ظاهرة السمع كان لها دور كبير في حفظ القرآن والسنة والتاريخ والتراث، ولولا السماع وتناقل ما تم سمعه لاندثر الأساس في بناء الأمة! وسبحان الله، تأمل قارئي الكريم دعاء (اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا ما أحييتنا..) ذلك يعني أن السمع والبصر بوابتان مفتوحتان بفضل الله على الحياة للتعرف عليها.. ورؤية عجائبها.. وقد وهب الله عز وجل الإنسان نعمة السمع وهو أعلم بما وهب، كي يمتعه بها بما يجعله يتلمس هذه النعمة وما يقوي فيه هذه القدرة. بل إن الله عز وجل منذ الخليقة فطر الإنسان على الاستمتاع بالأصوات عند سماعها... ألم تطرب في ساعة خلوة لحفيف الشجر، تغريد العصافير، هبوب النسائم، خرير الماء! كلها هبات إلهية زينت الطبيعة وأصغى لها سمع الإنسان وسحرته وانجذب إليها طائعًا، وكل ذلك كان المكوّن والمؤسس للأذن الموسيقية عند الإنسان ولولا إرادة الله وحُسن خلقه جل وعلا ما كانت هذه الأذن ولا كان ذلك السمع ولا طربت نفس ولا انتشت.. وانتعشت روح! ولو تأملنا في الزمن البعيد قبل الآلات الموسيقية وقبل انتشار الموسيقى الصاخبة في الوقت الراهن، لا يخفى عليكم أن الإنسان اخترع (المزمار) من أعواد الأشجار كي يؤنس به وحشته ويسلي به عن نفسه، وتطور الأمر إلى اختراع (الربابة) يدغدغ بها أحاسيسه ويحرك بعزفها شجونه ويخاطب من خلالها جمال الكون حوله، دعك من هذا قارئي الملهم، وتأمل في واقعنا المعاش مع كل حركة يقوم بها الإنسان في فعل مستمر لإنجاز مهمة أو أداء عمل يخترع صوتًا يحاكيه ويشد عزمه ويشحذ به همم من حوله.. كان (للسقا) وهو يدور بين الحارات صوت يلفت الأنظار، و«للبنائين» عندما يحملون مواد البناء أناشيد وأصوات تقرّبهم من بعضهم البعض وتدفعهم قدمًا لإنجاز عملهم وفي الخليج كان صيد اللؤلؤ تجارة ومهارة ونشيد له أهازيجه المحددة وأصواته المنغمة تنثر الأنس في البحر وتشد من عزم الرجال! كل الممارسات العضوية المنتجة التي أحيت الأرض.. وعمرتها كان يرافقها صوت غنائي يطرب له الوجدان وتهتز معه المشاعر النقية. ولا يفوتك سيدي القارئ أن فترة الجاهلية حفلت بنوع من الموسيقى الصحراوية ملأت حياة الناس منها المعلقات، وأشعار الصعاليك، والأهازيج، حتى أناشيد الحروب وأصوات المغازي ما بين سليل السيوف وصهيل الخيول وأصوات الرجال المنغمة في ندائها لبعضها بعضًا! أي كان للتراث العربي وجود منغم! ثم جاء الإسلام وهذّب وارتقى بالموسيقى الصحراوية وأوجد تأثيرًا صوتيًا ساحرًا وجاذبًا يتمثل في صوت الأذان، في إقامة الصلاة، في التلبية مع الحج، تكبيرات العيد، وإذا كانت التوراة والإنجيل ترتكزان على المزامير والأناشيد فإن القرآن العظيم أحيط بمنزلتين منفردتين رفيعتين التلاوة وبلاغة السجع والفواصل، إنه معجزة لا يقوى عليها إلا الله سبحانه.. وبعد ذلك نسمع أن كل موسيقى حرام.