أكد إمام وخطيب جامع الشعيبي بجدة والأمين العام للهيئة العالمية لتحفيظ القرآن الكريم الدكتور عبدالله بن علي بصفر أن الحوار بين الشعوب هو لإيضاح حقيقة الإسلام، وإزالة اللبس وكشف زيف الباطل وبيان قوة الحق موضحاً أنه بذلك تضعف الأفكار المنحرفة أو تموت، ويتم تصحيح المفاهيم داعياً إلى أن يتصف الحوار بالهدوء والليونة وطول النفس والواقعية والاعتدال وحسن الاستماع لوجهة النظر الأخرى وتقبل الرأي الآخر واحترامه مشيراً إلى أن الحوار الإيجابي البنَّاء هو الحوار الموضوعي الذي يرى الحسنات والسلبيات في ذات الوقت، ويرى العقبات وإمكانية التغلب عليها، وهو الحوار المتكافئ الذي يعطى لكلا الطرفين فرصة التعبير والإبداع الحقيقي، ويعرف حتمية الخلاف في الرأي بين البشر، وآداب الخلاف وضوابطه.
* فضيلة الشيخ.. كخطيب لأحد الجوامع الكبيرة في المملكة، كيف تنظر لدعوة خادم الحرمين الشريفين للحوار بين أتباع الثقافات المختلفة، خاصة أن هناك مؤتمراً يقام بعد أيام في مدريد بتوجيه من خادم الحرمين الشريفين وسبقه مؤتمر إسلامي عالمي برعايته وفقه الله؟
** ليس بمستغرب على إمام المسلمين وملك الإنسانية جميعها، أن يرعى مثل هذا الحوار العالمي، وهو الذي عرفه العالم أجمع بعدله وإنصافه وإنسانيته ومساعدته لكل مكروب ومنكوب من شتى شعوب الأرض، دون تحيز لشعب أو جنس دون آخر، فحفظ الله لنا ملكينا وأدام عليه ثوب الصحة والعافية وأكرمه وولي عهده وإخوانه وأعوانه بكل خير، ودفع عنهم وعن بلادنا الحبيبة كل مكروه وسوء.
وذلك المؤتمر إنما ينعقد لبحث المشكلات الكبرى التي تعاني منها البشرية، وبيان موقف الإسلام منها، والحوار بين أتباع الأديان والثقافات والحضارات المختلفة، ومكانة الأسرة وأهمية تماسكها في مواجهة الانحراف والفساد، ومواجهة آفات: الإرهاب والظلم والمخدرات وغيرها من المآسي البشرية العامة، وأهمية تعاون الإنسانية جميعها ـ دولاً ومنظمات ومجتمعات على اختلاف أديانها وثقافاتها ـ فيما تجتمع عليه من قيم إنسانية مشتركة، تحقق العدل والأمن والسلام للبشرية، وتسهم في إشاعة العفة والنزاهة واجتناب الرذائل والقبائح والموبقات.
* وكيف يمكن في كلمات قليلة تعريف الحوار؟
** الحوار هو: مراجعة للكلام بين طرفين أو أكثر، ولا يلزم فيه وجود خصومة بينهم، وتوجد ألفاظ قريبة من الحوار والجدال منها: المحاجة والمناظرة والمناقشة والمباحثة، فالحوار له أهمية بالغة في الدعوة إلى الله تعالى، والتعريف بالإسلام، وتصحيح الصورة المشوَّهة له لدى بعض الأمم والشعوب، ورد الشبه التي تثار حوله بالباطل، إضافة إلى بعض الفوائد والأهداف الأخرى.
* إذا.. ما هي أهداف الحوار وفوائده؟
** يمكن إجمالها في: الدعوة إلى الله تعالى، وإقامة الحجة على الخلق بصحة دين الإسلام وعالمية رسالته، وكشف الشبهات، والرد على الأباطيل وفاسد الأقوال والاعتقادات، وتقريب وجهات النظر، وتضييق مساحة الخلاف بين المختلفين، ونشر المعارف، وحفز المواهب، وإثراء الثقافات، وتبادل الخبرات الفكرية والثقافية والتقنية، والاتفاق على ثوابت أخلاقية مشتركة في مواجهة الانحراف الأخلاقي، وينبغي حتى يكون الحوار جادَّاً ومثمراً، أن يكون منضبطاً بضوابط معينة، وأن ينطلق من أصول وقواعد ثابتة.
* وما هي أهم هذه القواعد؟
** على سبيل الإجمال والاختصار: أن يكون الغرض من الحوار هو الوصول إلى الحق، تحديد الهدف والقضية التي يدور حولها الحوار، الاتفاق على أصل يرجع إليه عند الاختلاف، مناقشة المسائل حسب أهميتها، العلم بالدليل والبرهان وبوجه الاستدلال الصحيح، البعد عن التناقض، ألَّا يكون الدليل هو عين الدعوى، معرفة مجالات الحوار، أهلية المحاوِر، معرفة أصول الحوار وآلياته وغايته وآدابه، التثبت وضبط النفس واتقاء الزلل، إجادة لغة الحوار، الالتزام بموضوع الحوار وعدم الخروج عنه، تحديد المصطلحات المستخدمة في الحوار وشرح مدلولاتها، عدم التسرع في محاولة إقناع الآخر، التحلي بأخلاق الحوار وآدابه ومن أهمها: الإخلاص لله تعالى وسماحة النفس والحلم وسعة الصدر وحسن الخلق والإنصاف والعدل والاعتداد بالحق لا بالنفس وتلطيف أجواء الحوار بين فترة وأخرى وحسن الاستماع للطرف الآخر.
* في هذه الحالة.. كيف يمكن تأصيل الحوار من الناحية الشرعية؟
* ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية عشرات النصوص حول الحوار؛ تأمر به وتحض عليه وتنوِّه بقيمته، وتقدِّم نماذج من حوارات الأنبياء والمرسلين مع أقوامهم، وهي نماذج يمكن أن يسلكها الدعاة إلى الله تعالى مع مختلف أصناف المدعوين؛ من أهل الكتاب والمشركين والملاحدة ومنكري البعث وغيرهم.
وكيف لا يهتم الإسلام بالحوار كل هذا الاهتمام، وهو يرى بأن الطبيعة الإنسانية ميالة بطبعها وفطرتها إلى الحوار، أو الجدال كما يطلق عليه القرآن الكريم، قال سبحانه في وصفه للإنسان: «وكان الإنسان أكثر شيء جدلا»، بل إن صفة الحوار أو الجدال لدى الإنسان في نظر الإسلام تمتد حتى إلى ما بعد الموت، إلى يوم الحساب كما يخبرنا القرآن الكريم في قوله تعالى: «يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها».
* وهل يمكن ـ فضيلة الشيخ ـ عرض بعض التي رسمها الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين عامة وللدعاة خاصة في تعلم الحوار ؟
** لأن الحاجة إلى الحوار ضرورية وملحَّة في الدعوة الإسلامية فقد رسم الرسول صلى الله عليه وسلم أروع أخلاق الحوار وأحسنها وأسماها وأنبلها في محاورته للناس جميعاً كفاراً ومنافقين ومسلمين؛ فأخلاق الحوار وآدابه مطلب إلهي أوصى الله به في كثير من الآيات القرآنية العظيمة، ومن ذلك: أن الله سبحانه أمر بالمجادلة بالتي هي أحسن حتى مع أهل الكتاب ـ والجدال بالتي هي أحسن مرادف للحوار الإيجابي البنَّاء ـ «وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»، فحتى المخالف في الأصول: يهودياً كان أو نصرانياً أو ملحداً زنديقاً، أو بدعياً ضالاً منحرفاً؛ فإنه يمكن محاورته وكشف باطله، وبيان الحق له بدليله، بل يجب على القادرين محاورته بالتي هي أحسن، والله تعالى ذكر في القرآن الكريم ما دار بين ربنا ـ تبارك وتعالى ـ في خطابه لإبليس: «قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ» ، وقال تعالى: «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»
فعلى الداعية إلى الله تعالى أن يكون لبقاً بليغاً حكيماً في دعوته وأمره ونهيه، هيِّناً ليِّناً سمحاً خلُوقاً، إن الكلمة الطيبة التي يلقيها الداعية الصادق في أذن إنسان شارد عن الطريق فيغرس بها بذرة الهداية في قلبه، تعود على الداعي بثواب عظيم وأجر جزيل، فضلاً على تلك المكانة التي تجعلها له تلك الكلمات في نفوس الناس، وفي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص من أجورهم شيئاً».
أكد أن دعوة خادم الحرمين الشريفين تحقق سلام البشرية.. خطيب جامع الشعيبي:
الجدال بالتي هي أحسن مرادف للحوار الإيجابي البنَّاء
26 يونيو 2008 - 20:25
|
آخر تحديث 26 يونيو 2008 - 20:25
تابع قناة عكاظ على الواتساب
صالح شبرق ـ جدة