انتشرت الأخطاء الطبية لدينا مؤخرا بصورة اصبحت تشكل ظاهرة مستفحلة.. إذ لايكاد يمر يوم إلا وتحفل الصحف بخبر يدور حول خطأ طبي..
ومع التسليم أن الخطأ سمة بشرية.. إلا ان الخطأ الطبي يتعلق بحياة بشر.. وبأثمن مايملك الانسان «صحته» ولهذا يظل هاجسا مؤرقا للناس.. ويتوجب تكريس الاهتمام وحشد الجهود للتصدي لهذه الظاهرة وفق خطط مدروسة مبنية على أسس عملية.
والاخطاء الطبية – كما تعرفها موسوعة «ويكيبيديا» هي أخطاء يتم ارتكابها في المجال الطبي نتيجة ضعف الكفاءة والخبرة من قبل الممارس الطبي أو نتيجة ممارسة طريقة حديثة أو نتيجة الاهمال.
ومع ان أعداد ضحايا الاخطاء الطبية اكثر من ان تحصى.. إلا انني عايشت حالات فعلية موثقة..
أذكر منها التالي:
- فاجأ مواطن الحاضرين في الملتقى العالمي لسلامة المريض الذي نظمه مستشفى قوى الأمن في الرياض في 16 سبتمبر 2006 م عندما دخل حاملا جزءأ من جمجمة ابنه في كيس من البلاستيك الشفاف مجسدا الخطأ الطبي القاتل الذي ارتكب في حق ابنه.
- أزال طبيب خطأ «مبيضي» مريضة شابه ظنا منه انها من الاورام الخبيثة وهي لم تكن كذلك. وإزالة المبايض معناه حرمان هذه الشابة من الانجاب!
- شاب لاعب كرة ناشئ في احد الاندية دخل احد مستشفيات جدة لاجراء عملية جراحية في ركبته اليمنى.. وبدلا من اجراء العملية في الركبة المريضة أجرى الطبيب له العملية في الركبة اليسرى السليمة.. وبهذا قضى على مشروع نجم رياضي!
- وأخيرا مواطن احتاج اجراء عملية جراحية في أعلى الفخذ وأبلغه المستشفى الخاص في جدة بان تكلفة العملية قدرها خمسون الف ريال.. وان عليه دفع ثلاثين الف ريال مقدما.. حيث دفع المريض باقي القيمة قبل خروجه.. ولكنه ظل يعاني من «عظمة» ناتئة أقضت مضجعه فراجع الطبيب نفسه عدة مرات.. حتى اضطر في ظل الآلآم المبرحة التي كان يعاني منها إلى السفر للخارج طلبا للعلاج.. وهناك اكتشف بأدلة طبية دامغة ان هناك خطأ طبيا فادحا حيث ثبتت الشريحة المعدنية في غير مكان الكسر.. وأدت إلى تآكل مفصل الفخذ.. ولو طال الأمر لربما أصيب بجلطة أودت بحياته..
هذه مجرد أمثلة للعديد من الأخطاء الطبية.. الأمر الذي يجسد حقيقة كونها ظاهرة متفاقمة.. تستوجب حلولا حاسمة وعاجلة..
أما الإحصائيات الرسمية المعلنة عن عدد الأخطاء الطبية التي أشارت إلى حدوث (323) حالة إدانة طبية العام الماضي.. فهذه لا تمثل سوى نزرا يسيراً من العدد الفعلي للأخطاء الطبية.. فما أكثر الأخطاء الطبية التي دفنت مع أصحابها.. وما أكثر الأخطاء الطبية التي لم يعرف ضحاياها أنهم تعرضوا لها..وما أكثر الأخطاء الطبية التي أحجم ضحاياها عن رفع الشكوى.. من منطلق انه قضاء وقدر.. أو أصابهم الملل و اليأس من إجراءات اللجان الطبية الشرعية التي تمكث القضايا لديها على مدى العام و العامين..
يقول الطبيب الاستشاري عبدالله المنجود في بحث علمي منشور:
«إن معظم الأخطاء الطبية يمكن التستر عليها لعدم دراية المريض بممارسة الطبيب وجهله بمرضه ولان معظم المداخلات العلاجية يمكن التذرع بها».
** أما وقد تحدثنا عن الظاهرة وحجمها ومسبباتها.. فان علينا تقديم حلول مقترحة من واقع رصيد الخبرة والتأهيل العلمي المتخصص.
ولعل أولى خطوات تلك الحلول اعتراف القائمين على الشأن الصحي بوجود المشكلة كظاهرة مستفحلة آخذة في التزايد بشكل تصاعدي.. بدلاً من نفيها أو تحجيمها أو التقليل من معدلاتها الحقيقية.. إذ كيف نقنع الناس بأنها بسيطة بينما يعايشون على ارض الواقع ظاهرة منتشرة يكتوون بها.
أما المقارنة بالولايات المتحدة فيما يختص بحجم الأخطاء الطبية فأرجو أن نكف عنه لأن فيه استخفافاً بمستوانا الفكري.. فبين عدد سكان بلغ الثلاثمائة مليون هناك وخمسة وعشرين مليونا هنا.. تبقى المقارنة منعدمة.. وبين رصد فعلي دقيق وحساب أدق لمعايير دقيقة هناك وغير محسوبة هنا تبقى المقارنة منعدمة..
إن من الواجب إدراك أن الاعتراف بالمشكلة هو نصف الطريق إلى حلها.. وثاني الحلول.. إنشاء «هيئة سلامة المريض» كهيئة مستقلة تتولى أمر الأخطاء الطبية بمنهجية علمية تشتمل على أنظمة وقواعد بيانات وإجراءات محددة للحد من الظاهرة و تقصى حقائقها.
- ومن الحلول المقترحة أيضا إنشاء «محكمة طبية» تتولى البت في قضايا الأخطاء الطبية.. ذلك إن آلية «اللجان الطبية الشرعية» الحالية.. لم تعد تواكب متطلبات الواقع المعاصر.
- إلزام المستشفيات الحكومية و الأهلية بالتزام معايير الجودة بصورة فعلية وليس بصورة دعائية!!
تقول الدكتورة «مارغريت تشان» المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية. إن من المهم الإلمام بكيفية الحيلولة دون إصابة المرضى بأضرار أثناء تقديم خدمات العلاج و الرعاية لهم.. وذلك يتحقق من خلال معايير الجودة في المستشفيات.
- وضع إجراءات طبية واضحة ومحددة.. وإلزام جميع المستشفيات بالالتزام بها..
- تكثيف الرقابة و المتابعة من قبل السلطات الصحية ممثلة في وزارة الصحة والهيئة السعودية للتخصصات الصحية.
- التأكيد على إلزام الممارسين الصحيين بالتعليم الطبي المستمر.. وبدخول اختبارات دورية تنظمها الهيئة السعودية للتخصصات الصحية لضمان الكفاءة الطبية.
- استمرار الدور الهام الذي تضطلع به الهيئة في تسجيل الممارسين الصحيين و الكشف عن الشهادات الصحية المزورة.
- إلزام جميع المستشفيات بإنشاء لجان وفيات ومضاعفات (Mortality, Morbidity ) ففي الولايات المتحدة والدول المتقدمة طبياً لا يمكن اعتماد أي مستشفى ما لم تكن هذه اللجنة موجودة وفاعلة.