انتشرت المعتقلات الأمريكية في العراق بعد سقوط بغداد عام 2003م ومنذ ذلك الحين لا يكاد ليل الفرات الملبد بدخان المجنزرات والعبوات الناسفة يطل بوجهه المظلم دون ان يسوق لنا حكاية جديدة عن الانتهاكات التي يواجهها السجناء في معتقلات الموت كما يسميها العراقيون. ولمعرفة ما يدور داخل تلك السجون المظلمة تحدث لنا محمد الشاهين رئيس تحرير صحيفة الفيصل الصادرة من كركوك ورئيس رابطة الصحفيين العراقيين المستقلة عن تجربته المريرة في المعتقلات الأمريكية بأسلوب قصصي فريد تطرق من خلاله لأدق التفاصيل التي يواجهها المعتقلون,واستطاع الشاهين الذي تحول من شخصية اعلامية بارزة الى متهم يحمل الرقم 715 ان يجعلنا نعيش مأساة تلك الشريحة التي وقعت بين مطرقة الأمريكان وسندان نظام القاعدة ,.وكشف لنا العديد من الاسرار والقصص التي رصدها من خلال لقائه ببعض الشخصيات البارزة في النظام السابق داخل تلك الاسوار الشائكة.يقول الشاهين في العاشر من رمضان المبارك كنت عائدا من مدينة كركوك الى منزلي الريفي بالقرب من مدينة تكريت برفقة ابني البكر وكان الحديث يدور بيننا عن رمضان والعطش ولذة الصيام في الصيف والتقرب من الله بالعبادة.
طريق الأفاعي
يستطرد الشاهين : سلكنا طريقا يستغرق من الوقت ساعتين بين مدينتي تكريت وكركوك لمعرفتنا بقلة الارتال الامريكية في ذلك الطريق والتي تعرقل السير لساعات في حال أكتشفت عبوة ناسفة أو لغما أرضيا، بينما هناك طريق آخر اقل منه بضعف المسافة ولكن علة ذلك الطريق الذي توج بالكثير من الاسماء التي فرضها واقع الأمر ومنها (درب الزلق) و(درب الصد لارد) و(العواثير) و(سكة الموت)، كما يطلق عليه الامريكان تكمن في كثرة الارتال والقطوعات التي تحصل فيه, وخرج الشاهين قليلا عن سرده لقصة العودة الى تكريت ليصف لنا ملامح هذا الطريق المختصر والحافل بآثار التفجيرات والعبوات الناسفة وقال: في احدى المرات اضطررت للمرور مع ذلك الطريق وكنت وحدي فأخذت أتسلى بأحصاء عدد العبوات الناسفة التي تركت آثارها في الطريق المحصور بمسافة خمسة وثلاثين كيلو مترا من نقطة التفتيش الواقعة على مشروع ري صدام وحتى نقطة تفتيش (الرشاد) وصولا لمنطقة ( تلال عيده ) وكانت الحصيلة أكثر من 123 انفجارا تركت الكثير من الحفر التي تدفعك للسير على طريقة الافاعي في هذا الشارع، واذكر انني أخبرت أحد الاصدقاء وكان مراسلا لاحدى القنوات الفضائية وشجعته على أن يعمل تقريرا عنه فاخبرني انه اجرى احصائية قبلي وتوصل الى ضعف ما توصلت له مبينا أن كل حفرة رأيتها انفجرت سبع مرات وقال لي: "عليك ان تعيد حساباتك".
ويعود الشاهين لقصة عودته برفقة ابنه الى تكريت قائلا: مررنا بطريق (الطوز خورماتو) ووصلنا الى المدينة وصلينا صلاة الظهر قرب أحد مطاعمها المنتشرة على الطريق الاستراتيجي الذي يربط بغداد بمدينة كركوك وكانت المطاعم في السابق لاتفتح في شهر رمضان على عكس هذه الايام التي فتحت بها كل الاشياء, واضاف :اقتربنا من مدينة (تكريت) التي يفصلها عن مدينة (طوز خورماتو) سلسلة جبال حمرين والبحيرة التي استحدثت وهي خزين للسد العظيم الذي يقع على نهر العظيم وهذه البحيرة ينتشر بها بائعو الاسماك النهرية ودائما ما يغريني التبضع من هذه الاسماك قبل الوصول الى منزلي حيث اخذت سمك الشبوط والجري.
الضيف المجهول
أكملت المسير حتى وصلنا الى المنزل قبل الافطار بقليل, ووجدت أولادي يستعدون للذهاب الى المسجد الطيني القريب من المنزل حيث أخذوا معهم اللبن والتمر وطلبوا مني ان ارافقهم ولكنني فضلت الجلوس في المنزل وطلبت من زوجتي ان تحضر الطعام بعد وصول الأولاد من المسجد ومع وصولهم قدم الينا ضيوف ثلاثة تقلهم سيارة (بيكب) قديمة.. رحبت بهم ومد أصغر اولادي الفراش في حديقة المضيف ثم انصرف لتحضير الطعام وبعد الانتهاء من تناول الافطار غادرنا اثنان من الضيوف وتبقى الثالث وكان ليل تكريت كما وصفه الشاهين بأسلوبه الأدبي اشبه بانتشاء العابد وقصيدة المهاجر العائد وكان للنجوم لمعان الخاتون وأغاني الرعاة واهازيج الزراع ,واستطرد الشاهين: أخذ أحد أولادي سيارته و(بلاجكتورا للاضاءة) وذهب مع أصدقائه لاصطياد الارانب التي تكثر في المزرعة وبقينا أنا والضيف الذي عرفني بنفسه وقال (أنا أبو عامر من الحويجة) القريبة من مدينة (كركوك) وطلب مني المبيت بحجة ان سيارته عاطلة في مدينة (الطوز) والطريق الى المدينة غير سالك في الليل واخبرني انه ذاهب في الصباح الباكر الى سيارته للذهاب الى (الحويجة), لم أدقق في الاسئلة لأنها ليست المرة الأولى التي يأتي بها الى بيتي عابر سبيل حيث تعودنا على مثل تلك الحالات وتعودنا على قطع الطرق سواء من الامريكان أو من الارهابيين وتأقلمنا مع كل الحالات المعطلة للزمن والحركة.
اندس الهزع الأول من الليل ولازلنا نتجاذب الحديث ونقرض الحكايات التي يلوكها كل العراقيين عن الماء والكهرباء والأمن المفقود وعن الوضع الاقتصادي والسياسي المتردي والمناحرات السياسية الفاشلة, ووجدت ضيفي قد انشرح صدره وانفتحت قريحته في شتم الحكومة والوضع الراهن والامريكان. ولكن هكذا هو حال الكثير من العراقيين.
ليلة الاعتقال
استأذنت ضيفي بعدما وفرت له جميع مستلزمات الضيافة وتركت له فراشا وثيرا في حديقة المضيف وذهبت الى النوم بعدما حصلت على قبلة من ابنتي الصغيرة التي لا تنام الا بعد أن تقبلني ,وفي تلك الليلة لا أدري لماذا أطلت النظر في أولادي الذين يشاطرونني سطح المنزل؟ حيث يكون نومنا في ليالي الصيف لندرة الكهرباء التي تأتي ساعة وتختفي ساعات، ولا أدري لماذا تمتمت بدعاء ورجاء من الله سبحانه وتعالى بأن يحفظهم من شرور الدنيا ,ويستمر الشاهين في وصف حالته تلك الليلة التي تم فيها اعتقاله بأسلوبه السلس الشيق قائلا: تقلبت في الفراش، حاولت النوم، توسلت اليه أن يأتي ويبارك جفوني السبات ولكن لم يغمض لي جفن .. تأخرت كثيرا في التقلب وغزتني افكار مزعجة حول جريدتي والموظفين وعمال المطبعة والوضع الراهن في العراق ،وفكرت بالهجرة الى الخارج وتمنيت ان استطيع تنفيذ ذلك ولكن اعرف مدى تمسكي بالأرض وهذا مايزعجني وفكرت بالذهاب الى سوريا والاستقرار هناك وفكرت في مصر والدول الاوروبية، ولكنني ابتسمت لمعرفتي بنفسي واني لن استطيع ان أخطو مثل تلك الخطوة ابدا حيث ان جريدتي هي عمري كله ولا أستطيع العيش بدونها واستمر التفكير في وضع العراق الراهن ولا ادري متى غفوت وكل ما اعرفه انني وجدت نفسي محاطا بالجنود الامريكان المدججين بالأسلحة والمصوبين بنادقهم علي وعلى عائلتي، وكانت تنبعث منهم أشعة ليزرية خضراء وعددهم كبير جدا ولم أكن أرى عيونهم وكل ما أراه أشعة ليزرية خضراء تصدر من مكان العيون, وتخيلت وانا لازلت في الفراش انهم ضفادع، ولا ادري لماذا تخيلتهم كذلك وفي تلك اللحظات التي كنت غارقا فيها بين الخيال والحقيقة سحبني احدهم من فراشي وكنت نائما على ظهري عندما قلبني ووضع (الشناطات) البلاستيكية في يدي وسحبني الى جدار سطح المنزل وشاهدت ابني البكر مكبل الايدي وعلى رأسه كيس اسود وكنت اسمع عويل وصراخ افراد عائلتي, وفي تلك الاثناء جاء احد الجنود الامريكان يحمل حفيدي وهو يصرخ بهستيريا وقال: (هوز ذا فاذر اوف ذيس بيبي) أي "من هو والد هذا الطفل" بعدها وضعوا الكيس في راسي وقاموا بانزال العائلة من على السطح تباعا الى الفناء الخارجي للمنزل وبعدها انزلوني يسحبني احدهم ويقول لي "ستيب باي ستيب" أي "خطوة خطوة".
نزلت والسواد هو طريقي حيث اخذوني الى احد الغرف ورفعوا عن راسي الكيس حينها رأيت الغرفة وقد اصبح عاليها اسفلها وتحطمت بالكامل وسألني الضابط الامريكي الذي يضع رتبة صغيرة وهي رتبة كابتن: من هو ضيفك؟
ترجمها لي المترجم.
قلت له: احس بدوران واريد ان اتقيا.
سحبني المترجم من تلابيبي وزجرني قائلا: (جاوب ما كو دوخة).
قالها بصراخ وتهديد وكأنني قاتل ابيه.
قلت : اريد ان اجلس.
نهرني للمرة الثانية.
قلت: لا اعرفه مجرد ضيف.
قال: ما اسمه؟
قلت : ابو عامر.
قال : من اين جاء؟
قلت : لا اعرف يقول انه من منطقة الحويجة
سألني : لماذا هو عندك؟
فأجبته : ضيف ..مجرد ضيف ويقول ان سيارته تعطلت في مدينة الطوز, وضعوا الكيس على راسي وأقتادوني الى الفناء الخارجي و هناك ومن أسفل الكيس رأيت أبنائي الثلاثة والضيف ووجوههم على الحائط و(الشناطات في أياديهم والاكياس في رؤوسهم) وسمعت أبني المهندس يتمتم ويقول (اللهم لا نسألك رد القضاء بل نسألك اللطف فيه).
وكانت الاصوات تتصاعد بين عويل وبكاء وتكسير زجاج السيارات وصوت زوجتي تصرخ بهم (كسر الله أعظامكم يا خنازير).
ضيفنا ارهابي
سحبني أحد الجنود مرة أخرى ولكن هذه المرة الى المطبخ وأعاد الاسئلة نفسها واعدت الأجوبة نفسها,وبعدها ذهب وتركني مع المترجم فسألته: (شنهي السالفة) فأجابني بعدما تلفت وعرف ان الضابط بعيد وقال: (ضيفكم ارهابي كبير وانتم في ورطة كبيرة).
عاد الضابط فقلت له: انا رجل محترم ومن عائلة معروفة بل اني صحفي ورئيس تحرير ورئيس رابطة الصحفيين العراقيين وليس لي علم بكل ما تتكلمون عنه ولا أعرف عما تبحثون, حاول المترجم أن يضربني بالخوذة العسكرية ولكن الضابط الأمريكي منعه من ذلك بعدها أخذوا يجرجرونني ولا أعرف الى اين؟ أحسّ انهم يأخذون بصمات أصابعي بعد ان التقطوا لي عددا من الصور وبأكثر من اتجاه. استمر التفتيش والتكسير أكثر من ساعتين وقلدونا أكياسا ووضعوا بها أشياء لانعرفها وكان ابني البكر يقول لي: (شدة وتزول ياغالي شد حيلك) وانا اقول: (حسبنا الله ونعم الوكيل).
الطريق الى سبايكر
أخذوا من البيت كل المستندات وجميع الاوراق الخاصة وحتى الصور الفوتغرافية الخاصة بالعائلة ووضعوها في كيس كبير,وسحبني أحدهم الى المدرعة وصوت المترجم يقول لعائلتي (لا أحد يتحرك من مكانه حتى نروح.. مفهوم).
وكنت امشى خلفه في بحر متلاطم من الظلام لا أعرف على ماذا تقع قدماي وهذا الرجل الضخم يسحبني بقوة ,وكنت أحيانا أقول هذا كابوس مزعج وكان الجندي يسحبني الى ان وصلنا عندها قال لي: اصعد و رفعت رجلي ودفعني الى داخل حوض المدرعة وثنيت ركبي وراحت المدرعة تعلن بجعيرها الرحيل والابتعاد عن داري وعائلتي وآلاف الافكار تطحن وتجوب في خلدي, ويتسلسل الشاهين في سرد قصته بأسلوبه المليء بالصور الشعرية قائلا: للفجر مزايا الطيبين ونعومة الاطفال وفرح العصافير ولكن هذا الفجر لايشبه أقرانه, ويستطرد: استمرت المدرعة بجعيرها وأحسست أنها تعبر الجسر الى قلعة تكريت وهذا الجسر يربط (حاوي البوعجيل) بمدينة (تكريت) ويربط الطرق القادمة من كركوك بتكريت وحين كنا نعبر الجسر تذكرت عنوان رواية عبد الرحمن منيف (حين عبرنا الجسر) وتذكرت في السابق ونحن نمعن النظر في المناظر الخلابة لنهر دجلة حيث بنى صدام حسين قصوره الجميلة في نهاية الجسر وخطر ببالي قصر (ذو الفقار) الذي يضم 364 غرفة على عدد أيام السنة وقد بني على الطراز العباسي وتذكرت باقي القصور على ضفاف دجلة والتي يتوسطها (قصر الفاروق) وهو أكبرها واضخمها وتأتي في نهايتها بوابة صلاح الدين الايوبي.
الوقوع في الفخ
دارت في رأسي العديد من الأسئلة وانا على متن المدرعة: من هو هذا الرجل؟ وما الذي أتى به الى بيتي؟ وكيف عرفت أمريكا أنه في هذا المكان؟ وهل كان اختيارهم له محض صدفة أم هي مكيدة من شخص ما؟ وهل هذا الرجل بهذه القيمة الكبيرة التي جعلت أمريكا تجيش له الجيوش.؟ وكيف وصلوا اليه، ربما هناك جاسوس أو عميل يترصد تحركات هذا الرجل أم هي وشاية فورية قبض ثمنها؟، بالتأكيد امريكا رصدت مبلغا مغريا لاصطياد هذا الرجل الذي يعرفه الجميع أن هناك فوجا من العملاء الذين يتقاضون رواتب مغرية من القواعد الامريكية لابلاغهم عن المجاهدين أو غير المرغوب فيهم في الساحة السياسية، وهناك طرق أخرى يستخدمها الامريكان وهي التتبع عن طريق الهاتف النقال عبر GBS وهذا الرجل اتصل أكثر من مرة من هاتفه.
حاولت أن اجد أي خيط يدلني على وقوعي في هذا الفخ الذي جعلني أتألم أكثر وافقد الأمل في المعاملة الحسنة أو الافراج عني.. اذ ليس في العراق قانون يحمي الصحفيين، ولم يتضمن الدستور الجديد مادة واضحة لحماية الصحفيين بينما في أمريكا وكما ينص الدستور الامريكي فإن الصحفي له الحق في شتم أعضاء الكونغرس دون أن تمس له شعرة، واصبح ذلك ساريا منذ عام 1735م إبان القضية المشهورة لناشر جريدة نيويورك جون زنجر zinger) )
ولكن هنا لايعرف (زنجر) ولا تتلى قضيته، هنا البلد يغرق في فوضى سياسية واقتصادية وأخلاقية وأنا أغرق في همومي وتعاستي وضياعي.
الذهاب الى الاسطبل
استمر الرتل في سرعته شطر الشمال بعد أن تجاوزنا الجسر وقلت في سري ربما يذهبون بنا الى (الاسطبل) وهو معتقل في منطقة (العوجة) مسقط رأس صدام حسين وكان أسطبلا لخيول الرئيس وهذا المكان تعيس جدا على ما روى لنا الناس عنه.. أحدهم قال ان المرافق مفتوحة على بعضها وفيها ستة مقاعد ويأخذون في كل مرة ستة من المعتقلين لقضاء حاجتهم جنبا الى جنب لا يفصلهم أي فاصل والجندي الامريكي يبعد عنهم مترا واحدا فقط , وقال آخر (أن الجندي الامريكي ينزعج جدا عندما نقضي حاجتنا) فيقول (أنتم تقضون حاجتكم على أطراف فتحة المرافق ولما تصوبون علينا ار بي جي فانكم لاتخطئون الهمر أو الدبابة الامريكية أنتم العراقيون شعب غريب جدا).
أحسست أننا دخلنا بوابة القاعدة الجوية في تكريت (سبايكر) وسمعت قرقعة بنادق الجنود وهم يفرغونها من الرصاص ويتبادلون التهاني على وصولهم بالسلامة وكنت حينها اشعر بالغثيان والعطش الشديد.
داهمتني ضفادع ليلية تنبعث من عيونها أشعة ليزرية
الشاهين: الامريكان اعتقلوني بسبب استضافتي لشخص لا أعرفه
18 أبريل 2008 - 21:45
|
آخر تحديث 18 أبريل 2008 - 21:45
الشاهين: الامريكان اعتقلوني بسبب استضافتي لشخص لا أعرفه
تابع قناة عكاظ على الواتساب
رصدها: عبدالله عبيان