حسب احصائية لأمانة جدة يشكل الوافدون من الافارقة والعرب والآسيويين حوالى 95% من سكان حي السبيل الذي تعود نشأته الى ما قبل ستة عقود حينما انشأ الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه "سبيلا" لإعانة الناس.. وأخذ السبيل في الاتساع وتوافدت اليه عائلات اصبحت فيما بعد من كبار عوائل عروس البحر الأحمر. الطبيعة الديموغرافية لسكان حي السبيل اختلطت مع قدوم الوافدين اليه واصبح هناك خليط متباين لعدد من الثقافات والأعراق وتبدلت جغرافيته ليكون عنوانا للعشوائية والتوسع الرأسي غير المنضبط وملاذا لعدد من المتسيبين والمنحرفين من أرباب السوابق والمدمنين مما اضطر اهالي الحي خاصة الميسورين منهم على الفرار من الانتكاسة التي تعرض لها والظواهر الغريبة التي اجتاحته رغم صمود شواهده التاريخية مثل البازان محل السقيا الذي كانت تنطلق منه قوافل الدواب محملة بالمياه للسكان.
مفترق طرق
والآن اتخذه كثير من الوافدين منطلقا لعصاباتهم واصبح السبيل بين مفترق طرق يقف شاهدا على عبق التاريخ والأصالة ووطأة عوامل العشوائية والاجرام التي جعلت منه واحدا من أخطر أحياء جدة وساهمت شوارعه الضيقة التي تشكل علامة فارقة للحي في تهيئة الأجواء للمارقين والمروجين في تسهيل صفقاتهم القذرة، وأخذت تنطلق من أزقته جرائم المنحرفين ومعتادي الاجرام الذين وجدوا في عشوائيته المفرطة عنصرا مساعدا لهم في تنفيذ جرائمهم التي تشكل المخدرات أخطر وأبرز ملامحها.
ورغم ذلك الوضع اختارت نسبة بسيطة من المواطنين الذين وُلدوا وترعرعوا بين أزقة السبيل ولم تمكنهم ظروفهم المادية من الانتقال للسكن بالأحياء الاخرى.
العم أحمد عياش قال: انه يسكن في حي السبيل منذ 45 عاما ولم يكن الحال كما هو عليه الآن ففي السابق كان سكان الحي شبه أسرة واحدة يتداخلون ويتمازجون مع بعضهم البعض.
عشوائية وفوضى
ومع مرور السنين وبدء عصر التطور والعمران قبل حوالى 3 عقود دبت العشوائية والفوضى ونتج عن ذلك تنامي ظواهر اجرامية غريبة لم تكن موجودة عندما كان المواطنون يشكلون غالبية السكان، وتمدد "الورم الخبيث" في أوصال الحي وتشعب في أزقته التي اصبحت جاذبة للمتعاطين والمنحرفين وأرباب السوابق من المروجين لصعوبة وخطورة الدخول اليها خاصة أن بيئة الحي ومنازله القديمة ذات الايجارات الزهيدة استقطبت العديد من المتخلفين والمخالفين للأنظمة في وقت يرفض فيه المواطنون السكن في البيوت المتهالكة التي تشكل خطرا على حياة سكانها.
العم عياش لم يخف عتابه على ملاك المنازل الذين ساهموا بصورة غير مباشرة في توفير ملاذات للمتخلفين والمنحرفين الذين يمارسون انشطتهم المشبوهة في أزقة السبيل الضيقة التي تساعدهم على التخفي من الجهات الأمنية والرقابية. وأكبر دليل على ذلك ما يتداوله الجميع من روايات عن انتشار باعة السموم والمتعاطين وممارستهم لسلوكهم الاجرامي في وضح النهار بالحي بلا حسيب أو رقيب وتفشي ظواهر لم تكن معروفة من قبل كالجرائم الأخلاقية التي تأتي نتاجا طبيعيا لتعاطي المخدرات.
مدمنون كالأموات
العم عبدالله حكمي روى لنا روايات مؤلمة تدمي القلوب عن المدمنين الذين يتمتعون ظاهرياً بنبض الحياة لكنهم كالأموات ومنهم من لفظ أنفاسه الأخيرة بعد تعاطي كميات زائدة من جرعات المخدرات لم تتحملها أجسادهم الهزيلة الشاحبة. وبعد مغيب الشمس بقليل يخرج المتعاطون والمخمورون من مخابئهم لينفثوا سمومهم في الأزقة والفوضى بين السكان الآمنين الذين تقلقهم أصوات المتعاطين في لحظات استجدائهم لمروجي المخدرات.. وهناك من يركع ويبوس الأقدام التي تركله حينما لا يكون معه ثمن السموم ويصل الأمر بالبعض لتقديم تنازلات تمس عرضه من أجل الحصول على جرعة مخدر.
وفي الصباح يبدأ المتعاطون في الترنح بالأزقة متعثرين في المياه الآسنة تارة وفي النفايات تارة أخرى يحثون خطاهم ويحملون أوزارهم في طريقهم إلى أسفل كوبري شارع الستين للنوم استعداداً ليوم جديد من التعاطي. وهناك من يحالفه الحظ ويجد من يسعفه للعلاج من الإدمان لكن ما أن يعود إلى عالم الأسوياء حتى يجد الجفاء منهم ويعود للمستنقع بشكل أشد مما كان عليه. خلال جولتنا بين أزقة حي السبيل رصدنا أطفالاً يلهون ببراءة لقضاء أوقات فراغهم لكنهم يترعرعون في بيئة تتسم بمشاهد المروجين والمدمنين.
انتقام مروجين
وشاهدنا امرأة تحث الخطى في السير وتنادي على أطفالها بصوت مرعوب حيث كانت خارجة من دارها في لحظة عراك بين مجموعة من المروجين وأحد المتعاطين، وانتهى العراك بتمزيق ثياب المتعاطي والاعتداء عليه بالضرب وسلب ما معه من نقود بسبب حساب قديم عليه.. ولم ينقذه منهم سوى أحد شباب الحي الملتزمين حينما خاطبهم بحزم ليطالبهم بالكف عن العبث الذي يقومون به.
رصدنا بالصورة المتعاطي المعتدى عليه وهو في حالة يرثى لها إلى ان جلس متهالكاً على دكة أمام محل تجاري كان مغلقاً.
وبعد ان قدمنا له الماء والعصير بدأ يستعيد توازنه وقال لنا بصوت متقطع ان أسمه "م.هـ" وتعرض للضرب من "البياع" الذي سلب منه مبلغ 400 ريال دون ان يقدم له جرعة المخدر لأن عليه حساب سابق.
سألناه عما اذا كان حاول العلاج من الادمان أو ترك التعاطي جاءت اجابته بعيدة عن الموضوع ودخل في حالة من الارتخاء ثم عاد يردد "ضربوني.. ضربوني" وكأنه لا يعرف أي شيء عن حاله المزري ولا يتذكر إلا تعرضه للضرب والمبلغ الذي سلب منه.
طفل لا يتجاوز العاشرة من عمره سمع جزءاً من حوارنا مع المتعاطي وتدخل قائلا.. هذا الشخص يتعرض للضرب كل يوم.. وقبل حوالى أسبوع دخل بالخطأ إلى بيت عائلة عند الفجر وأكل من أفراد العائلة علقة ساخنة.
مدمن للهيروين
وفي زقاق مجاور تابعنا شاباً آخر يسير متمايلاً من تأثير المخدر ويصطدم تارة بحاويات النفايات وتارة أخرى بجدران المنازل المتلاصقة ويحمل في يده ولاعة سجائر استطاع ان يحافظ عليها بعد شجار مع مروج قام بضربه وسلب جهاز جواله ومبلغ 350 ريالاً ثم طرده دون ان يعطيه الجرعة.
الشاب ع.ع في العقد الثالث من عمره كما عرف نفسه قال لنا عقب مشاجرته مع المروج ان والده ووالدته يوفران له المال الذي يشتري به المخدرات.. ومنذ ما يقارب 10 سنوات دخل عالم الهيروين بعد ان كانت خطوته الأولى سيجارة حشيش وهو نادم ومتحسر على نفسه لكنه لا يستطيع ان يفعل شيئا امام "إغراء" المخدر الذي أهلك جسده.
تطوير شامل
مدير الإعلام بأمانة جدة قال رداً على تساؤلاتنا عن وضع حي السبيل.. ان هناك إدارة متخصصة بالأمانة تتولى معالجة أوضاع الأحياء العشوائية وهي "إدارة شؤون المناطق العفوية" ومن أبرز أهدافها تطوير المناطق العشوائية وتوفير الخدمات البلدية والمرافق العامة باستخدام نظم المعلومات الجغرافية لتوفير الخرائط والمعلومات وقاعدة بيانات شاملة عن الجوانب العمرانية والأمنية والاجتماعية والبيئية. وأوضح ان الأمانة بدأت استقبال أوراق ملاك حي السبيل تمهيداً لتطويره بشكل كامل بعد ازالته وإعادة تخطيطه ضمن مشروع منطقة خزام.
ومن جانبه قال مدير جوازات منطقة مكة المكرمة العميد محمد حسن الأسمري ان حي السبيل يعاني من كثرة المتخلفين والمتسولين مؤكدا ان الجوازات تواصل حملاتها يوميا لتنظيفه من هؤلاء حيث تقوم الفرق بحملات ليلية وصباحية منتظمة حققت الكثير من النتائج الايجابية في الحد من ظاهرة المخالفين لنظام الاقامة والعمل. وفي ذات السياق أكد الناطق الإعلامي لشرطة جدة العقيد مسفر الجعيد ان الجهود الأمنية لملاحقة الجريمة مستمرة بالتركيز على بؤر الفساد التي يتم رصدها في حي السبيل ويجري التنسيق مع الجهات المختصة بهدف تطوير الحي والقضاء على السلبيات الموجودة فيه للحد من الجريمة. كما يقوم عمد الأحياء برصد تلك السلبيات والرفع بها للجهات المختصة لمعالجتها وإيجاد بيئة مناسبة للسكن. وعن أسباب وقوع بعض الشباب في براثن المخدرات