفد هذا انه دين وليس مساعده ،أما بعض الأهالي فقد أكدوا على ضرورة التخفيف في الرفد لأن التعداد قد زاد والتكاليف المعيشية أيضا زادت.
وقال معيض محمد القرني:
إن الرفدة أصبحت عبئا على العريس اذ يمضي حياته كلها في التسديد ويتبعه بعد أولاده فلماذا لا يقوم كل شاب بتزويج نفسه بدون الاعتماد عليها.
فعلا أتمنى اعادة النظر في هذه العادة و أن تدرس من ناحية اجتماعية ليكون هناك حل سريع.
نعتذر عن القبول
وقال سعد عبدالرحمن الشهراني (بمحافظة خميس مشيط): في بعض القبائل بالمنطقة الجنوبية بدأت هذه العادة في الاندثار تدريجيا ولكنها لم تختف فمع مرور الوقت أصبحت بعض العوائل تذيل كروت الأفراح بالاعتذار عن قبول العانية فيما تتمسك بها بعض الأسر وتراها عادة قبلية بحتة تعين العريس وتساعده. جابر علي الشمراني احتفل بزفاف شقيقه ناصر مطلع هذا الصيف: وكان احد الذين ذيل بطاقة الدعوة بالاعتذار عن قبول العانية ويقول أصبحت بكل صراحة بمثابة الدين في عنق العريس وما دام كل شيء ميسر بحمد الله حرصنا على ان لا نرهق جيوب الحاضرين لحفل الزفاف. ومثله فعل عبدالوهاب محمد المالكي في حفل شقيقه حيث يقول:
تزوجت انا وجميع اخوتي في وجود العانية ولكن هذه العادة لابد ان تنتهي لأنها حاليا أصبحت محصورة في منطقتنا وتتعب الحضور. فيرى ان تقديم العانية يجب ان يقتصر على أسرة وأقارب العريس بدلا من أخذها من كل من يحضر الزواج.
ويرفض فكرة إلغاء العانية مؤكدا أنها تعين العريس وتساعده وتخفف عليه الكثير من المصاريف. ويقول العانية عادة درج عليها أباؤنا ومن سبقونا ولا يوجد أي ضرر في تقديم مبلغ مالي بسيط للعريس.. وبين مؤيد ومعارض لاستمرارها مازال البعض يحمل دفاتر خاصة لتسجيل اسماء من يقدمون العانية ومقدارها.
قروض بدون فوائد ترهق كاهل الكثيرين
الرفد.. دين يسقطه الموت فقط
25 أغسطس 2008 - 21:30
|
آخر تحديث 25 أغسطس 2008 - 21:30
الرفد.. دين يسقطه الموت فقط
تابع قناة عكاظ على الواتساب
عبدالرحمن القرني-عسير