أريج الجهني
أريج الجهني
منصور الدهيمان
منصور الدهيمان
عبدالله الخطيب
عبدالله الخطيب
مشعل العقيل
مشعل العقيل
-A +A
أريج الجهني (الرياض) areejaljahani@
يتعمد البعض السير على خطى فكرة التنميط، قبل أن يفهم حتى مغزاها ولا يعي خطورتها، أو نهايتها، مما يشكّل قالباً جديداً للمجتمعات، بصورة نمطية لا تتوافق مع الحقيقة ولا تتناسب مع الواقع.

لم يختلف الاختصاصيون في تعريف التنميط بأنه شحنة أحكام مجتمعية قاسية، فيجد المرء على اختلاف جنسه (رجل أو امرأة) نفسه داخل قوالب وافتراضات مسبقة، مما يجعل الإنسان في حالة من الدفاع والقلق والهلع والتبرير، لذنوب لم يرتكبها ولقرارات لم يكن له يد فيها.


ولا يقتصر مفهوم التنميط على قالب بعينه أو قضية بعينها، بل يمتد ليشمل العديد من الأفكار وكثيراً من القضايا، فنجده في صورة نمطية مناطقية أو قالب تجاه جنس معين أو حتى شكل ما، فيشكل التنميط جداراً عازلاً بين

العلاج وحقيقة المرض.

ولأن التنميط يؤثر على الحياة الأسرية والعائلية والمجتمعات، حرصت «عكاظ» على طرح القضية بشكل دقيق، لنعرف ما هو التنميط وأساليبه، وكيفية تعاطيه إعلامياً، ومدى خطورته النفسية وتأثيره الاجتماعي.

الدهيمان: التكيف مع المتغيرات الحياتية يحد من تأثير التنميط

أكد استشاري العلاج الأسري الدكتور منصور الدهيمان، أن النمطية في مجتمعنا بالغالب لا تختلف كثيرا عن معظم المجتمعات الإنسانية، فالتنميط يرتبط بعدة نواحٍ منها على سبيل المثال لا الحصر؛ النواحي الفكرية وتأثير العقل الجمعي، ومنها ما هو مرتبط بالنوع والمكانة الاجتماعية الأساسية، والتفسيرات غير الموفقة للتشريعات الإسلامية وتلوينها بعادات بالية كالعنصرية بناء على الوضع المادي أو لون البشرة أو القبلية أو المناطقية أو المذهبية، وأخيرا معظم التنميط مصدره الفكر الذكوري في السياق الثقافي. وأوضح أن التنميط قد يساهم بعدم تساوي الفرص، كونه يعيق تحقيق الأهداف للأفراد، فالفرد يجد نفسه داخل قالب لم يختره.

وقال الدهيمان: «الإسلام وضّح وحدد وظائف الزواج والأسرة؛ ومنها الرعاية والاهتمام وتحقيق الأمن، وقسمت الوظائف والواجبات والحقوق بشكل متساوٍ، ومع الوقت أمسى للعادات والتقاليد المحلية صوت أكبر من المفاهيم الشرعية، وكمثال القوامة تسقط بسقوط شرط منها كالإنفاق، إلا أن العقل الجمعي يستمر في الدعاية للرجل بسبب ذكوريته للاستمرار بالمطالبة بهذه القوامة، ثم توالت التفسيرات الاجتماعية المغلوطة وتأسس فكر اجتماعي سمح للتنميط داخل الأسر بالنشوء».

وأضاف «المحزن أن هناك نساء قبلن التحيز للرجل، ومن الأمثلة -وإن كانت قليلة- التي سيطرت العادات فيها على التشريع ما حصل في حوادث عديدة منها تفريق زوجين بسبب عدم تكافؤ النسب القبلي مع وجود أطفال، ولك أن تتصور كيف يمتد تأثير هذه التصورات المجتمعية على الأسر جيلا بعد جيل».

وتابع «التساؤل الذي يجعلنا نفهم خطورة التنميط هو «ماذا لو كان تعاملنا قبل 50 سنة مع الرجل والمرأة متساويا؟» سؤال إجابته ستكون عند كل فرد بشكل مختلف بالتأكيد، لهذا من المهم أن نعالج هذه المفاهيم، ودورنا كمتخصصين أن نقدم الدعم للأسر لتتمكن من تفهم هذه التبعات، ولتتعايش وتتقبل التغيرات وتزداد محبة ومودة، وكلما كانت الأسر أكثر تكيفا مع المتغيرات الحياتية وأكثر تسامحا؛ قل تأثير التنميط».

الخطيب: تفعيل نظرية التحقق للتخلص من خطاب التنميط

اعتبر الأكاديمي السعودي الدكتور عبدالله الخطيب، أن الصورة النمطية خطاب سلطوي، حيث اهتمت اللسانيات بمفهوم الصورة النمطية منذ منتصف السبعينات الميلادية، على اعتبار أننا إزاء مقولات لغوية رائجة في المجتمعات، وتتمتع بظروف إنتاج محددة. وقال: «هذه المقولات هي خطابات لها أبعاد اجتماعية وأيديولوجية»، مضيفا «من الممكن القول إنه بالنظر إلى التعريفات المتعددة للصورة النمطية، فإنها تُحيل إلى مقولات سائدة وجاهزة للاستعمال الذهني، تخص مجتمعا من المجتمعات أو شريحة مجتمعية داخل هذا المجتمع أو ذاك، وتقوم غالبا على أحكام متسرعة أو مغرضة نحو هذه المجتمعات أو الفئات المجتمعية».

وأكد الخطيب أن المتخصصين يجمعون على أن عملية التنميط من الممكن أن تكون لها آثار إيجابية على مَن تتجه نحوهم، ولكن غالبا ما يتم التعاطي مع التنميط باعتباره عملية سلبية يتسبب تكريسها واستعمالها البريء أو المغرض في خسائر كبيرة للفئات التي تلتصق بها.

وعن الجانب السلبي الذي يطغى على عملية التنميط، أوضح أن للتنميط مخاطر كثيرة، حددتها مارتين عبدالله برتسيي بـ4 مخاطر وهي: التعميم، والاختزال، والديمومة، والخلط. واللافت أننا لمجرد أن نتأمل بعض المقولات النمطية السائدة في مجتمعنا حول المرأة والقبيلة، ومَن لا ينتمي لقبيلة (...) نلاحظ أننا في قلب هذه المخاطر.

وأشار إلى أن كل خطر من هذه المخاطر يحتاج إلى دراسة متفردة لمقاربته من زواياه المختلفة، ولو توقفنا فقط عند مسألة ارتباط التنميط بمسألة الديمومة والاشتغال الذي يمارسه الخطاب لتكريس هذه الديمومة والاشتغال على ثابتها وحضورها الدائم في المجتمعات؛ للاحظنا -على سبيل المثال- حجمَ المعاناة التي تعرَّضت لها المرأة في المجتمع السعودي في الماضي (أي قبل التحولات الراهنة) من اشتغال ممنهج عليها من خلال استعمال رغبوي لهذه الخطابات القائمة على آليات وتقنيات محددة غايتها ثبات صورة محددة عن المرأة، ولكي تسير في اتجاه محدد مسبقا وتكون غير قادرة على الخروج منه.

وبين الخطيب أنه لم يكن مفاجئا لمعظم الذين يهتمون بظاهرة التنميط وآلياتها اكتشاف أن كثيرا من الدراسات التي قامت بمقاربات جادة ووازِنة حول هذه المسألة، تربط بين التسلُّط وبين الذين يحرصون على استعمال الصور النمطية، قائلا: «هذا يقودنا إلى علاقة الصورة النمطية بمفهوم السلطة، بمعنى أن استعمال التنميط يحيل إلى رغبة عارمة في ممارسة السلطة على الفئات التي تقبع تحت مطرقة هذه الخطابات».

وأضاف «لهذا السبب نلاحظ كيف يحرص مَن يقتات على المقولات الجاهزة أن تبقى وتدوم هذه المقولات؛ وذلك لغاية محددة وهي غالبا تعزيز سلطته الرمزية، أو لكي لا يفقد رأسماله الرمزي الذي اكتسبه على حساب الآخرين». وزاد «هنا من الملائم القول إن هذه الخطابات، رغم أنها تبدو منفصلة، إلا أنه في الواقع انفصال مُتوهَّم ولا يوجد حدود قائمة، بمعنى أن هذه الخطابات لكي تعزز سلطتها نجدها متصلة اتصالا متينا بخطابات أخرى. ولو تأملنا فعل وعملية التنميط في المجتمع السعودي للاحظنا حجم اتصال هذه المقولات بالمقولات الدينية (الموضوعة) بمعنى تلك التي تقع خارج إطار عملية التحقق».

وعن كيفية تقويض فعل خطاب التنميط السلبي، شدد على أن من أهم الممارسات هو تفعيل نظرية التحقق، التحقق الذي يعتبره إدغار موران أحد أهم القيم الأساسية للمعرفة، والذي تكبدنا على إثر غيابه من حياتنا اليومية خسائر كبيرة.

ودعا المهتمين بفعل التنميط من المثقفين النظر في حضور مسألة التحقق لدى المتلقي. معتبرا أن تفعيل التحقق كقيمة في مجتمعاتنا على وجه الخصوص هو الرهان الأكبر في سبيل تقويض الخطاب التنميطي الذي يسعى البعض من خلاله إلى الهيمنة والتأثير على الآخرين.

العقيل: النمطية تحولك فريسة للتسرع وظلم الآخرين

أشار الكاتب السعودي الدكتور مشعل العقيل، إلى العبارات المتكررة التي رسخت لدينا مفاهيم ما أنزل الله بها من سلطان، وكان لها أثر على سلامة تفكيرنا واستقرار صحتنا النفسية، معتبرا أنه بسبب هذه العبارات التي تمت قولبتها وتنميطها في إدراكنا؛ أصبحنا عرضة لتأنيب أنفسنا أو الآخرين، ليس لذنب اقتُرف، ولكن لعبارة وقاعدة غرست صورتها في أذهاننا قبل أن يتكون لدينا الوعي الكافي لتقييمها، أو لتكرار وجودها لدى من حولنا، فكانت مثل عدوى اكتسبناها.

وأكد العقيل أن هذه العبارات جعلت منا نمطا نرى من خلاله الأمور، ونطلق بناء عليه الأحكام، قائلا: «إدراكنا يتأثر كثيرا بما نسمعه وبما نشاهده حتى تتكون لدينا صورة ذهنية تجاه شخص أو سلوك، والنمطية قد تجعلنا ننزلق في الحكم على الأشخاص من مظهرهم الخارجي، والنمطية قد تقع بنا في فخ إصدار الأحكام على الآخرين من خلال جنسية أو مذهب أو عرق».

ووصف النمطية بأنها «آفة العقل والإدراك»، فهي تصيب من يسلم عقله لتلك التمثيلات الاجتماعية، ويجعلها قواعد يستمد منها أحكامه، ليعيش واقعا محرفا واعتقادات راسخة مشوهة، تجعل منه فريسة للتسرع ومجالا لظلم الآخرين، فتسيطر عليه انفعالات غير مبررة وقرارات غير منطقية، مضيفا «جميع ما نعيشه يمر بمعالجة ذهنية تتأثر بما نحمله من صور نمطية، فكلما قل وعينا وإدراكنا بواقع هذا الخلل وخطره، أصبحنا أكثر عرضة للإخفاق في المعالجة الذهنية الصحيحة لتلك المواقف».

وتابع: «بإمكاننا اختبار تلك النمطية التي نحملها ومقدار تأثرنا بها، فعلى سبيل المثال لو شاهدت رجلا يقف بجانبك عند إحدى إشارات المرور وهو يبكي، وبادرت نفسك بسؤال: ما رأيك في هذا الرجل؟ سوف تتباين إجاباتنا ما بين رجل ضعيف أو مهزوز أو يعاني في حياته كثيرا أو غير ذلك، ولو كان ذلك الشخص امرأة، وكررت نفس التساؤل على نفسك فهل ستتغير الإجابة؟».

وبيّن أنه إذا حاولنا الابتعاد عن النمطية التي عالجنا من خلالها الموقف، لوجدنا أن أدق إجابة يحملها هذا التساؤل هو «لا أعلم»، فذلك الموقف غير كافٍ ولا يوجد به ما يمكننا من خلاله تكوين انطباع، موضحا أن هذا يعود بنا لعبارات تكررت على أذهان الكثير منا منذ الطفولة «أنت رجال لا تبكي»، ولذلك تأثرنا بالنمطية يعتمد على مقدار ما يحمله كل شخص منا من صور نمطية تكونت في ذهنه منذ الطفولة، وعلى مقدار وعينا وقدرتنا على تحييد هذه الأنماط.

الغامدي: القولبة النوعية تبدأ قبل الولادة.. وتختفي بهذه الممارسات

رأت الأكاديمية السعودية الأستاذة الدكتورة أماني الغامدي، أن التنميط عند الإناث والذكور في العالم العربي يبدأ بشكل عام من سن مبكرة للغاية، بل لا يمكن إنكار أنه يبدأ قبل مرحلة الولادة، مبينة أنه بمجرد أن يعرف الوالدان جنس المولود حتى يبدآن الاستعداد بألوان وملابس معينة، وأثاث وديكور معين، وألوان محددة لكل من البنين والبنات. وقالت: «عملية التنميط تستمر بشكل كبير جدا ومبالغ فيه، بحيث لا يكاد يصبح متلازمة مجتمعية وأي فكرة أو حتى نقاش حولها سرعان ما يتحول إلى رفض تام وقاطع لضد فكرة التنميط أو الخروج عنها».

وأوضحت أن «هذه الممارسات تستمر وتظهر بشكل كبير في التعليم، ومنذ مراحل التعليم الأولى أي مرحلة رياض الأطفال». وأشارت إلى نتائج دراسة عربية أجريت في 2014 عن أثر اللعب في تنمية مفهوم التنميط لدى أطفال الرياض للباحثة: إيناس ثامر عارف، توصلت الدراسة إلى أن «اللعب له تأثير في تنمية مفهوم التنميط لدى الذكور والإناث»، و«نمط اللعب المختلط بين الذكور والإناث يساعد في تنمية مفهوم التنميط الجنسي»، و«اللعب يساعد الطفل على اكتساب معايير السلوك الاجتماعي المقبول الملائم لجنسه».

وحول التنميط الثقافي، لفتت الغامدي إلى تصور لموقع كل من المرأة والرجل المجتمعي، فلا يقبل من المرأة طرح ومناقشة أو تبني قضايا يعتقد أنها تهم أو متعلقة بالرجل أو أعتاد الرجل على طرحها وتناولها، مستشهدة بمثال موضوع رياضة المرأة الذي استمر سنوات من الجدال، باعتبار الصورة النمطية المجتمعية لا تقبل فكرة مشاركة أو حتى ممارسة المرأة للرياضة، على الرغم أنه لا يوجد أي مسوغ ديني الذي على العكس من هذا حث على المحافظة على الجسد واللياقة البدنية لكل من الجنسين بلا تفريق.

وقالت الغامدي: «المشهد الإعلامي المحلي من خلال الإعلانات أو البرامج الترفيهية مثل (طاش ما طاش) يعزز وبشكل كبير صورة نمطية عن المرأة و دورها المجتمعي، الذي أصبح يناقض بشكل واضح الدور الفعلي الذي تقوم به المرأة في المجتمع السعودي من حيث تواجدها في كل القطاعات الحيوية ليس فقط في الصفوف الخلفية، بل في الصف الأمامي جنبا الى جنب مع الرجل وفي موضع صناعة القرار».

وشددت على أن التنميط والقولبة النوعية لكل من المرأة والرجل، لن يختفي من المشهد التعليمي أو الثقافي أو الإعلامي إلا بتضافر جهود المتخصصين في علم الاجتماع والتربويين والاعلاميين، لتصحيح مثل هذا التنميط غير المبرر واستهداف التوقف عن تعزيزه، من خلال المواقف المختلفة التي تبثها شاشات الإعلام المحلي، التي تكرر مشهدا ثقافيا نمطيا لدور المرأة ودور الرجل.